بغداد – مازن المعموري: في كل مرة أتصدى للكتابة عن ميليشيا الثقافة، أجدني أمام من يتصدى لحمل ثقيل. لكن المسؤولية الثقافية تمدني بقوة الفعل. من هنا استطيع أن ابدأ للامساك بالبداية، حين ذهبنا إلى أكبر مقبرة في العالم في مدينة النجف بداية العام 2015، وقرأنا نصوصنا الشعرية أمام الأموات لنواجه حقيقة واقعية وهي: أن جمهورنا ميت. فماذا يفعل الشاعر هنا وفي هذه اللحظة من الزمان؟
يبدو الجواب صعبا للغاية، لكنه ممكن اذا ما خرجنا عن الأطر التقليدية للنموذج الشعري. فهناك أشياء مختلفة تصلك من النوافذ دون ان تمسكها من اللحظة الأولى. الشاعر اذن، هو المشكلة الاساسية التي يجب الانطلاق منها. هو نحن، الشعراء الشباب، متوجهون إلى الأرض وليس السماء. نقول ما نراه من دون تزييف حتى وان كان هذا الواقع لا يرضي الآخرين. وقد نتعرض إلى مشاكل خطيرة وهو ما واجهناه منذ أن طردنا بشكل جماعي من اتحاد الادباء العراقيين في مدينة الحلة بسبب الاختلاف الثقافي والايديولوجي في العام 2014. كان علينا ان نتحمل تبعات ذلك، ومن ثم بدأت الأفكار بالنضوج والتطور. عندما اتفقنا على ان نكون جماعة شعرية ذات خطاب ثقافي اولاً. فكانت فكرة الـ «فيسبوك» قدمت لنا مهاداً ثرياً لفكرة المتلقي المختلف. وكان تركيزنا على الخطاب اكثر من النص الشعري، رغم اننا كتاب نص شعري. بمعنى ان الخطاب هو الغاية من النص. فحين ذهبنا إلى بقايا السيارات المفخّخة وجدنا الحل الحقيقي للعمل، كما لو أننا وقعنا على كنز. كل ما فيه علامات شعرية. وهذا ما حدث عندما عرضنا المشروع على صفحات «الفيسبوك». واجهنا دهشة الناس.
لقد توجهنا نحو اكتشاف أمكنة غير مأهولة أو مغيبة عن الوعي الاجتماعي والثقافي للمجتمع بشكل عام، وربما كان هذا المحور الأهم لدهشة شعرية غير مسبوقة مثل ما حدث في كل المشاريع التي لا يمكن التنبؤ بها مسبقا لدى كل من تابعنا منذ البداية والى الآن.
وبعد تسع فعاليات شعرية واجهت الواقع العراقي ما زلنا نعتقد إننا في بداية الطريق. لكننا نملك طموحا كبيرا للاحاطة في المكان والحدث الآني، فالحداثة هي العيش في الحاضر. ويبدو الاصرار على استعمال الشعر متناميا كلما قمنا بعمل جديد يشترك فيه كل من مازن المعموري، كاظم خنجر، علي ذرب، محمد كريم، لتأسيس مشهد جديد للكتابة أو مشهد مبتكر لاكتشاف هويتنا الضائعة امام هول المتغيرات الكبرى في عالمنا.
كان مشروع «مخلفات الدخول الأمريكي» ممهداً لمعرفة من نحن؟ بجوار كيف ولماذا؟ ولن اقول من هم؟ لأننا بحاجة لاكتشاف ذاتنا أولاً. وهذا احد اهم معطيات ولوجنا المناطق الساخنة والمحرمة، مثل، مكبّ النفايات، الظاهرة الاخطر على الاطلاق كمكان لتصدير الاوبئة والامراض. حيث يمكن رؤية نمط التفكير لمجتمع يريد التخلص من نفاياته بطريقة بدائية تعود عليه بالدمار بدل الفائدة.
فيما تقدم لنا علامات الدخول الامريكي كقوة استعمارية ضاربة، لمحة عن السلوك الكولونيالي للغرب تجاه الشرق المستلب، ومنها «ابتعد 100 متر» أو «الحواجز الكونكريتية» او»الاسلاك الشائكة»، و»أدوات قطع الطريق»، وسيارات الـ «هامر»، التي شاهدناها لاول مرة لدى الجيش الأمريكي بكل تقنياتها وملابس الجندي الغريبة ومأكولاتهم الجاهزة والمعلبة. تفاصيل كثيرة تتبادر إلى الذهن لحظة سردها، لكن السؤال الأهم يبقى ضاغطاً ومؤثراً وهو من نحن؟.
الاقتراح المختلف هنا هو قراءة النصوص باللغة الانكليزية، بمعنى ان الخطاب موجه إلى قارىء غربي، كي يرى مخلفاته التي تركها تنوء بحملها أكتافنا الضعيفة. فنحن لا نقوى على معالجة نفاياتنا بدون تقنيات الغرب، ولا نستطيع ان نقول شيئا بدون اللغة الانكليزية، ونحن لا نستطيع ان نختلف مع بعضنا البعض كمجتمع عربي بدون الثقافة الغربية، ونحن لا نستطيع الحوار بدون وجود الآخر.
من هذه النهاية أو البداية لا فرق، يكون خيارنا الوحيد أن نكون «ميليشيا ثقافة». فميليشيا الثقافة ليست تقليعة عابرة، بل خياراً وجودياً يحتم على كل منتج رؤية أو خطاب ان يمارسه لمعرفة ذاته اولاً. الخيار في هذه اللحظة ضرورة تاريخية تحكمها الصراعات العالمية وحركة التاريخ وتغطية الواقع وطمر الحقيقة مثل اي نفاية لا بد من التخلص منها. وعلينا أن نعمل جاهدين لكشفها/ فهل توضّحت صورتنا بعد كل ذلك ؟ اعتقد ان الواقع اكثر جسارة منا لمعرفة الحقيقة.