ميري ريغف ولدت من الشعب

حجم الخط
0

«لا شك عندي أن كل مصري يعرف جيدا حجم الكارثة التي حلّت بالأمة. الحديث ليس فقط عن التهديد العسكري الاسرائيلي أو الاملاءات الأمريكية أو ضعف السياسة الخارجية المصرية، بل ايضا عن الضعف في كل زاوية. لم يبق في مصر مسرح، سينما أو بحث علمي. ما بقي فقط هو المهرجانات، اللجان وصناديق الكذب»، هذا ما قاله الكاتب المصري المعروف صنع الله ابراهيم في احتفال تسلمه جائزة الأدب العربي في 2003.
ابراهيم، الذي فاز في حينه بجائزة نقدية بلغت 100 جنيه، رفض تسلمها من وزير الثقافة فاروق حسني. وبعد بضع ثوانٍ من الصمت والصدمة، تطاير سقف مبنى الأوبرا من قوة التصفيق الذي حظي به. وقد تلوى وزير الثقافة في كرسيه وأعلن بعد هدوء التصفيق: «كلمات ابراهيم هي اشارة ايجابية للحكومة التي لو لم تكن ديمقراطية لما استطاع ابراهيم توجيه الانتقادات اللاذعة».
هناك تفسير مختلف للديمقراطية عند وزيرة الثقافة الاسرائيلية. فهي تشبه أكثر ديمقراطية الرئيس حسني مبارك وعبد الفتاح السيسي اللذان رعيا ويرعيان النخبة، التي حظيت في مصر بلقب «مثقفو النظام». والاستمرار الطبيعي هو تبني القوانين المصرية، التركية والإيرانية، التي تمنع الحاق الضرر بالاسم الجيد للدولة والدين والجيش. تستطيع ميري ريغف التنازل عن التشريع، واستخدام صلاحياتها من اجل انشاء «ثقافة الدولة» التي يخلقها فقط فناني ومثقفي «الدولة».
لكن ريغف ليست المشكلة، بل هي العرَض، هي فقط القطعة الخشبية التي تسير في النهر الذي تتدهور اسرائيل فيه من ديمقراطية ليبرالية إلى ديمقراطية غير ليبرالية. ديمقراطية تكون فيها الاجراءات، الانتخابات ومشاركة الجمهور فيها، أهم من القيم الليبرالية مثل حرية التعبير وحقوق الأقليات. تتمسك ريغف بـ 30 مقعدا فاز بها الليكود كدليل على رغبة اغلبية الجمهور، وكدعامة ديمقراطية شرعية لصلاحيتها في تشكيل الثقافة كما تشاء.
هذا ادعاء معروف. الديمقراطي المعروف الكسندر لوكتشنكو، دكتاتور بلاروس، هدأ الجمهور بعد انتخابه باغلبية ساحقة في انتخابات 1994 من خلال وعده: «هنا لن تكون ديمقراطية. أنا جئت من الشعب وسأعمل من اجل الشعب». اذهبوا وتحدثوا عن ذلك الآن للشعب البلاروسي. زميله عسكر أكييف، زعيم كرغيزستان، فاز بـ 60 بالمئة من الاصوات في الانتخابات، وخلال عامين أقر في استفتاء شعبي أوامر حولته إلى دكتاتور دستوري.
يميز زكريا بين ديمقراطية تزيد قوة النظام وبين ليبرالية دستورية تطالب بتقييد قوة النظام. ريغف تؤمن بشدة بالديمقراطية التي منحتها 30 مقعدا، وتعتبر الليبرالية تهديدا مناقضا لديمقراطيتها. هي ليست مخطئة فهي «جاءت من الشعب ومن اجل الشعب»، حسب قول لوكتشنكو.
لكن في نفس الفرصة، فان ريغف تطلق النار على قدم الدولة. لأن اسرائيل ستفقد القيمة الاستراتيجية الموجودة في وصف «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط».
ديمقراطيات حسب النموذج الآخذ في التبلور في اسرائيل توجد بكثرة في الشرق الاوسط وخارجه. ديمقراطيات تصفي حساباتها مع الثقافة التي نشأت قبلها، مثل التي كانت في عهد عبد الناصر، الذي حاول القضاء على الثقافة التي نشأت في عهد الملكية، أو عهد الثورة الإسلامية في إيران التي تطارد الرموز الثقافية الغربية (في الدولتين، يتم اجراء انتخابات مثل كل الانظمة الديمقراطية). ومثلهما، فان ريغف تصفي الحساب مع ثقافة «اليسار». مع كل ما كان قبلها. وتسعى إلى فعل اصلاح تاريخي وثورة تدمر الذاكرة الثقافية القديمة وتضع مكانها ثقافة قومية اصولية. وهي سوف تنجح لأنها الشعب، «وجاءت من اجل العمل لمصلحة الشعب».

هآرتس 17/6/2015

تسفي برئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية