لندن – «القدس العربي»: «نحن المدنيين واقعون بين منظمة ذات آيديولوجية متطرفة ومجتمع دولي يريد قتالها بأي ثمن». هكذا وصف فراس الرحيم، المدرس الذي انتقل وعائلته من حمص للعيش في محافظة إدلب الواقعة تحت سيطرة الجماعات المتشددة.
وتقول آن برنارد، مراسلة صحيفة «نيويورك تايمز:» إن سوريا بعد ستة أعوام من الحرب أصبحت مقسمة إلى قطع محددة بنقاط عداء ونفوذ تساعد الدول الأجنبية على استمرارها: تركيا وإيران وروسيا والولايات المتحدة. وكل واحدة أرسلت قوات على الأرض لمساعدة حلفائها. وفي لعبة التكالب على السلطة بين بشار الأسد، المعارضة والداعمين الدوليين أصبحت إدلب نهاية الخط وأرضاً يتم رمي المدنيين الهاربين وساحة للتنظيم المسلح التابعة لتنظيم القاعدة. وتقول إن القوى الدولية مثل الولايات المتحدة ترغب في التحرك ضد المتطرفين في إدلب إلا أنها تخشى من تعريض حياة المدنيين للخطر فيها، وقامت بالاستثمار بشكل كبير لتدريب ودعم الجماعات المعارضة للجهاديين في المنطقة. إلا أن الحكومة السورية وحلفاءها لا ترى في إدلب سوى ملجأ آمن للجهاديين هو رأي يتفق معه عـدد من المسـؤولين الأمريكيـين.
مشكلة
وتنقل الصحيفة عن بريت ماكغريك، المبعوث الأمريكي الخاص لدول التحالف الدولي «تعتبر إدلب أكبر ساحة آمنة للقاعدة منذ هجمات أيلول (سبتمبر) 2001» مشيراً إلى أن «إدلب تعتبر الآن مشكلة». ويرى عمال الإغاثة وسكان المنطقة أن الوضع أكثر تعقيداً؛ حيث توجد في المنطقة جماعات تكافح لتوفير الخدمات الأساسية للمدنيين في كل أنحاء سوريا ممن وجدوا ملجأ آمناً في إدلب. ورغم القوة التي يتمتع بها المتطرفون واحتجاجات المدنيين على وجودهم بين ظهرانيهم إلا أن المتطرفين لم يتدخلوا في القضايا المتعلقة بالمساعدة الإنسانية بعد. وتشير نو عواد، المنسقة الإعلامية لمنظمة «فيوليت» التي تعمل في إدلب إلى أن «الكثير من الناس يفكرون بالمستقبل وهم خائفون منه». مضيفة: «وحتى مع الخوف لا يعرفون إلى أين يذهبون». وتعاني إدلب الريفية الطابع من مستويات الفقر، وانضمت مبكراً ضد الانتفاضة السورية عام 2011، وأوجدت الجماعات الإسلامية المتشددة حضورًا قويًا فيها. وأرسلت الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها خلال السنوات الماضية دعما سريا للمقاتلين في شمال سوريا لمساعدتهم لقتال نظام بشار الأسد، وهو البرنامج الذي ألغاه الرئيس دونالد ترامب في الشهر الماضي.
ويقول نقاد البرنامج إن الدعم وصل للجماعات التي يطلق عليها بالمعتدلة، إلا أن الجماعات المتشددة استفادت منه. وذلك بسبب اشتراك الجماعات المقاتلة في عمليات مشتركة ولحيازة الجهاديين سلاح المعارضة. وتحولت إدلب خلال السنوات الماضية إلى ساحة تجبر الحكومة في دمشق المقاتلين إلى الانسحاب إليها. وفي بداية الشهر الحالي وصل آلاف منهم إليها بعد ترحيلهم من المناطق الحدودية مع لبنان. وبسبب الموجات المتكررة تجاوز عدد سكان المحافظة مليوني نسمة نصفهم من النازحين. وبسبب حاجة السكان للمساعدة قامت منظمات خيرية عدة بإرسال المساعدات الغذائية عبر الحدود مع تركيا، وفتح منشآت طبية لهم. وتواجه المساعدات من مخاطر بسبب المواجهات التي اندلعت الشهر الماضي وتركت لجنة تحرير الشرق مسيطرة على المنطقة. ورغم أن الجماعة قد غيرت اسمها العام الماضي، وقالت إنها قطعت علاقاتها مع القاعدة إلا أن الأمريكيين رفضوا هذا. ولا يزالون يعتبرون الجماعة خطيرة وكذا تركيا التي قيدت حركة البضاعة من حدودها حتى لا ينتفع الجهاديون. فالمعبر الحدودي هو المكان الذي تستطيع الجماعات تحقيق أرباح مادية بسبب عبور المواد منه وإليه. ولهذا فالجهاديون في وضع يمكنهم من تحقيق هذا. وتقول جماعات الإغاثة إنها لم تجبر على دفع أموال لمرور المساعدات، وإنهم وعدوا بتشكيل جهاز مدني للإشراف عليها وهو ما لم يظهر بعد.
معركة النهاية
وشهدت المحافظة في الآونة الأخيرة مواجهات بين الجماعات المسلحة بشكل يهدد الحياة الاقتصادية فيها. ويرى بعضهم أن محافظة إدلب تعتبر آخر منطقة لمواجهة النظام السوري. وفي الوقت الذي تقوم فيه الولايات المتحدة بقطع الدعم عن الجماعات المعارضة للنظام ضاعفت روسيا وإيران من دعمها للأسد الذي وسع من سيطرته على مناطق جديدة. إلا أن الكثيرين يتوقعون من اقتراب معركة إدلب. ويعلق محمد يافا، وهو مهندس «ننتهي من مأساة إلى مأساة» و «يقومون بإرسال كل واحد ولا نعرف ماذا سيحدث لهم». ويشعر السكان أنهم محاصرون، فلو عاد الجيش سينجندهم في صفوفه وسيطلق الأتراك النار عليهم حالة حاولوا الفرار. ويشعر النظام بالراحة والأمان؛ حيث ضاعف كما يقول المسؤولون الروس من سيطرته على المناطق. ونقلت وكالة أنباء «اسوسيتدبرس» عن ما قاله وزير الدفاع سيرغي سيغو إن النظام زاد من حجم مناطقه بنسبة 2 ونصف مرة خلال الشهرين الماضيين، وأنه سيطر على آلاف الأميال من المناطق التي كانت خاضعة لتنظيم الدولة. وسيطرت قوات الحكومة على غالبية منطقة حمص في وسط البلاد. وتقوم بالتحرك نحو محافظة دير الزور المحاصرة منذ عامين من قبل تنظيم الدولة. وقال وزير الدفاع إن سيطرة النظام على المحافظة «سيقول كل شيء إن لم يعلم نهاية المعركة» ضد الجهاديين.
ويعتبر التطور مهماً من ناحية دعم النظام الذي حقق حلفاؤه في لبنان الشهر الماضي تقدماً على الحدود السورية- اللبنانية. ويرى موقع «دايلي بيست» أن سيطرة الحزب تشير لتعاون فعلي مع الجيش اللبناني الذي يحظى بدعم القوات الأمريكية الخاصة. وألمح كاتب المقال إلى أن الأمريكيين أصبحوا في صف حزب الله- المصنف كجماعة إرهابية – وقام منذ بداية الحرب السورية بتشكيل صورته كجماعة تقاتل الإرهاب. ووجد الحزب من صدق حيلته على المسرح الدولي، مشيراً إلى الرئيس باراك أوباما الذي اعترف بأن الاتفاق النووي مع إيران أفاد الحزب، فيما قال وزير خارجيته جون كيري: «لا يقوم حزب الله بالتآمر علينا».
ويشير الكاتب إلى أن اعتقالات ناشطين لحزب الله في نيويورك وميتشغان دليل على تآمر الحزب على أمريكا. إلا أن غياب الاستراتيجية الواضحة من إدارة ترامب تعني أن الحزب سيواصل تمدده وينتعش بدون معارضة. ومشاكل ترامب الداخلية والأزمة مع كوريا الشمالية وعدم رغبة القادة بالتدخل في سوريا تؤكد هذا . وكان مستشار الأمن القومي الجنرال أتش أر ماكمستر قد قال إنه يعمل على خطط للحد من نفوذ إيران ووكلائها في المنطقة. ولم يصدر بعد تحرك. ويرى محللون أن وقتا سيمر قبل اتخاذ إجراءات. ويقول فيصل عيتاني من المجلس الأطلنطي: « كل ما أقوله لك من شخصيات داخل الكونغرس أو البيت الأبيض أن الفرع التنفيذي ليس لديه الجديد أو القوي». ويضيف: «لديهم موقف من حزب الله وإيران، وهو معاد أكثر من أوباما وأكثر صداقة مع السعودية ولكن لا توجد شهية لحرب الوكالة والسياسات المعقدة. والحقيقة أن ترامب يريد الانتهاء من تنظيم الدولة والخروج، وهو موقف ماتيس (وزير الدفاع) والقيادة المركزية. ولا أحد يريد اتخاذ أفعال باستثناء أصوات فردية في مجلس الأمن القومي». والأمر ينسحب على الأسد الذي أصبح حسب تقرير صحيفة «واشنطن بوست» الرمز الملهم لجماعات التفوق الأمريكية.
ساحر المتطرفين
وجاء في التقرير أن من بين الصور التي عثر فيها على صفحة سائق جيمس ألكيس فيلدز جي آر الذي قتل متظاهرة في تشارلوتسفيل بفرجينيا، وجرح آخرين بشاحنته يوم السبت صوراً للنازيين الجدد وادولف هتلر وبيبي الضفدعة، وهناك بعض التقارير التي أشارت إلى أن صورة لبشار الأسد بالزي العسكري وكتب عليها «الذي لا يهزم». ورغم عدم التأكد من صحة التقارير إلا أن الإعجاب بالأسد يتناسب مع العلاقة بين النظام السوري واليمين المتطرف. وبدا واضحاً خلال الأسابيع الماضية وعبرت عنه أحداث نهاية الأسبوع. والغريب أن والده حافظ الأسد قد ظل يدعم الجماعات اليسارية، وكان الحليف الأكبر للسوفييت في الشرق الأوسط. فيما حظي بشار بدعم الجماعات اليسارية الدولية التي وقفت متفرجة وهو يقمع الانتفاضة السلمية. ولكن الأسد تحول في الأشهر الأخيرة إلى «أيقونة» لليمين المتطرف الذي قام قادته بكيل المديح له والطريقة القاسية التي قمع فيها الانتفاضة، ودوره في قتال تنظيم الدولة ، وموقفه ضد المسلمين واليهود. ففي فيديو انتشر بشكل واسع على التويتر ظهر فيه ثلاثة رجال شاركوا في تظاهرات تشارلوتسفيل وهم يثنون على استخدام البراميل المتفجرة وإخضاع المجتمعات التي انتفضت ضده. ولبس أحدهم قميصاً كتب عليه «شركة بشار للبراميل المتفجرة». قال أحد ناشطي اليمين على وسائل التواصل الاجتماعي تيم جيونت: «لم يرتكب الأسد أي خطأ». وسمع في الفيديو وهو يقول: «البراميل المتفجرة، جهنم، نعم».
وظهر الأسد كبطل شعبي لليمين المتطرف بعد سلسلة من التغريدات كتبها في آذار (مارس) الزعيم السابق لجماعة كو كلاس كلان ديفيد ديوك الذي أثنى على الأسد ووصفه بـ «الزعيم الرائع». وقال: «سوريا هي بلد جميل ولديها تاريخ عني وزعيم رائع. ويجب أن يكون الأسد حليفنا القوي (ولا شك في هذا)». وقال: إن الاسد «يحل المشاكل والموت لداعش وكل مؤيديه». وفي أخرى قال: «الأسد هو بطل معاصر يقف ضد قوى الشر التي تحاول تدمير شعبه وأمته، حفظ الله الأسد». وبالسياق نفسه قام قادة اليمين الآخرون بدعم الأسد وعبروا عن أملهم عن تحالف بينه وترامب خاصة أن الأخير أثنى عليه في أثناء الحملة الانتخابية عام 2016. وعكس هذا الموقف آراء اليمين المتطرف في أوروبا مثل زعيمة الجبهة القومية الفرنسية مارين لوبين. واحتج قادة اليمين على ضرب أمريكا لقاعدة عسكرية في سوريا. وبعد الهجوم عارض قادة اليمين بقيادة ريتشارد بي سبنسر، التدخل العسكري.
ما هو مغزى احتفاء السعوديين بالصدر… وهل ستقف إيران مكتوفة الأيدي؟
بعيداً عن الأسد، وانجذاب اليمين له فإن العراق يواجه مخاضاً جديداً بشأن التقارب الخليجي معه ودور زعيم التيار الصدري. فقد تساءل اليكس فاتنكا من معهد الشرق الأوسط بمقال نشره موقع مجلة «فورين أفيرز» عن نفوذ إيران في العراق، وهل بدأ تأثيرها فيه يتراجع أم أنه امتحان جديد في لعبة التأثير على المنطقة. وسؤال المجلة وإن لم يرتبط بالتحركات الخليجية الأخيرة من دعوة السعودية للزعيم الشيعي مقتدى الصدر زيارتها، واجتماع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان معه إلى تصريحات المسؤولين العراقيين من أن الرياض طلبت وساطتهم مع طهران والزيارة المفاجئة لوزير الخارجية البحريني لبغداد إلا أنه مؤشر على رهانات اللعبة المقبلة وما يمكن أن يتركه أي تغيير في الميزان السياسي على طموحات الجمهورية الإسلامية التي نجحت منذ الغزو الأمريكي عام 2003 لتحويل العراق إلى دولة تابعة. وتقول المجلة: إن الأشهر القليلة الماضية شهدت تنافساً بين الجماعات السياسية على التأثير في التحضير للانتخابات البرلمانية العام المقبل. وتحاول بعض الجماعات الشيعية العراقية إبعاد نفسها عن راعيتهم الإيرانية على أمل أن يؤدي ابتعادهم عنها لتعزيز فرصهم السياسية لدى الناخبين العراقيين.
وتخشى إيران بعد الانتهاء من هزيمة تنظيم الدولة أن تجد نفسها خارج لعبة الحوار الداخلية وعمليات بين طوائف الشعب العراقي السنية والشيعية وبين أعراقه المختلفة حول مستقبل ومسار البلاد وعملية التشارك بالسلطة فيما بينها. وبالضرورة سيتأثر موقفها في العراق على مجالها الإقليمي. وهناك نقاش داخل المؤسسة الحاكمة في طهران إن كانت التوجهات داخل العراق مجرد زوبعة في فنجان أم أن على طهران التعامل والعيش مع التمظهرات القومية الشيعية العراقية الصاعدة كحالة دائمة. وعليه فإن نتيجة الصراع الداخلي العراقي ستترك آثارها على جواره والمناطق الأبعد من ذلك. وأبدت طهران قلقها عندما ظهر مقتدى الصدر في 30 تموز (يوليو) بمدينة جدة الساحلية في السعودية التي تعد المنافس الأكبر لإيران في المنطقة.
أثر على التمدد
وفي الحد الأدنى فإن خسارة إيران لتأثيرها على شيعة العراق سيبطئ من خططها للتوسع ونشر أيديولوجيتها بالمنطقة. وظلت إيران تراقب كل تحرك وانحراف في السياسة العراقية لأن نفوذها الذي مارسته على الجماعات الشيعية العراقية يعتبر من أهم إنجازاتها في السياسة الخارجية منذ إنشاء حزب الله عام 1982. لكل هذا عبر الكثيرون في طهران عن دهشتهم من ظهور الصدر في جدة. رغم أنه معروف بمواقفه القومية وعادة ما قارع الأحزاب الشيعية. كما تعرف طهران أن الصدر رجل دائما يغرد خارج الصف السياسي العراقي. إلا أن رحلة الصدر إلى جدة واستقبال ولي العهد له نظر إليها في طهران على أنها حملة مضادة لإيران. وأصبحت والحالة هذه موضوع تكهنات في طهران ومركز نقاش بشأن دوافعها. وكانت آخر زيارة للصدر إلى السعودية في عام 2006 وبعدها قضى 3 سنوات بالمنفى في إيران، بعدما حاولت القوات الأمريكية اعتقاله لدوره في عملية التمرد. والمفارقة أنه كان من الأصوات المعارضة للدور الإيراني في العراق، إلإ أنه وجد فيها ملجأ للاختباء عندما احتاجه. ومع ذلك لا يعرف المراقبون للشأن العراقي حجم التأثير الذي مارسته إيران عليه في الماضي أو الحاضر.
وبعد عودته من إيران عام 2011 دعم حكومة نوري المالكي. ولم يظهر في الفترة ما بين 2011- 2016 أي مواقف مؤيدة للسعودية بل كان ناقداً لسياساتها في كل من اليمن والبحرين. ويعتقد الإيرانيون أن الصدر ومنذ عودته يحاول إظهار نفسه كرجل ينافح عن الشيعة العراقيين. ويظل بالتالي له مركز في اللعبة السياسية. وعليه فرحلته إلى السعودية هي امتداد لهذا الطموح. فهو يريد كما تقول المجلة أن يكون البديل عن بقية الأحزاب الشيعية العراقية، واتخاذ موقف مختلف من السعودية هي طريقة لتحقيق هذا. وعلينا أن ننتظر إن كان قادرا على تحقيق ما يطمح إليه على المدى البعيد. فمثل بقية الشخصيات العراقية فهو موضوع للسخط والنقد. كما أن شعبيته نابعة من القطاعات الشيعية الفقيرة التي تظل السعودية بالنسبة لهم أمرا حساسا. ويعتمد طموح الصدر أيضا على نتائج التدخل السعودي في كل من البحرين واليمن. ويعتقد الإيرانيون أن الصدر ربما حاول الحصول على مساعدة السعوديين كي يؤمنوا له دعم السنة في العراق أو الشيعة الناقدين للدور الإيراني في العراق مثل رئيس الوزراء العراقي السابق إياد علاوي.
وتقول المجلة إن دهشة إيران من زيارة الصدر للسعودية كانت واضحة. ففي البداية قالت إنها قامت بتنسيق الزيارة من أجل القيام بجهود الوساطة بينها والسعودية. إلا أن التبرير هذا انهار حالة عودة الصدر إلى بغداد؛ حيث جدد مطالبه من الحكومة العراقية كي تقوم بحل ميليشيات الحشد الشعبي، ذراع طهران العسكري في العراق. وتعتقد طهران أن مطالب الصدر بحل الحشد الشعبي هو تحد لها وللجماعات السياسية العراقية التي تدعم الميليشيات مثل رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي رفض في 5 آب (أغسطس) مطالب الصدر قائلا:» يخضع الحشد للمرجعية والدولة، وهي ملك العراقيين ويجب عدم حلها». بل أكد العبادي على استمرارالحشد «لسنوات طويلة»، ورغم مطالبة بعضهم بحلها، في تلميح واضح للصدر.
الرد
ومن أجل مواجهة الصدر قامت إيران بالترويج لفكرة أن المقاتلين التابعين للصدر لم يلعبوا دوراً في القتال ضد تنظيم الدولة. وعليه فلا حق له أو مقاتليه المطالبة بحل الحشد الشعبي. وللدفع أكثر في المواجهة قد تلجأ إيران في المرحلة المقبلة إلى تهميش الصدريين والحد من مشاركتهم في الحوار الذي سيتبع هزيمة تنظيم الدولة. وتملك إيران الوسائل لمواجهة أي تصعيد من الصدر في المستقبل. فهي قادرة على استخدام الانقسام داخل الحركة الصدرية بشأن إيران وبالتالي إضعافها من الداخل. وتعتقد طهران أن دعوة الصدر لحل الحشد الشعبي هو تجاوز لخط أحمر نظرا لتعاملها مع الميليشيات كذراع لتأثيرها في العراق، والسيطرة على مفاصل صنع القرار فيه. كما أنها تعتبر أداة جاهزة لمد الطموحات الإيرانية في المنطقة. وقامت بعض الميليشيات بعد عام 2014 بنقل مقاتليها للقتال إلى جانب نظام الأسد. وأصبح نموذج الحشد الذي تم تعبئته بسرعة مهما في الحفاظ على النظام في دمشق. وأكثر من هذا فنموذج الحشد هو صورة طبق الأصل عن الحرس الثوري لأنه وليد تفكير الحرس وقاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري. ففي إيران يظل الحرس الثوري دولة داخل دولة يندفع قادته بخدمة مصالحهم السياسية والاقتصادية الضيقة. ويتمتع بقوة نافذة في البلاد لدرجة أن لديه القدرة على الإطاحة برئيس منتخب كما فعل مع محمد خاتمي الذي حكم ما بين 1998- 2005 أو إرسال التحذيرات المتكررة كما فعل مع حسن روحاني، الرئيس الحالي.
ولأن الحشد الشعبي مرتبط بشكل تام بالحرس الثوري فإن قادة هذا الأخير لا يريدون تفكيك النموذج العراقي لأن هذا يعني نكسة لهم ولمحاولاتهم مد نفوذهم في المنطقة اعتمادا على جماعات وكيلة كهذه بدلا من التعامل مع بغداد أو دمشق. ويعرف الصدر أن مطالبه بحل الحشد الشعبي لن تمر بدون إجابة من الحرس الثوري. وبالتأكيد فإن محاولة فك الارتباط بين شيعة العراق وإيران تحتاج لوقت طويل، في ضوء العلاقة المتينة التي تربطهما منذ عقود. إلا أن خشية إيران تظل مرتبطة بجرأة الصدر على تحدي وجودها ولو نجح فستتجرأ عليها بقية الأطراف السياسية في بغداد.