ميراث من الاتفاقات السيئة

حجم الخط
0

الاتفاق الآخذ في التبلور بين واشنطن وإيران في الموضوع النووي ينضم إلى اتفاق سابق له وقعته الولايات المتحدة في صيف 2013 ـ الاتفاق على ازالة الاسلحة الكيميائية في سوريا. الادارة الامريكية وصفت الاتفاق كانجاز دراماتي وكنجاح، لكنه سيدخل كما يبدو التاريخ كاتفاق جلب هدوءً مصطنعا لاوباما لبضع سنوات وعالج ظواهر المرض، ولم يعالج المشكلة نفسها ـ استمرار نظام الحكم القاتل لبشار الاسد.
بين الاتفاقين يمر خط مستقيم، وهو امتناع الادارة الامريكية عن أخذ المسؤولية كما يتوجب دورها كقائدة للعالم الحر في معاقبة النظام الاستبدادي على افعال محظورة ضد أبناء شعبه وجيرانه، والمعالجة الجذرية للخطر الذي يعرض أمن المنطقة وربما العالم.
إن تعب واشنطن من معالجة مشاكل العالم يمكن فهمه. الولايات المتحدة مُتعبة من الحروب في افغانستان والعراق وغارقة في الانشغال بمشاكلها الداخلية. في واقع كهذا ربما يكون من الافضل الاعتراف بالحقيقة الصعبة وفي الاساس يفضل ترك المشكلة مكشوفة أمام الجميع بدلا من التوصل إلى اتفاق وهمي، كي لا يُفاجأ أحد من أنه بعد بضع سنوات، وربما أقل، ستبرز المشكلة من جديد ـ سواء كانت تهديدا نوويا إيرانيا أو دموية النظام السوري ـ بصورة أكثر خطورة مما هي عليه اليوم.
إن استخدام السلاح الكيميائي ضد السكان المدنيين بالقرب من العاصمة من قبل الاسد قبل سنتين لم يكن للمرة الاولى. لكن العدد الكبير من القتلى، أكثر من 1200 وفي الاساس الدلائل من مسرح الاحداث لم تترك المجال للشك حول ما جرى في الحقيقة، لم يترك أي خيار أمام الادارة الامريكية سوى الرد.
يمكن الافتراض أن الرئيس اوباما لم يرغب في الانجرار إلى عملية في سوريا، لكن قبل بضعة اشهر من ذلك حذر بشار الاسد من أن استخدام السلاح الكيميائي يشكل بالنسبة للولايات المتحدة اجتيازا للخط الاحمر. لقد أمل أن يفهم الاسد الرسالة، لكن الاسد هو نفس الاسد، واعتقد أن اوباما يناور. هنا اضطر اوباما إلى أن يدرس ردا ليس بالتحديد من اجل خلاص الشعب السوري بل للحفاظ على سمعته وهيبته في العالم.
لقد تم استدعاء الروس لمساعدة اوباما والاسد، حيث طُبخت صفقة في اطارها تعهدت سوريا بالتجرد من السلاح الكيميائي لديها وفي النهاية تراجعت واشنطن عن نيتها معاقبة بشار الاسد على المذبحة التي نفذها ضد أبناء شعبه. الاتفاق الكيميائي بين اوباما والاسد وصف كانجاز دراماتي وتاريخي، لكن كان من السهل على الكثيرين تجاهل سلبياته: أولا، أعطى الحماية لبشار الاسد أمام أي خطوات دولية أو امريكية ضده طالما هو ملتزم بالاتفاق الذي تم التوصل اليه، وبهذا أعطى للرئيس السوري الضوء الاخضر، ولو بصورة غير مباشرة، للاستمرار في استخدام كل أنواع الاسلحة في حوزته باستثناء السلاح الكيميائي ضد المتمردين.
الاتفاق أرسل رسالة للشعب السوري بأن أحدا لن يهب لمساعدة الثورة السورية، وبهذا أعطى الدعم، غير المقصود، لبشار في حربه ضد المتمردين. من الواضح أنه اذا اجتاز بشار الحرب في سوريا فان الامر الاول الذي سيكون هو العودة إلى تطوير السلاح الكيميائي، وربما النووي، كما حاول القيام بذلك في السابق.
الاتفاق الآخذ في التبلور مع إيران لا يختلف كثيرا عن الاتفاق الذي تم احرازه في حينه مع الاسد. فهو يعطي للنظام الإيراني الحصانة أمام الهجوم ويرسل رسالة اشكالية لجارات إيران وايضا لاسرائيل بأنه ليس عليها الاعتماد على المجتمع الدولي ازاء العدوان الإيراني مستقبلا. اضافة إلى ذلك فهو يعفي إيران من العقاب على خرق الاتفاقات والالتزامات الدولية السابقة بشأن تطوير البرنامج النووي. وفوق كل ذلك هو لا يحل المشكلة النووية من الاساس لكنه فقط يؤجلها لبضع سنوات.

اسرائيل اليوم 9/3/2015

ايال زيسر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية