مرة أخرى كان للثقافة ولكثير من المثقفين العرب دور في تمرير مشروعات التبعية والانهزام التي بدأت مع الاستيراد المشوّه لمفهوم «الحداثة»، التي اختلطت عن عمد أو عن جهل بالتحديث، كما اختلطت قبلها العلمانية بالعلم ثم العولمة لتشكل قوالب مستغربة أو ممسوخة أو ضائعة على أحسن تقدير.
ولو أخذنا الفرنسي ميشيل فوكو (1984-1926) كمثال على فيلسوف أثر على جيل كبير من الحداثيين العرب واشتهرت كتبهم ومقالاتهم بالإشارة إلى أعماله، فإننا سنجد أنفسنا أمام تناقضات غير متناهية، فقد جاء الرجل بعد اكتمال فصول الحداثة الأوروبية فصار أقرب للبنيوية وما تلاها أو ما يعرف في الفلسفة النقدية بـ»ما بعد الحداثة»، لكنه حينما وصل إلى الشرق الذي كان في مرحلة متأخرة وكان يشق طريقه نحو «التحديث» وصل كنموذج للتغيير ورائد يمكن الاهتداء به في مسيرة «الحداثة» العربية الجديدة التي شكلت بدورها خليطاً من مدارس أوروبية مختلفة تبعت كل واحدة في أصلها الغربي أختها في سياقات تاريخية وسياسية واجتماعية خاصة.
هذا الخليط الذي قدم ضمن طبق «كوكتيل» واحد يحوي أفكاراً متناقضة لكانط ونيتشة وفرويد ممزوجة بتراث مدارس فرانكفورت وفيينا وفرنسا الفلسفية، تم إبرازه وتعريفه على أنه الحداثة التي يجب أن تتبع من أجل النهضة الأدبية ابتداء والفلسفية والسياسية لاحقاً. جوهر ما تم استيراده من أوروبا تلخص، حسبما فهمه أنصار الحداثة العرب، ليس في الجهود المعرفية لأولئك المفكرين الذين سعوا للخروج بالغرب من أزمته الحضارية ومعاناته المادية التي تجسدت ذروتها في الحروب العالمية الكبيرة، ولا في ما توصل إليه أولئك من اعتبار أن الحرب ليست سوى الثمرة المدمرة لتلك «الحداثة» المزعومة التي من الضروري إعادة النظر فيها. ليس كل ذلك بل الاكتفاء بفكرة أن الحداثة ناجحة بلا نقاش كنموذج يجب الاحتذاء به وأنها ليست مجرد رؤية ثقافية وفلسفية تحتمل التعديل والتبديل بل منهجية علمية يجب اتباعها من أجل التقدم ومن أجل أن نصبح كأوروبا، وأنها، أي الحداثة، وإن كانت قد بنيت على فصل الدين تمهيداً لقهر ولإقصاء الكنيسة عن العمل العام فإن هذا هو ما يجب أن يحدث عندنا.. بذاته. وفي تماهٍ خادع مع الثقافة الغربية صار عصر «النهضة» العربي هو عصر انحسار الخلافة الإسلامية وقيام الدول القطرية وصارت «التقدمية» هي كل ابتعاد للدين أو «المقدس» عن مجالات الفكر والثقافة والأدب وغيرها، في حين كانت «الرجعية» هي كل محاولة تهدف إلى الرجوع إلى عصور الخلافة بالمعنى السياسي أو إلى عصور التحاكم إلى الشرع الرباني بالمعنى الفكري أو الثقافي أو الاجتماعي.
لكن لماذا كل هذا الاحتفاء بميشيل فوكو خاصة، وما هي أهميته لجهود التنوير العربية؟
في الواقع إن فوكو مهم في هذا السياق لعدة أسباب منها تركيزه على ما بات يعرف فلسفياً بـ»القطيعة المعرفية» و»الإزاحة»، وهي رؤية ترى أن الحداثة والتغيير إنما ينبعان من القطيعة مع الماضي بكل تبعاته ورواسبه. باختصار فإن العصر الحديث يجب أن يزيح ما سبقه ليملأ مكانه. وإن كان فوكو متأثراً، كغيره من المفكرين الغربيين، بجدلية الكنيسة والعقل والصراع الديني في الثقافة الأوروبية، إلا أنه تمت الاستفادة من رؤاه تلك باعتبارها تقدم حججاً مهمة لدعاة نقد الفكر الإسلامي باعتبار أن العالم، بما فيه نحن، تجاوز زمن الانشغال بالدين ودخل عصر المادية والتحديث الذي يتناقض مع كل تراث الأولين.
الحقيقة هي أن تضخيم فوكو لم يكن سوى واجهة لتضخيم فكرة كارل ماركس وقراءته للتاريخ، لكن السمعة السيئة التي اكتسبها الأخير في الوسط الثقافي التقليدي كرائد للشيوعية والإلحاد جعل رموز الحداثة العربية «تتستر» حول ميشيل فوكو كباحث محايد، أو هكذا تم تقديمه والترويج له. لوقت طويل ظلت الطبقة «المستنيرة» العربية تتبنى فكرة القطيعة هذه. هذه الطبقة لم تأت في الواقع بجديد سوى نقل رواسب وعوالق الفكر الأوروبي. وللربط بين «الفوكوية» والماركسية يمكننا أن نذكّر بعبارة شهيرة لكارل ماركس وهي التي يقول فيها إنه «في المجتمع البورجوازي الماضي يسود الحاضر بينما في المجتمع الشيوعي يسود الحاضر الماضي». وسرعان ما تلقف أولئك «المشككون» وعلى رأسهم القوى والتجمعات اليسارية تلك القواعد مؤسسين للفصل بين «المقدس» وبين العلم والعقلانية متجاوزين بذلك جميع الاختلافات التاريخية والمجتمعية بين العالمين الإسلامي/العربي والغربي الأوروبي التي أدت لتلك النتائج. ومثلما ساد الشك من جديد في الفكر الغربي المعاصر تم استيراد ذلك الشك وبثه كالسم في الجسد العربي المسجى على سرير الهزائم والخذلان بزعم أن الدين الإسلامي وما تم اعتباره لقرون من ثوابت العقيدة كانت السبب في تلك الهزائم وفي ذلك التراجع المرير، وأنه من أجل اللحاق بالحضارة الغربية فإن علينا اقتباس سيئاتها قبل إيجابياتها، أو كما قالت شخصية ثقافية معروفة.
اللافت والمهم هنا هو التذكير بأن فوكو نفسه الذي تم استغلال كتاباته وأفكاره والاستشهاد بها في سياق الصراع المحموم ضد التيارات الإسلامية، هذا الرجل لم يكن على عداء واضح مع الإسلام وربما سيكون من المدهش بالنسبة له أن يعلم أن مقولاته التي جمعها تحت عنوان «حفريات المعرفة» التي كانت مرتبطة بشكل دقيق بالثقافة والتاريخ الغربيين قد حرفت بشكل جعلها معادية لهذا الطرف أو ذاك في سياق مشرقي مختلف جملة وتفصيلاً، بل إن فوكو الذي أمضى فترة من آخر عمره في طهران معاصراً ثورتها وجمهوريتها الجديدة لم يمنعه إلحاده من الإشادة بهذا الحدث النضالي المهم، فكان بهذا الموقف أكثر موضوعية وحياداً من أدونيس العربي على سبيل المثال، الذي رفض أن يتعاطف مع الثورة السورية لمجرد أنها خرجت من المسجد.
فوكو لم يكن مهووساً بانتقاد الأديان وحينما سيكتب كتابه الأقل شهرة «الروحانية السياسية» سيقول فيه صراحة، وربما بتأثير تجربته الإيرانية، إنه ستكون للإسلام قوانينه وحداثته الخاصة وإن هذا الدين سيلعب دوراً مهماً قد يغيّر خريطة العالم. أما الحداثيون العرب فما يزالون عند ذلك الشعور القديم بالنقص وهو ما يلخصه إلياس خوري في عبارات قليلة يعرّف فيها الحداثة بقوله إنها «محاولة بحث عن شرعية المستقبل بعد أن فقد الماضي شرعيته التاريخية».
كاتب سوداني
د. مدى الفاتح