ميراي الأطرش صديقة ليلى الصّباغ على مقاعد الدراسة الخشبية … تلك المقاعد التي حفرتا عليها القلوب وأسماء الشباب الذين تمنتا مصادقتهم ولكن التقاليد والأعراف منعتهما عن ذلك… وعلى الرغم من أنهما من منطقتين مختلفتين ولكنهما التقتا في جامعة دمشق… كانت ميراي ترسم على كل جدار فارغ تراه في الجامعة وليلى تقف خلفها حاملة الحقيبة محاولة إخفاء صديقتها وما ترسمه من رسوم صغيرة وما أن تنهي ميراي لوحتها حتى تهربا خوفاً من طردهما بتهمة التعدي على ممتلكات الجامعة… ولكن سرعان ما انتشرت أصداء هذه الرسوم وطلب مدير الجامعة من ميراي أن تقوم بمزيد من اللوحات الفنية التي أعطت الجامعة طابعاً خاصاً .
كانت ميراي من عائلة درزية من جبل العرب وكانت أيضاً موهوبة بعزف الكمان… هواية ورثتها عن والدها الذي كان عازفاً مشهوراً في المنطقة، رغم ملامحه الصلبة وطباعه القاسية التي هي أقرب إلى الدفان منها إلى عازف كمان، كما كانت تكتب بعض النصوص النثرية على صفحتها الفيسبوكية.. نصوص حظيت بإعجاب القرّاء فأصبح لديها الكثير من المتابعين والمعجبين.
ربما طفولتها المعجونة بدمع مالح شكلتها امرأة متعددة المواهب.. فطفولة ميراي كانت مثقلة بوجع فراق الأم التي ماتت في الثلاثينيات ولم يفهم أحد سبب موتها… كانت ميراي تسمع همس الجارات حين تلتقيهن صدفة في الحارة..
واحدة تقول:
مو حرام ، لك هاد ما بخاف الله …كيف بيقتل أم هالطفلة وهي لِسَّه ما شافت شي من هالدنيا..
وترد الأخرى:
ما الزلمة سكَّرجي وقمرجي شو بتتوقعي منو؟ الله يهدو عامل حالو فنان وهو شقفة كمنجاتي عرصة بكباري…
أما عمتها سهى فكانت دوماً تقول لها مرتبكة : المسكينة ماتت بالسرطان وما حدا اكتشف مرضها لآخر دقيقة.
ومن سوء حظ ميراي أنها كانت الابنة البكر والأم لأخوتها فبحكم
مهنة والدها في الملاهي الليلية ترك أسرته تكبر وحيدة…
كانت دائرة ميراي مغلقة وضيقة بحكم مجتمعها المحافظ عكس آفاقها وطموحها وثقافتها الذاتية الشاسعة وحتى اسمها كان غريب لبلدتها الدرزية النائية بالجبل … اختار والدها ذلك الاسم تيمنا بالمغنية العالمية ميراي ماثيو…. ولفرط الصدف كانت ميراي تشبه المغنية ماثيو لحد كبير… شعر بني قصير وأنف صغير منمنم وضحكة عريضة تخطف قلوب ناظريها.
نظم اتحاد الطلاب في الجامعة رحلة إلى منطقة الربوة التي يتغلغل في قلبها نهر بَرَدى … هناك على ضفاف النهر التقت عينا ميراي بشاب جذاب ماركسي كان من طلاب الجامعة المشاكسين والمعارضين لحكم بشار… ليث البطل لقب ذلك الشاب المشاكس الذي كان محبوباً من معظم بنات الجامعة… لفتته ميراي بضحكتها الرنانة ومزاحها وخفة دمها، ولكن علاقة ميراي بليث لم تنته بنهاية الرحلة وعودة الطلاب إلى بيوتهم… أضافها في اليوم نفسه كصديقة على الفيسبوك… وبدأت العلاقة تتطور تدريجياً إلى أن أصبح ليث رجلها الأول الذي فض عذريتها في لحظة طيش ولذة وجنون من دون أن يفكر بالعواقب.. أفشت ميراي لصديقتها ليلى تفاصيل علاقتها بليث… ولكن الأخيرة لم ترحمها وبدأت ترجمها بكلمات قاسية وكأنها الزانية الوحيدة في العالم… فليلى بخلفيتـــــها الدينية وصلاتها المتواصلة للعذراء مريم لم تتقبل فكرة علاقة جسدية بين ليلى وليث خارج إطار الزواج… وقررت أن تقطع علاقتها نهائياً بصديقة الجامعة.. ولم تكترث بذكريات الرسوم على الجدران أو بنقش الحروف فوق المقاعد…
اتصلت ليلى بياقوت التي تعرفت على ميراي بحكم صداقتها بها.. وبعد أن حكت لياقوت القصة بكاملها لم تتأخر الأخيرة عن توبيخها قائلة:
لك معقول وين راحت صلواتنا سوى.. هيك منتقبل أخطاء الآخرين؟ بعدين مين قال نحنا قديسين؟ هيك، بدل ما توقفي حد صديقتك عم تجرحي فيها… الله يسامحك يا ليلى… وبعدين كيف بتحكيلي سرها… روحي بسرعة صالحيها…
كانت هذه المكالمة الأخيرة قبل هروب ياقوت مع محمد… لم تمر أسابيع على علاقة ميراي بليث حتى بدأ يشعر بالملل وتحولت علاقتهما إلى حاجة جنسية لا حياة لها خارج السرير… كانت ميراي تتألم من تغير ليث المفاجئ وتصارع الإحساس بالذنب وتسعى للخروج من بيئتها المتزمتة لخارج البلاد، خاصة في ظروف الحرب التي أعطت شرعية للهروب وجعلت منه أمراً عادياً. فقررت أن ترفع كمامة الأوكسيجين عن العلاقة المصابة بالكوما التي لا تحييها سوى آلات الجنس الميكانيكية البعيدة كل البعد عن أي عاطفة.
تركته ولكنها كانت تتألم يومياً وتتساءل لمَ كل هذا اللؤم في استحضار لحظات الحب الموجعة؟ وكأنه بمجرد استحضارها تستحيل الذكريات بالوناً ينفخه الحاضر أكثر مما يجب إلى أن يفقع في وجهنا وتغرزنا شظاياه .. وكأن الذكريات كانت تستريح في الذاكرة لتستعد لمواجهة أقوى. أما لحظات الفرح فمهما حاولنا أن نستعيدها يبقى بريقها غائباً، ومهما جهدنا لا نستطيع الوصول إلى لحظة التجلي السامية التي عشناها.
حاولت ميراي التواصل مع بعض معارضي الأسد لتصل لمكان آمن خارج بلدتها… فنجحت في أن تهرب من سوريا إلى تركيا بمساعدة مجموعة سياسية.. وهناك اضطرت للعمل في بيع الدخان المهرّب والورود على ناصيات الشوارع في اسطنبول حيث وقعت في حفرات كثيرة … تحرش جنسي، ومطاردات في الشوارع من الشرطة التركية، ووعود رجال أعمال ســـوريين لها بالمســاعدة مقابل ليال حمراء.
اختفت ميراي شهورا لا أحد يعرف عنها شيئاً ولا حتى عائلتها وبعدها وصلت أخبارها عبر صفحتها في الفيسبوك.. لقد أصبحت لاجئة في هولندا.
الحديقة
كتبت رسالة لوالدها:
أبي الحبيب
كم اشتقت إليك يا أبي … أشعر أني كبرت جداً وكأني أصبحت بعمر الأهرامات… كل شيء تغير يا أبي حتى معاني المفردات… في الماضي حين كنت أفكر بكلمة لجوء كانت تحضر طفولتي وينده لي حضن أمي … ويغريني حضن الحبيب… أرتمي عليه بضع دقائق كي ينبت لي على غفلة جناحا طير… حين كنت أفكر بكلمة لجوء كنت أفتح جناحيّ حتى أقصى مداهما وأحلق بعيداً وهناك تكون أحلامي، بيضاء مثل مشحة عابرة لها قدسيتها… حين كنت أفكر بكلمة لجوء كنت أفكر بالدفء بالأمان بأوراق الليمون المستلقية بحنو فوق التربة… أفكر ببقايا حليب على وجه أخي الصغير وبابتسامة خافتة توحي بالرضا.. ما أعظم معنى كلمة اللجوء يا أبي وكيف شوهها الطغاة حين تمكنوا منها… فكل ما يسند إليهم يفقد معناه حتى الأوطان…
لا تسمح لأختي سهى بمغادرة الشام فالطريق إلى أوروبا تماماً كالجنازة، الكل فيها يبكي ويتألم وحين نصل البلد المقصود ويفتح القبر لإلقاء النظرة الأخيرة نصعق بأن الميت هو الوطن بوجهه الأصفر الجامد…
جلست هذا الصباح يا أبي أشرب فنجان قهوتي في الحديقة المواجهة لسكني الجديد، عادة قد اكتسبتها منذ وصولي من صديقة هولندية… والآن أتمسك بهذه العادة الصباحية حتى عندما يغرز المطر أظافره المتكاثرة فوق جسدي ويصفعني برد الشتاء… أجلس دائماً على درجة صغيرة أسند ظهري على الحائط وأقابل الورود.. أجلس وحيدة لأواجه خيباتي وأستعد لخبايا النهار. وصدفت أن رأيت اليوم أمامي يا أبي حلزونة صغيرة كنت أراقبها وشعرت بأنها تراقبني أيضاً تأملتها لوقت طويل ثم بكيت على حالها لأنها وببساطة تشبهني وتشبه الكثير من سكان هذا الوطن العاجزين أمام الطغاة والمنافقين والممثلين ولا يصعب علي أن أعترف لك بذلك.. لا تتوقف عن العزف يا أبي فأنا من بعد أسمعك. وكن حنوناً على إخوتي… فمن باب الوجع أقول: المحبة التي استثنتني هي التي ترفعنا إلى أعلى مراتب الفرح! ها أنا أتذكر لحنك وأحاول العودة إلى ذاتي التي هجرتها.
أنهت ميراي الرسالة وراحت تشهق بالبكاء ولم تتحرك من مكانها ولكنها لم تكن تشعر بالوحدة، كانت الشام وأحلامها المؤجلة وزواريبها التي تقوقعت بفعل الخذلان وذكرياتها المدخنة كلها… كلها… كانت تستفزها…
رأت جارتها الهولندية الصغيرة ابنة الثلاثة أعوام تتمايل فوق العشب وتغني أشياء لا يفهمها سوى الأطفال… كانت تنظر نحوها وكأنها تدعوها لاستعادة الفرح، وفي تلك اللحظة استفقدت الرياح… منذ زمن لم تعد تشاكس شعرها الطويل كما ينبغي!
وفكرت ليتها تستطيع تجنيح القبح ولو لدقائق معدودة!
أرادت أن تلمحه يحلق بعيداً… ورأت شكل الأفق وهو يرمم الأماكن التي مر منها…. ثم تستعيد ألوانها الزرقاء بتموجاتها المحببة… أرادته أن يهاجر ولو لموسم واحد…. عل الرِّيَاح تخرج من كبتها وتشاكسها من جديد..
نظرت إلى الزرقاء وراحت تبحث عن آلان الصغير… أين يختبئ خلف أي غيمة؟ ولأول مرة تدقق بالغيوم وأشكالها، تهيأ لها أنها امتـــداد للبحر ورأت أطفال البحر يتزحلقون فوق الموج فيحملهم بشكل دائري ليحطوا فوق الغيوم وكأنهم يركّبون ألعاباً دائرية في مدينة الملاهي. ثم تساءلت هل الغيوم تبكي فقط ليستحم أطفال السماء؟
وهل هناك مطر يكفي؟ هل اهتزت السماء لحظة الانفجار في بغداد؟ وهل ارتعش الأطفال؟ هل هناك غيوم تكفي لتكفين القتلى؟
هنا بيروت.. هنا الشام.. هنا بغداد … هنا المحبة سقطت…هنا الدمع لا يطهر الروح ولا ينعشها ولا يجعلها أقرب إلى الله.
٭ قاصة لبنانية
مريم مشتاوي