مونغي (كولومبيا) ـ «القدس العربي»: لمعرفة كيف يعيش سكان مونغي، القرية الجبلية الخلابة في كولومبيا، يكفي النظر إلى ساحتها العامة: كرات قدم تتدلى من الشرفات والأبواب، وتمثال على شكل كرة أيضا ينتصب فيها.
في هذه القرية التي يعود تاريخها إلى عام 1601، والواقعة في مناطق جبال وسط البلاد، يعمل ربع السكان البالغ عددهم 4900 نسمة في صناعة كرات القدم، موزعين على نحو 20 مؤسسة مختصة. ولا يزال بعض هذه المؤسسات يقوم بخياطة الكرات يدويا، وهو أسلوب اعتمده سكان مونغي منذ الثلاثينات. ويروي مدير ومؤسس متحف كرة القدم في القرية إدغار لادينو: «كان عمي فرويلان يقوم بخدمته العسكرية على الحدود مع البرازيل. وفي عام 1934 وفي ولاية ماناوس البرازيلية، زار احد السجون حيث تعلم كيفية خياطة الكرات». وأضاف: «نقل الفكرة إلى مونغي واتخذ على عاتقه تعليم السكان ذلك». وبلغت ذروة انتاج الكرات في السبعينات. كان 80 موظفا يعملون عند والد ادغار وكان عملهم يكتمل كل يوم سبت عندما يأتي مزارعون ويعطونهم 10 إلى 15 كرة خيطوها بايديهم خلال الاسبوع. ويؤكد ادغار: «كانت حقبة جميلة جدا» معربا عن أسفه «للحداثة» التي يشهدها المجتمع حاليا، واغراق السوق بكرات مصنوعة على الطريقة الصينية التجارية التي ضربت بعرض الحائط تقاليد خياطة الكرات.
تستعيد فيتالينا ميزا وخوسيه سييرا هذه الايام الجميلة، وهما لا يزال يحافظان على تقليد الصناعة اليدوية لكرات القدم، الا ان اربعة من اولادهم يعملون في مصانع تعتمد على تقنيات اكثر حداثة. وفي «مكتبهم»، وهو عبارة عن غرفة في منزلهما المتواضع طليت جدرانها باللون الازرق، تقوم فيتالينا وخوسيه باستخدام إبرة واحدة، بخياطة 32 قطعة مختلفة لجعلها كرة قدم واحدة. وتستغرق فيتالينا التي تعتبر اسرع من زوجها في الخياطة، ساعتين لاتمام كل عينة، اما خوسيه فيحتاج إلى ثلاث ساعات. ويقوم الزوجان بتجهيز 5 إلى 6 كرات يوميا مقابل بدل مالي يراوح بين دولارين و2،8 دولارين لكل كرة. ويقول خوسيه (67 عاما): «طالما نتمتع بالصحة ونستطيع الاستمرار في الخياطة سنواصل العمل»، متذكرا الحقبة التي كان فيها «يبحث عن الوقت» للخياطة في خضم مهامه الزراعية المتنوعة. ويشير إلى ان الاعمال الزراعية «كانت توفر لنا المال مرة كل ستة أشهر. كرات القدم (كانت توفر المال) مرة كل 15 يوما». وبدأت زوجته البالغة من العمر 60 عاما في الخياطة منذ بلوغها التاسعة، لكنها تعتبر حاليا ان «عصر الكرة المخيطة ولى، انه زمن الكرات المصنعة المتوافرة بكميات كبرة». ولا ترى فيتالينا اختلافا في نوعية الكرات المخيطة او المصنوعة آليا، معتبرة انه «يمكن اللعب مع كرة مخيطة تحت المطر، في الماء، لا يهم ما هي الظروف فهي تقاوم كل الظروف المناخية. في المقابل، فان الكرات المصنعة لا تقاوم الرطوبة وتترهل».
في مونغي، ينكب كثيرون على هذه التقنية الحديثة، ففي المؤسسة التي انشأتها روزا هورتادو (42 عاما) مع زوجها، لا يقوم العاملون بخياطة الكرات من الخارج قبل وضع الاطار الداخلي، بل يستعملون قالب كرة من الكاوتشوك قبل ان يلصقوا عليه الأجزاء الخارجية. وتقول اوزا: «بدأنا بشراء القالب وكنا نبقيه أسفل سريرنا بانتظار الحصول على ما يكفي من المال لابتياع باقي المواد». وتضيف «اشترينا خمسة امتار من هذه المواد من اللون الابيض ومثلها من اللون الاسود فكانت بداية صناعة صغيرة للكرات في منزلنا في غرفة صغيرة تحولت في ما بعد إلى مؤسسة غيغول» التي أسستها. وتقوم «غيغول» بصناعة ألفي كرة تصدر إلى فنزويلا وقد يصل عدد العاملين في بعض الاحيان إلى حوالى 15 عندما يكون الطلب عاليا، وتلجأ حينها إلى الاستعانة بخبرات ربات المنازل «بسبب رشاقة اليد العاملة النسائية». ويثير هذا النشاط الكروي اهتمام السياح الذين يزورون مونغي خلال استكشافهم للجبال الكولومبية. ويقول الفرنسي بنجامين كورتادون الذي كان اولاده يلهون بالكرات في احد متاجر القرية «جئنا للقيام بجولة في المنطقة لكن ايضا من اجل معرفة كيفية صناعة الكرات».