«السيد تمار يتوهج بالدفء، مرت أربع سنوات بائسة. وقت طويل جدًا كنا مع وجه اللعبة هذا، أنت مخدوع طوال الوقت، تبحث بيأس عن الذهب، لقد أخذوا منا الأرض ووعدوك بالعنب، لقد سرقوا نيلنا وأعطوك قطرة ماء. بعد ذلك حفرت قناة، كانت القناة شركًا من أجل سرقة أموالنا بغمضة عين. أنت حالة ميؤوس منها. أيها الرجل الدافئ والمتوهج».
ليس من الصعب فهم أن القصيدة التي تحمل عنوان «بلحة» التي كتبها الشاعر الشعبي المصري جلال البحيري، توجه سهامها للرئيس السيسي. الأرض التي أخذوها من المصريين هي جزر صنافير وتيران، التي أعادتها مصر للسعودية. في حين أن القناة هي الخط الموازي لقناة السويس الذي أمر السيسي بحفره وتبين أنها مشروع غير مجد، كلف الشعب المصري الكثير وكان طلب منهم التبرع لتمويله.
«بلحة» هو شخصية وهمية ليست طبيعية تمامًا، تظهر في فيلم مصري، كذلك هي الكنية التي ألصقت بالسيسي. القصيدة الهزلية لحنها الموسيقار رامي عصام الذي عرف في فترة ثورة الربيع العربي كشاعر الثورة. قصيدته «ارحل» التي وجهها لحسني مبارك تحولت إلى النشيد الوطني للمتظاهرين في ميدان التحرير. الفيديو السري لعصام حظي بـ 4 ملايين مشاهدة في «يو تيوب»، واضطر مؤلفه إلى الهرب من مصر خوفًا من اعتقاله بتهمة الإساءة للرئيس. عصام يعيش في السويد كما يبدو، لكنه تحرك بين دول عربية وأوروبة ويحظى بشعبية كبيرة.
ولأن عصام لا تستطيع الشرطة المصرية اعتقاله، فإنها وضعت يديها على من كتب الكلمات، بعد أن أضاف خطأ على الجريمة ونشر مجموعة شعرية أخرى بعنوان «النساء الأفضل في العالم». من أجل فهم حجم الجريمة يجب معرفة قصة الرجل العسكري المصري المهم عمرو بن العاص. في الخطبة التي ألقاها أمام مجموعة من المؤمنين قال لهم هذا الرجل العسكري بأنه سمع النبي يقول: «إذا منحكم الله مصر فخذوا منها جنودًا كثيرين. الجنود المصريون هم أفضل الجنود على الأرض».
التراث الإسلامي هذا من عهد النبي تحول بصورة طبيعية إلى وصف دارج للجيش المصري من قبل قادته. عندما شوه البحيري التعبير وحول الجنود الأفضل إلى النساء الأفضل فقد دخل إلى خط مواجهة خطير مع الجيش ومع من يخافون على مكانة النبي. «دمي يغلي بداخلي، ولا تتجرأوا على القول لي إن الأمر يتعلق بحرية التعبير»، صرخ الصحافي أحمد موسى في البرنامج التلفزيوني «على مسؤوليتي»، الذي يقدمه في قناة «صدى البلد». «من سمح بنشر هذه المجموعة الشعرية المخجلة؟».
أجل، سؤال محرج، لأن المجموعة الشعرية ظهرت في معرض الكتاب في القاهرة بل عقد لها احتفال، حيث وقع الشاعر على كتابه. المخالفة الفظيعة مزدوجة الأبعاد ـ إهانة الجيش وتشويه أقوال النبي ـ أثارت عاصفة قادت البحيري إلى محاكمة عسكرية. وفي نهاية شهر تموز حكم عليه بثلاث سنوات سجنًا وغرامة تبلغ 10 آلاف جنيه مصري. علاوة على ذلك، تم تقديم قصيدة «بلحة» للمحاكمة بسبب المس بأمن الدولة حسب قانون محاربة الإرهاب.
ليست هذه القصيدة فحسب التي رفعت نسبة الرقابة المصرية التي نشطت جدًا تحت حكم السيسي، فحسب تقرير منظمة حقوق إنسان فإن 12 فنانًا على الأقل من بينهم مخرجون وكتاب مسرح وحتى راقصة، تم اعتقالهم هذه السنة بسبب ما سمي «نشر أقوال كاذبة» أو المس بالجيش وأمن الدولة؛ فقد حكم على المخرج المسرحي أحمدر الجارحي، وعلى كاتب المسرح وليد عاطف بشهرين سجنًا مع وقف التنفيذ بسبب عرض مسرحية «قصة سليمان خاطر» على خشبة نادي الصيد في القاهرة. سليمان خاطر كان الجندي المصري الذي قتل في 1985 سبعة إسرائيليين قرب المعبر الحدودي. لقد حكم عليه بالمؤبد مع الأشغال الشاقة، ولكن بعد سنة وجد مشنوقًا في الزنزانة. السلطات قالت إنه انتحر، والجمهور كان مقتنعًا بأنه أعدم.
في هذه الحالة أيضًا استيقظت السلطات متأخرة جدًا، فالمسرحية سبق وعرضت في الإسكندرية قبل سنتين. وبعد ذلك في القاهرة. حتى قبل العاصفة الأخيرة التي حدثت في شباط. إدارة المسرح سارعت إلى إقالة المخرج والكاتب المسرحي وأوقفت المسرحية بحجة أنها تمس بسمعة الجيش الطيبة. في الشهر نفسه أوضح الرئيس أن كل مس بسمعة الجيش يعتبر «خيانة عظمى» سيعاقب عليها بشدة.
العقوبة التي فرضت في النهاية على المخرج والكاتب المسرحي في نهاية شهر تموز صحيح أنها ليست شديدة بشكل خاص، لكنها أوضحت لكل طائفة الفنانين في الدولة ما هي حدود الكلام الجديدة. هذه الحدود تم إملاؤها في النظام الذي نشره رئيس الحكومة، مصطفى المدبولي، في الشهر الماضي، التي حسبها يحتاج أي عرض فني محلي أو دولي إلى تصريح من وزارة الثقافة بعد التنسيق مع «السلطات ذات العلاقة»، أي مع المخابرات. طائفة الفنانين يمكنها اليوم أن تتذكر باشتياق عهد مبارك الذي كان فيه، رغم قوانين الرقابة الشديدة، مجال حرية التعبير الفني أكبر بكثير من المجال الذي فرضه السيسي منذ توليه الحكم.
هآرتس 20/8/2018