«مولنبيك»… أحلام الإمارة الإسلامية في حي مضغوط بالمهاجرين المهمشين: بروكسل…عاصمة الاتحاد الأوروبي أم عاصمة الجهاد في أوروبا؟

درجت تسميات القرى الريفية في المشرق العربي على استخدام «التحتا» و «الفوقا» للدلالة على القرية نفسها المقسومة بين طبقتين، إما طبقات جغرافية بين سهل ومرتفع، أو طبقات اجتماعية بين من يملكون ولا يملكون، ومن هنا كانت تسميات القرى تحمل إحدى الصفتين، تحتا بمعنى التحت، أو الفوقا بمعنى القسم الفوقي من القرية.
هذا التقسيم العمودي بتسميته الدارجة في بلاد الشام، كان أول ما تبادر للذهن حين دخلنا ضاحية مولنبيك في أطراف بروكسل، لنعرف من مرافقنا الضليع بها أنها مقسومة أيضا بين مولنبيك «تحتا» و»فوقا». وبين «تحتا» التي يقطنها المهاجرون والفقر والبطالة والاكتظاظ، و»فوقا» التي يقطنها أثرياء موسرون ومترفون ببيوتهم، هوة عميقة جدا، حاصل الفرق فيها كان في باريس على صيغة دموية وقاتلة. مولنبيك، إحدى بلديات بروكسل التسعة عشر، وأكثرها اكتظاظا بالسكان على مستوى بلجيكا، وتتميز بمشاكل البطالة والمخدرات والجريمة، وهي كلها عناصر اجتمعت في تلك البقعة الجغرافية لتجعلها أكثر الأماكن المؤهلة للإختفاء والاختباء عن عيون السلطات، وهذه المعطيات ذاتها التي جعلت عمدة مولنبيك فرانسوا اسخيمانز يصرح في اليوم التالي لأحداث باريس الدموية المؤسفة بقوله «..منذ عقود توافدت أعداد هائلة من المهاجرين إلى حي مولنبيك، ولم نستطع وضع سياسة كفيلة بدمجهم في المجتمع البلجيكي، وتركنا سكان الحي يتخبطون في مشاكلهم دون مساعدة الدولة وهذا ساهم بشكل كببير في تسهيل استقطابهم من قبل المتشددين والجماعات المتطرفة».
وفعليا، ارتبط الحي بتاريخ طويل من العمليات الإرهابية أبرزها اغتيال أحمد شاه مسعود القائد الأفغاني في ايلول/سبتمبر 2001 على يد التونسي ابن مولمبيك عبدالستار دحمان، وارتبطت باسم حسن الحسكي، العقل المدبر لتفجيرات مدريد عام 2004 وهو الذي سكن في الحي الشهير، ومؤخرا بتفجيرات باريس الأخيرة والاعتداءات الإرهابية والتي كشفت التحقيقات أن أغلب مرتكبيها على صلة مباشرة بهذا الجيب السكاني المكتظ، والذي يراه البعض بعد أحداث باريس امتدادا لكهوف أفغانستان، وأوكار الرقة المتطرفة، إلى درجة ان طالب الصحافي الفرنسي المشهور بأفكاره المتطرفة إيريك زيمور بأن يقوم سلاح الجو الفرنسي بقصف مولنبيك بدلا من قصف الرقة!
فهل يرتبط الإرهاب الإسلامي المتطرف بمكان جغرافي أو فئة عرقية أم هو ناتج عن قصور في جهود برامج الاندماج المجتمعي التي تنفق عليها أوروبا أموالا طائلة؟ وهل نتوقع أعمالا إرهابية أخرى في أوروبا؟
أسئلة حملتها «القدس العربي» إلى نخبة من المفكرين البلجيك والأوروبيين والمختصين، فكان الاستهلال بالدكتورة فلورنس كوب، الخبيرة في النزاعات في الشرق الأوسط ومستشارة سابقة لمركز الناتو والبرلمان الألماني، والتي أكدت أن فشل اندماج المهاجرين العرب كان أحد أهم أسباب توجه الجيل الثالث منهم إلى التطرف، وحملت فشل عمليات الاندماج المجتمعي إلى الطرفين، الدولة المضيفة وهنا بلجيكا، والمهاجرين الذين كانوا طوال إقامتهم في أوطانهم الجديدة يحملون في داخلهم توقعات العودة إلى بلدانهم الأصلية فلم يسمحوا للإندماج المجتمعي ان يتغلغل فيهم.
ولا تخفي الدكتورة كوب مخاوفها من تجدد الأعمال الإرهابية الدموية في أوروبا لكنها لا تتوقع ان يكون حدوثها بسبب وجود أعداد كبيرة من اللاجئين بل بسبب وجود مقاتلين أجانب في صفوف الحركات الإرهابية سيعودون قريبا إلى أوروبا محملين بالكراهية والخبرة القتالية والتدميرية أيضا. جدير ذكره أن بلجيكا كانت قد تعرضت سابقا لانتقادات من منظمة العفو الدولية في عدم اتخاذ إجراءات كافية لدمج الأجانب حيث جاء في تقرير عام 2012 ان القانون يسهل على الشركات في بلجيكا رفض العمال إستنادا إلى عقيدتهم الدينية.
وهذا القصور التشريعي، المؤدي إلى حالات التمييز الديني والعرقي، شكل مدخلا سهلا للحركات المتطرفة كما يقول عمر النادي، وهو باحث وإعلامي بلجيكي من أصول فلسطينية، ومختص بالحركات الإسلامية، والذي يقول أن بلجيكا لا يمكن اعتبارها مصدرا للإرهاب ولا لهذا النوع من الإرهاب الدموي المتطرف.
ففي البعد السياسي يرى الباحث النادي، أن الجيل الثالث من المهاجرين العرب فاقدين للهوية وأن كثيرا منهم ينتهي إلى كونه لا منتم، فهو غير مقبول بالكامل كمواطن بلجيكي ولا هو قادر على العودة لأصوله في بلاده الأصلية مما ينتهي به في حالة غضب، وهو ما يتم استغلاله من قبل مشايخ السلفيين لاستقطابهم وتجنيدهم بسهولة مقابل إعطاءهم حالة انتماء من خلال الفكر الجهادي.
وحسب النادي فإن البعد العقائدي هو الأخطر في أوروبا، فهو يرى ان المراكز الإسلامية المعتمدة لا تقوم بدورها التوعوي كما يجب، وانشغلت بقضايا أقل أهمية مثل تحري الهلال أو الرقابة على الذبائح والأكل الحلال، ما شكل فراغا كان عليها ملأه بدلا من الفكر السلفي الذي ملأ الفراغ واستغله بشكل فعال.
أما الباحث البلجيكي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط لودو دي برابندر، فيرى ان الظاهرة معقدة ولا تقتصر على بلجيكا، وبلجيكا ليست مكانا لإنتاج الإرهابيين المتطرفين، لكن هذا لا ينفي وجودهم فيها، ويعيد الأسباب إلى الحركة السياسية «الشريعة من أجل بلجيكا» والتي تم حظرها بعد أن كانت مسموحة لفترة من الوقت. تلك الحركة وظفت مقاتلين بعد استقطابهم إلى الفكر الجهادي، وبعلم الدولة البلجيكية، وأن حظر الحركة جاء بعد فوات الأوان، حيث انها توغلت في المجتمعات المهاجرة وصار لها قياداتها وأقطابها وقادرة على التغلغل في المجتمعات اليائسة والمصابة بخيبة أمل شديدة في السياسات الأوروبية والتي ترى فيها نوعا من الاستعمار الجديد.
وحول توقعه تصعيدا في الإرهاب، يقول انه يخشى من رد الفعل المقابل أيضا من قبل اليمين الأوروبي، مدللا على قيام التيار اليميني البلجيكي المتطرف بعد أحداث باريس بتوزيع ملصقات الكترونية على الانترنت تطالب بإغلاق الحدود أمام اللاجئين وطرد المهاجرين، ما يشكل حالة إحتقان قد تفضي إلى عنف.
جدير ذكره أن بلجيكا تشهد الآن جدلا سياسيا على مستويات رسمية وحزبية تطالب بتغييرات في القوانين الأساسية أو من جهة تفعيل قوانين موجودة أصلا يرى ناشطون وسياسيون ان عدم تفعيلها أدى إلى تفريخ الإرهاب. ومن تلك القوانين، قانون الميرسنيري (المرتزقة) حسب التسمية الشائعة له، الصادر عام 1979 والذي يحظر على أي مواطن بلجيكي القتال إلى جانب أي جهة أجنبية داخل أو خارج بلجيكا، وقد جمدته السلطات محددة تفعيله على من ترى فيه خطرا على الأمن مما أخضعه للمزاج السياسي، وحسب الأخبار الراشحة من بروكسل فإن وزير الداخلية تقدم بطلب عام 2014 بتفعيل القانون وتعديله بحيث تشدد العقوبة فيه من حبس أقصاه عامين إلى خمس إلى عشر سنوات.
كما تدور بين أروقة الحكومة والبرلمان البلجيكي جدلية وضع قانون يخول للسلطات سحب الجنسية ممن تثبت عليه تهم الإرهاب أو المشاركة فيه، وهو ما يضع البلجيكي ـ حسب مراقبين ـ في حالة البدون إن تم سحب الجنسية منه، وهو ما لا يتوافق مع الأعراف والمواثيق الدولية ولا المعايير الأوروبية لحقوق الإنسان.
وحسب الإحصائيات الرسمية والصادرة عن منظمات دولية عدة فإن بلجيكا تتصدر قائمة الدول الأوروبية المصدرة للمقاتلين في سوريا والعراق، وقد وصل العدد حسب آخر إحصاء لشهر تشرين الاول/أكتوبر الماضي إلى 516 مقاتلا، 183 منهم معروفين بالأسماء الكاملة، و 94 منهم معروفين بأسماء الكنية والألقاب.
وتشير الإحصائيات إلى أن عدد المسلمين في بلجيكا يبلغ 640 ألفا وهو ما يشكل ما نسبته 6٪ من إجمالي السكان حسب الإحصاءات التي أجريت قبل بدء موجة اللاجئين الأخيرة إلى أوروبا.

مالك العثامنة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية