مَحاوِر ميسون الصنّاع وطبقات الوجع العربي

حجم الخط
0

مشكلتي الوحيدة مع هذه المدينة البعيدة، هي أنّها سعيدة أكثر ممّا أحتمل.
التعليم والبحث حقيقيّان في الجامعة، والبشر بشكل عام مؤدّبون جدّاً، وفي المكتبة سبعة ملايين كتاب، غير تلك التي تصلني خلال أيام من أي مكان، وكلّ شيء ينجز سريعاً، والحريّة متوفّرة بسخاء، وكذلك نهر تشارلز القريب، بل ومدرسة للباليه داخل كنيسة آخر الشارع. الصيف مزدحم بالجمال؛ الكلّ يرتدي ألواناً، والبدانة شبه معدومة، وفساتين الصيف تغطي وسط المدينة وباحة الجامعة، مثل قوس قزح مستمرّ، ومهرجان بديع للرقص على مسارح في الشوارع، انسحبت منه قبل أن تبدأ فقرة «الجواري الحسان» كي لا يسمّ بدني ويتعكّر مزاجي الذي أجبره يوميّاً على التأقلم مع الرخاء. الجيران جميعهم من حملة دكتوراه لها معنى، يقدّسون الهدوء والمساحة الخاصّة باستثناء التعدّي المؤدّب على طرود البريد، التي يتبرّعون من غير أن أراهم بإيصالها إلى داخل البيت، لكن بعيداً بما يكفي عن شقّتي. هكذا تصبح الشكوى من أيّ شيء بطراً خالصاً أمام نِعمٍ كثيرة لا نحظى عادة بها، إلاّ حين نطلّق أوطاننا طلاقاً هو أبداً رجعيّ. لكن بين «وحشة الوداع» و»بهجة الرجوع» بلغة ابن سينا عن نغمات الموسيقى، كيف يمكن لأيّ عربيّ أن يتأقلم ويتفاعل مع كلّ هذا الترف وهذه البهجة الخالصة خارجه بينما تكوينه السيكوحضاري غير مهيّأ لها؟
لا أعرف ما إذا كانت الأزمة فرديّة تخصّني أو عربيّة تخصّنا؛ أعني أنّني، أو أنّنا، لا نستطيع الحياة بلا أزمات. لا نملك أدوات للارتخاء، حتى حين تحضر كلّ أسبابه. نتحرّش بالحمّى كي تأتينا البرديّة وفق مَثَل سوري. ربّما نوع اللذة والطرب ومفهوم الجمال، عربياً، مازوشيّ بالضرورة، ولهذا فإنّ الكثير الجميل في تاريخنا وحاضرنا مادّته الوجع. ورغم أنّ الفكرة استهلكت حدّ الابتذال إلاّ أن فيها شيئا من الحقيقة، ولذلك عجزنا عن كتابة فرح الطفولة في غياب الموت، وكأنّها لا تستفزّنا، بينما أبدعنا في تعقيباتنا على صورة طفل سوريّ على شاطئ البحر، ربما لأن شيئا فيها (إلى جانب الوجع الخالص أو بسببه) كان مدهشاً متطرفاً حدّ الطرب. أدرك خطورة المثال الأخير، لكن لا داعي للكذب: التعبير عن آلامنا هو دائماً مشوب باللذة، لكننّا دوماً ننسى أن نحسّ بالذنب، أو أن نصمت بسببه. هكذا نحن: إن لم نجد أطلالاً نبكي عليها سنهدم بيوتا لنغنّي، وإن قَبِلَتنا حبيبة سنصاب بشحّ هائل في لغة العواطف بعد الحرمان فنكتب عن أوجاع الضجر، بينما نخونها في صورة حلب ضائعة هي قصدُنا البعيد، والخيال أحمر عاشق للطائف وغيلان وكربلاء والحلاج. يبدو أنّنا شعوب تصنع خمورها من دمائها، والكأس العربية دوماً تريد المزيد.
لم يكن هناك مبرّر للألم، إطلاقاً، بل كان هناك ما يكفي من الخجل لأمنع نفسي من البطر في حضرة أخبار العرب. كل شيء على ما يرام منذ نصف السنة فما بي أتململ من شدّة الترف وأبحث عن قمر ناقص في المكان؟ سؤال كهذا دوماً ينبش عن بيت شعر، عن مشهد ما في رواية، عن صفحة من كتاب في الفلسفة، ولم يفض على خلايا دماغي سوى شطر ثانٍ من بيت من أغنية تراثية بعيدة، بُعدَ باحة هارفرد عن قرية أبي في الكرك. الشطر: «وش ينفع الكيّ برّه والوجع جوّه؟» وبعد عَقدٍ قضيته في محاولة لفــــهم ثــــنائية الداخل والخارج شعــــرياً وفلسفيّاً، احترت أكثر: ماذا غير السفر (وأنواع اللجوء كثيرة بالمناسبة) هو محض كيّ لجراح خارجية، وماذا بي، أو بنا، من وجع في الداخل العميق؟ المقابل من الشعر الفصيح كثير طبعاً، لكنّه لن يسحب الذاكرة أبعد من تلك الأغنية.
تذكرت ما تذكرت. إنّها من أغنية من الفلكلور الأردني أو الفلسطيني أو السوريّ (والفرق بينها دوماً مصطنع وسخيف) كنت أسمعها ولا أفهم منها شيئاً وأنا صغيرة. كان لأبي في السيارة في طريق إيصالنا للمدرسة نصيب مسكين من الحقّ في الأغاني، وكان شريط بائس الشكل عليه اسم ميسون الصنّاع، أسود وأزرق، يطرب به وحده قبل أن تستحوذ بناته، مراهقات عمّان المترفات، على المذياع والمسجّل. كان لأمّي كذلك نصيبها القصير من قراءة جميلة لمرثيّة مصارع الثيران للوركا على شريط أبيض، وكان ينبغي أن أنتظر سنين طويلة قبل أن أدرك التشابه بين «صويحب» ميسون الصنّاع الغائب في اليمن منذ زمن وبين أغناثيو صاحب لوركا، خاصّة حين جمع القصيدة والأغنية في ذهني واقع حرب أهلية. بقي أن أتعلّم كلمات أغنية ميسون، وربّما تلك هي وظيفة العمر والتجربة: تعبئة الكلمات في الألحان، والتأويل في الأحداث، والغفران في الآلام.
لم أكن لأجد الشطر الأوّل بين ملايين الكتب على الأغلب فبقيت وسط المدينة السعيدة. ورغم أنّني أحتقر الهواتف الذكيّة وأخواتها جدّاً، لكنّ وسوسة بمعرفة الشطر الأوّل استحوذت فوجدته:
«جابوا المحاور وقالوا يا فتى تكوّى… وش ينفع الكيّ برّه والوجع جوّه»… (أو تكيّى بصوت ميسون). ليس هذا فقط، بل عرفت من يوتيوب شكل ميسون الصنّاع: شقراء ترتدي نظارات سوداء في تسجيل قديم، وكانت مخيّلتي المحدودة (التي لا تقلّ تشوّهاً أحياناً عن مخيّلة بعض الغرب فيما يخصّنا) تظنّها ترتدي مدرقة سوداء، بل وتغطي رغم مسيحيتها شعرها. ميسون في ذلك التسجيل لا تكاد تختلف في شكلها وإحساسها عن عازفة الجيتار قربي على الرصيف، إلّا في أنّي مهما أحسست مع الثانية وفهمتها، فإنّ دموعي تبقى عنيدة جدّاً أمامها، على عكس الحال مع ميسون.
بقي أن أعرف معنى المحاور بدقّة هنا. تذكّرت ندبة من آثار كيّ قديم أسفل رأس أبي وتأثرت. لا أريد حنينا ساذجاً لشيء – قلت- ولا رومانسية لا تفضي إلى فكرة أو إدراك ما جديد. لا أريد للهويّة أن تكون قيداً، ولا أريد للعواطف أن تجرّني مبكّراً إلى ما هربت منه. قال لي أبي في اتّصال سريع إنّ ما كان يستعمل من قضبان حديدية لوسم الغنم، كان يستخدم لكيّ جراح البشر عند الفلاحين في قريته البعيدة. لم يتغيّر شيء، ربّما، ففي بلادنا يحدث كثيراً أن نشعر بشبه ما مع الأغنام حدّ الحلول على طريقة كافكا، نوسَم كما يشاء سوانا، ونقدّم قرابين كثيرة لأنّ المجتمع الدوليّ رأى في منامه أنّنا نذبح بعضنا من أجل الإله نفسه. الوجع: أن لا من يوقف إبراهيم، ولا راعيَ يستحيل نبيّاً.
«جابوا المحاور وقالوا يا فتى تكوّى… وش ينفع الكيّ برّه والوجع جوّه»…
على المستوى العربيّ، ربّما نحتاج إلى التمييز بين جراح الداخل والخارج. قد تكون معظم المحاور المتاحة أحياناً لنا هي للكيّ الخارجي: قد تلوح للبعض فرصة عمل جيدة، مال أكثر، سفر يتيح خلاصاً فردياً، دول تستقبل اللاجئين، ثورات صنعت أملاً ما، دراسات وأبحاث تُفهمنا ما بنا، كتب جيدة أحياناً بالعربيّة، وفنون ليست رديئة بالمطلق، نوايا ومشاريع حقيقية ومزيفة لتحسين مستوى الحياة والتعليم وحقوق الإنسان. تلك قد تتفاوت في مكانها من طبقات الجلد والحشا، وربّما لا تكاد تلمس السطح (وأحيانا تفسّخ الجرح أكثر)، مقارنة بأوجاع أعمق وصعب النفاذ إليها إلا بسلطان لا نراه. سأذهب أبعد: لو افترضنا، عربياً، في خيال بعيد، أنّ أوضاعنا السياسية تحسنت وأصبحت دولنا ديمقراطية وانتهت أزمان الاستعمار والاستبداد والفساد والجهل وحظينا بنهضة فكرية وتعليمية والإنسان أصبح إنساناً رجلا وامرأة ولم نعد قبليين أو طائفيين أو إقليميين أو متطرفين.. هل بعد كلّ هذا الكيّ سيذهب الوجع؟ قد يذهب عند البعض (سيقولون هذا أقصى ما نريد)، لكن ربّما عند الآخر لن يكفي وستبقى ميسون موجعة جدّاً. ربّما لأّن آثار القلم الذي خطّ به إنكليزي وفرنسي ما خطّاه هي الشقّ في القلب الذي سيبقى يوجع «جوّه» مهما حدث، ولن ينفع معه أي شيء في زمن الطائرات والتأشيرات والموافقات الأمنية، ولو غاب الألم عن العراق وفلسطين وسوريا واليمن الحزين. قد لا يبدو معقولاً بالحدّ الأدنى أنّ الحركات الإسلامية الموصوفة بالمتطرفة هي الوحيدة، الوحيدة، التي تفكّر أبعد من القطر الواحد، وقد لا يكون فشل الأنظمة التي ادّعت نزعة في الوحدة مبرراً كافياً لخيط الوجع ونسيانه. والسؤال: هل هم قلّة أو كثرة الذين يحسّونه أصلاً؟ تلك مسألة لا نعرفها على وجه الدقّة ولا أستطيع التنبؤ بها، وتحتاج بالتأكيد استفتاء شعبياً حقيقياً، لإشباع الفضول على الأقلّ، أو لنشخّص جيّداً الوجع «جوّه» ونفكّر في محاوره بدل (أو مع) الاستمرار باستقبال ما جاؤوا به من محاور و»قالوا يا فتى تكوّى».
لو أنّي كنت أعرف البيت وميسون، حين احتفل زملائي من الأوروبيين قبل سنوات بالذكرى السنوية للاتحاد الأوروبي في مدينة أخرى، لقلت لهم إنّ لدينا أغاني جاهزة لاحتفال كهذا، لكننا لا نملك «المحاور» أو لم نعد نرى الجرح بوضوح أصلاً في حضور سواه الكثير. كنت أكثر قهرا من الكلام على أيّ حال. ربّما هناك صامتون كثر لا يعترفون في دواخلهم بالدولة القطرية، أو يخافون، إن اعترفوا، أن يُتهموا بالمثالية وأحلام اليقظة وقلة الوعي السياسيّ وبتكرار لغة خطاب مجترّ وأحياناً بخيانة الدولة القطرية: خيانة سايكس وبيكو لا قدّر الله. لكن ربّما هناك جرح أعمق من الوحدة، فربّما لن تكفينا تلك إذا بقينا لا نكاد نقدّم شيئاً للكوكب سوى دمائنا والنفط وتاريخنا الفكري والعلمي القديم. إذا بقينا مستهلكين لكلّ شيء، لا نشبه ولو جزئياً ما كنّا عليه قبل ألف عام، فربّما لن تفلح معنا محاور الكيّ الكثيرة وستبقى أبداً توجعنا ميسون. تلك بالطبع مجرد افتراضات، وتشخيص طبقات الداخل والخارج والمبتدأ والمنتهى والوسيلة والغاية يحتاج تفكيراً أكثر، هذا إذا كانت الاستعارة مدخلاً جيدا له أصلاً.
بالطبع ستبقى الأوجاع الفردية بمستواها الوجودي الأكثر شخصية والأوسع من الهوية قائمة أبداً، وتلك تحتاج أدباً كعادتها لتقول المعروف من خوف البشر من النهايات: نهايات العمر والحبّ والحبر والشباب والأحلام. تلك صحيّة، بلا شكّ، ولا مفرّ منها للجمال، إلّا إذا استطاع شاعر ما تغيير وجه الشعر العربي بقصيدة تحتفي بالحياة (من غير الرقص بين شهيدين)، وتطربنا وتكون أعمق من وصف لزهرة أو رمّانة، كما في بعض شعر الأندلس، يتذكرها عند الضرورة عربي في مدينة سعيدة يحتاج إجازة قصيرة من الوجع ليفكّر فيه بصفاء في غيابه المؤقت. حتّى ذلك الحين وتلك الأحيان المتخيّلة، سأبقى أدندن وأطرب مع ميسون، التي ما تزال تغنّى في كنيسة في حارة الصنّاع في الكرك بعيداً عن الأضواء وأمراضها، والتي لها شكر بطول الجرح، وتقديراً يستدير طائعاً نحو الجنوب.

٭ كاتبة أردنية

بلقيس الكركي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية