جاءت عبارات الزعيم الكردي مسعود بارزاني ضد السلطة العراقية في خطابه الأخير، حادة ومباشرة، خصوصا عندما هاجم حكومة بغداد ووصفها بحكومة مذهبية دينية.
وهو موقف يروق لنسبة كبيرة من نازحي المحافظات العربية السنية اللاجئين في كردستان، الذين عانت محافظاتهم لسنوات من سياسات الأجهزة الأمنية الحكومية والميليشيات الطائفية لأحزاب الحكومة، ورغم أنهم سبق أن تبنوا هذا الخطاب المناوئ لحكومة بغداد في حراكهم الشعبي، إلا أنهم لم يتمكنوا من الحصول على أي مطالب، بعد أن تم قمع احتجاجاتهم بالقوة، ولكنهم يرون اليوم أن بارزاني والأكراد قد نجحوا عمليا، على الأقل في ما فشلوا هم فيه، بتحقيق قدر من الاستقلالية الأمنية والإدارية عن حكومة المركز، فحتى دون إعلان رسمي لدولة كردية، فما هو موجود في كردستان العراق ليس أبدا كيانا خاضعا لسياسات بغداد، بل هو مؤسسات ذات سيادة كردية، تحتاج لرفع العلم فقط لإعلان دولتها الرسمية، بل إن التمثيل الخارجي لكردستان العراق موجود في كل السفارات العراقية، ولعل بارزاني يدرك أن تصريحاته ستجلب تعاطف اكثر من مليون نازح من المحافظات الساخنة المقيمين في كردستان، وقد يعمل على استثمار هذه الورقة بتقديم نفسه كممثل ليس فقط عن الأكراد، بل أيضا عن جمهور هذه المحافظات، ولذلك تجد وسائل الإعلام الكردية الموالية لبارزاني تعج بعشرات «المبايعات» من عشائر عربية في الموصل وغيرها، مؤيدة مشروع الدولة الكردية.
وبعيدا عن سيناريوهات المقبل من الأحداث، من توتر متصاعد بين بغداد وأربيل، حول إعلان الدولة من عدمه، فإن مجرد بقاء الحال كما هو عليه بالنسبة لاقليم كردستان، يضمن له قدرا كبيرا من الاستقلالية، خصوصا في القرار الأمني الداخلي، وهو ما كان أبرز مطالب حراك المحافظات السنية المتمثل حينها بـ»إخراج القوات الأمنية التابعة لسلطة بغداد من المحافظات وتشكيل قوات امنية خاصة من ابناء المحافظات نفسها».
ومنذ بدء المعارك بين تنظيم «الدولة» من جهة، وقوات الحكومة العراقية وميليشيات الحشد الشعبي من جهة أخرى، فإن كردستان العراق باتت ملجأ لمئات الآلاف من الاسر العراقية الهاربة من جحيم المعارك، التي لم تسمح لها الحكومة العراقية بالدخول لبغداد، إلا وفق اجراءات صارمة، ما تسبب بأزمة النزوح الشهيرة عند جسر بزيبز وغيره من مداخل بغداد، التي تكدس عندها آلاف اللاجئين المنكوبين، ورغم أن أقليم كردستان يفرض أيضا شروطا لدخول العراقيين العرب القادمين من خارج اراضي كردستان، كوجود كفيل كردي، إلا ان سياسة الاقليم كانت اكثر مرونة بمراحل من بغداد، بخصوص النازحين، بحيث تمكن معظم النازحين الذين قصدوا اربيل من الدخول بعد أن أمنت لهم حكومة الإقليم مخيمات خاصة، إضافة لذلك، فإن أربيل أصبحت قبلة المعارضين السياسيين السنة للحكومة العراقية، يلتجأون لها طالبين منها الحماية من ملاحقة الحكومة العراقية، كما حصل مع نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، الذي فر من بغداد إلى أربيل بعد إصدار أمر قضائي من المالكي بالقبض عليه، وحتى اليوم فإن معظم الحراك السياسي لممثلي المحافظات السنية المعارضين لبغداد يتم في اربيل وبحماية بارزاني، وهذا ما دفع ربما المالكي يوما، لاتهام اربيل بانها كانت غرفة العمليات الخفية وراء هجوم تنظيم «الدولة» على الموصل عام 2014.
وهكذا، فإن العديد من السياسيين المعارضين، يعلنون تأييدهم لبارزاني، معتبرين انه ضمانتهم الوحيدة للبقاء في العراق، أمام النفس الإقصائي لسلطات المركز.
بارزاني قد ينجح بالاستفادة من مظلومية هذه المحافظات المنكوبة، ومن طاقات ابنائها، ولكن مشروع الكيان القومي الذي يطبع اقليم كردستان سيقلل من فرص اندماج ومساواة السكان العرب، وان كانوا سنة، تماما كما أعاقت الصبغة الشيعية لحكومة المالكي فرص المختلفين عنها بالمذهب وان كانوا عربا.
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
وائل عصام