نازحو تاورغاء الليبية بين الإبعاد القسري وحلم العودة

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: تاورغاء تلك المدينة الليبية الواقعة شمال البلاد، يعود تاريخها إلى أكثر من 5000 سنة قبل الميلاد، احتضنت على مداه شعوباً مختلفة من الرومان والبربر والعرب، حتى تحولت اليوم إلى عنوان مأساة لأكثر من 30 ألف نازح هجرّوا قسرا من منازلهم في أعقاب اندلاع ثورة فبراير على يد مسلحي مدينة مصراتة وثوارها، والتهمة الأكبر لمدينة كاملة هي وقوف بعض أبنائها إلى جانب نظام القذافي.
كان عدد سكان المدينة قبل التهجير حوالي 45 ألف شخص، واليوم هناك أكثر من 15 ألف نازح من تاورغاء في 18 مخيما تتوزع على مدن طرابلس وبنغازي وسبها وترهونة وغيرها، يعيش أبناؤها ظروفا حياتية واجتماعية وصحية صعبة مع نقص المياه الصالح للشرب وافتقادهم لأبسط مقومات الحياة اليومية، ومع قدوم فصل الصيف تزداد معاناة اللاجئين بسبب ارتفاع درجات الحرارة ما يجعل حياة الكثيرين خاصة المسنين والأطفال معرضة للخطر. ولعل مخيم قرارة الذي يبعد عن تاورغاء 38 كيلو مترا فقط ومخيم هراوة الذي يبعد حوالي 270 كيلو مترا باتجاه سرت، يمثلان العنوان الأكبر لهذه الكارثة الإنسانية الكبرى بحق مدينة دمرت بأكملها ولم يبق منها سوى الخراب. ورغم التوصل لاتفاق للمصالحة في شباط/فبراير من العام الماضي يقضي بعودة نازحي تاورغاء إلى مدينتهم، مقابل جبر الضرر وتعويض المتضررين من المدينتين، لكن فشل تنفيذ الاتفاق بعد ان منع مسلحو مصراتة النازحين من العودة.

أبعاد سياسية وعنصرية

يقول الناشط الحقوقي عماد إرقيعة من تاورغاء لـ «القدس العربي» ان أزمة ملف تاورغاء لها أبعاد سياسية واجتماعية وعنصرية. وأوضح بالقول: «تتلخص الأبعاد السياسية في ان 90 في المئة من أهالي تاورغاء كانوا مؤيدين لنظام القذافي، عكس الجارة مصراتة التي تقع على بعد حوالي 35 كيلومترا فكان موقف أهالي مصراتة مغايرا ومؤيدا للثورة. وقد استغل النظام أرض المدينة ومزارعها ووضع فيها الآليات والسلاح مع انتشار كبير للجيش خاصة في المنطقة الجنوبية. وأصبحت المدينة مسرحا لأعنف الاشتباكات اليومية وكانت كتائب القذافي تقصف عشوائيا مدينة مصراتة بثوارها. وبعد سقوط النظام هجمت الكتائب المسلحة من مصراتة على أهالي تاورغاء ونكلت بهم وارتكبت أبشع الجرائم بحق الأطفال والمدنيين والعزل مما دفع أبناء المدينة إلى الهروب. أكثر من 45 ألفا هجروا في أيام معدودات من بطش الميليشيات». ويتابع الناشط الحقوقي بالقول: «في تقرير لمنظمة العفو الدولية في سنة 2012 شاركت في وضعه تحت عنوان (إذا كنت تاورغيا فليس لديك مكان في ليبيا الجديدة) يتحدث عن الانتهاكات الممنهجة والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت، فالوضع كان سيئا إلى حدود سنة 2014». وأوضح ان هناك جانبا عنصريا أيضا، فأهالي مصراتة ينظرون إلى أبناء تاورغاء كأنهم مجموعة من العبيد بسبب بشرتهم السمراء، وهي نظرة عنصرية وتمييز بين أصحاب البشرة البيضاء والسمراء تطغى في ليبيا للأسف».
أما عن فشل محاولات حل الأزمة فأوضح: «كل الحلول الموضوعة لم تنجح بسبب تعنت كثير من الأطراف في مصراتة منها المجلس البلدي الواقع تحت تأثير الميليشيات وشركاء المجلس العسكري واتحاد الثوار وغيرها من الميليشيات، بالإضافة إلى أننا لم نلمس نية صافية لدى أهالي مصراتة لحل الأزمة والدليل على ذلك هو ما حدث مؤخرا عندما تم الاخلال باتفاق المصالحة الذي وقع بين المجلس المحلي لكل من مصراتة وتاورغاء برعاية الأمم المتحدة بعد محادثات لأكثر من سنتين بين جنيف وتونس وبروكسل وتفاهم خلالها الطرفان على نقاط سميت «مسودة اتفاق تاورغاء مصراتة» تم اعتمادها من قبل المجلس الرئاسي وتم تحديد يوم الأول شباط/فبراير 2017 موعدا لعودة أهالي المدينة رغم انها مدمرة، لكنها بالنسبة إليهم أفضل من بقائهم في المخيمات. حاول الأهالي العودة بأعداد كبيرة فتمت مواجهتهم بالسلاح من قبل بعض ميليشيات صبراتة. على المستوى السياسي فقد عبرت آنذاك عديد السفارات الأجنبية والمنظمات الدولية عن استنكارها لمنع الأهالي من العودة والإخلال بالاتفاق وخلال هذه الفترة كانت لجنة حوار تاورغاء تتحاور مع بعض الأشخاص من مصراتة بتفويض من المجلس المحلي برئاسة يوسف الزرزاح وفي ذلك الوقت وافقت اللجنة على الاتفاق مقابل دفع الحكومة تعويضات مالية. لكن الحكومة جمدت الأموال بعد ان تم منع الأهالي من العودة».

ورقة ضغط

ويوضح الناشط ان ملف تاورغاء وقع تسييسه مضيفا: «ان الاتفاق لا يزال مجمدا إلى الآن بسبب تسييس الملف وتحويله إلى ورقة ضغط على حكومة السراج من قبل بعض الأطراف الأخرى بينما اليوم هناك مئات العائلات في العراء مع درجات حرارة مرتفعة وخلال شهر رمضان وتوفي في المخيم من 1 شباط/فبراير سنة 2017 إلى اليوم سبعة أشخاص بسبب المرض والوضع الإنساني السيئ».
وأضاف ان وضع أهالي تاورغاء تعيس جدا، فالمخيمات التي يتواجدون فيها كانت عبارة عن مقرات مؤقتة لعمال المصانع وقد حدثت عدة حرائق بها ما أودى بحياة أشخاص وتعرض المخيم لأكثر من هجوم من ميليشيات مصراتة وغيرها». ورغم ذلك فان أهالي تاورغاء مصرين على عدم عسكرة قضيتهم والمطالبة بحقوقهم بكرامة حسب المواثيق والمعاهدات الدولية وتوجهوا اخيرا إلى المجتمع الدولي والهيئات الحقوقية المعنية بملف النازحين. وأكد ان الحلول ليست واضحة في ظل سيطرة الميليشيات وغياب الأمن.
وقال فرج بن جمعة عضو مجلس الحكماء والشورى في تاورغاء لـ»القدس العربي» ان «أزمة تاورغاء هي جزء من أزمة البلاد. وهي نتيجة حالة عدم الاستقرار الذي يعيشه الليبيون والانفلات الأمني الذي يطيل عمر الأزمة». وقال «عند اندلاع ثورة فبراير كانت العلاقات طبيعية بين أهالي المدينتين وهناك علاقات نسب ومصاهرة ولكن مساندة بعض الأهالي لكتائب القذافي خلقت حساسيات لدى أهالي مصراتة». وأضاف «ان هناك اتفاقا وقع بعد جلسات من الحوار برعاية الأمم المتحدة تمخض عن توقيع وثيقة خريطة الطريق وأهم بنودها: تشكيل لجنة مشتركة لمعالجة ملف الطرفين بما يتفق مع مخرجات اجتماع البلديات الليبية الذي انعقد في 28 و29 كانون الثاني/يناير 2015 في جنيف برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. والتأكيد على حق أهالي تاورغاء في العودة إلى أرضهم من خلال تشكيل لجنة بحث آلية تحقيق ذلك على أرض الواقع وتذليل العوائق وتهيئة الظروف المناسبة من كل النواحي».
واتفق الاجتماع على أن تقوم بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا «بمتابعة هذه العملية بالتعاون مع الجانبين». والاتفاق كذلك على ضرورة معالجة الحكومة الليبية للأوضاع الإنسانية الحالية للنازحين. وجبر الضرر للضحايا ومعالجة احتياجات جميع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان. والاتفاق على نوع التعويضات ـ مادية ومعنوية، فردية وجماعية ـ ومعايير تحديدها مع الأخذ بعين الاعتبار جسامة الانتهاكات والأضرار المترتبة عليها.
ولكن تمت عرقلة تنفيذ الاتفاق من قبل بعض الأطراف والميليشيات من أجل مصالح سياسية ودون أدنى اكتراث بالوضع الصعب الذي يعيشه النازحون في المخيمات. وتابع عضو مجلس الحكماء والشورى في تاورغاء: «ان تكون نازحا بسبب الحرب هو أمر صعب، لكن ان تكون نازحا ومشردا على أرض وطنك فهي المصيبة الكبرى». وأكد ان «أطفال تاورغاء يدفعون اليوم ثمنا باهظا من مستقبلهم وحياتهم وأمنهم لذنب لم يقترفوه وليس لهم أي علاقة به».

أي دور للجامعة العربية؟

لقد حصلت مؤخرا عدة تحركات لتسليط الضوء على أزمة ملف تاورغاء منها يوم «أطفال تاورغاء» الذي عقد مؤخرا في مكتب الجامعة العربية في تونس وحضر خلاله نازحون من ليبيا وقطعوا كل هذه المسافات من أجل إيصال صرختهم للعالم. وقد واكبت «القدس العربي» هذا اليوم واستمعت إلى شهادات أبناء مصراتة النازحين الذين تحدثوا بكل حرقة وأسى عن قضيتهم وعن حقهم في العودة إلى منازلهم المهدمة، مؤكدين ان هذه الأزمة تسببت في تشتت العائلات واختفاء البعض بسبب الاختطاف ولا يزال مصير الكثيرين مجهولا. في هذا السياق أوضح صلاح الدين الجمالي مبعوث الجامعة العربية إلى ليبيا لـ «القدس العربي» ان أزمة تاورغاء مفتعلة وهي قضية إنسانية وقع تسييسها وتمت المزايدة واللعب بمعاناة الناس. وقال ان الأزمة بدأت مع سقوط نظام القذافي حيث وقع تهجير كل سكان تاورغاء والتنكيل بهم وتدمير محلاتهم ومنازلهم في عملية غير إنسانية وانتقاما من أهالي ليس لديهم ذنب بما قام به بعض الجنود التابعين لكتائب القذافي. وقال ان ما حدث هو أكبر عملية تهجير جماعي قسري في ليبيا لأكثر من 40 ألف ساكن انتشروا في كل أنحاء البلاد خاصة طرابلس وبنغازي. أما عن دور الجامعة العربية في حل الأزمة فقال: «توجهت شخصيا وزرت بعض المخيمات وعاينت الأوضاع الإنسانية المزرية التي يعيش فيها أهالي تاورغاء في بلادهم دون أي دعم مالي. والمصيبة هو وجود أطفال من غير دراسة وهذا أمر خطير وينذر بنشوء جيل جديد ناقم ورافض الانتماء وجاهز للقيام بأي أعمال فوضوية». وأضاف: «بدأت الأمم المتحدة تهتم بملف تاورغاء وسنة 2013 تم توقيع أول اتفاق من 30 بندا قدمه لي رئيس بلدية تاورغاء ونائب عن تاورغاء والمشكلة ان هذا الاتفاق لم يقع تنفيذه لان المجلس الرئاسي وبلدية مصراتة ليسا في الموقف نفسه».
ثم تواصلت المأساة حتى سنة 2017 حيث بدأت تظهر ملامح جديدة لاتفاق جديد وتم التلاقي بين أهالي المدينتين والاتفاق على العودة في شباط/فبراير مقابل دفع حوالي ثلاثة ملايين دولار كتعويضات واعتقد ان هذه الأمور كلها ثانوية أمام العودة، لان نازحي تاورغاء أناس مشردون. لكن قامت بعض التشكيلات المسلحة الخارجة عن القانون بمنعهم من العودة بدعوى ان حكومة الوفاق لم تدفع التعويض، مما اضطر الأهالي الذين جاؤوا من مخيمات بعيدة في طرابلس وبنغازي وسبها، إلى البقاء في المكان ذاته في الصحاري في تجمعين دون وجود أبسط شروط الحياة بانتظار قبول المجموعات المسلحة بالسماح بدخولهم. وهنا أوضح ان هذه المجموعات المسلحة فرضت بعض الشروط المجحفة حول العودة ولا يجوز ان يخضع أهالي تاورغاء لضغوط تنكيلية بل من حقهم ان يعودوا إلى حياتهم الطبيعية وان يعود أبناؤهم إلى مدارسهم بعد كل هذه المعاناة».

أفق الحل

أما عن أفق الحل فأوضح الجمالي: «الحوار متواصل وهناك تقدم ونأمل ان تتعاون كل الأطراف حتى يعود أهل تاورغاء إلى بيوتهم قبل مجيء الصيف، لان ظروف الإقامة في المخيمات في قلب الصحراء صعبة جدا وخطيرة وغير إنسانية ولا صحية ولا تشرف الشعب الليبي المعروف بتسامحه وكرمه ولديه أخلاق أهل البادية وكرم الضيافة، وعودة الناس إلى مدينتهم خطوة كبيرة في مسار التسامح والتصالح في ليبيا وأعتقد ان هذه الخطوة ـ ان تمت ـ ستساعد على انجاح مسيرة السلام لأنها ستقدم نموذجا لصنع الاستقرار من خلال المصالحة. فلا يمكن قيام دولة مدنية على أسس حديثة وإجراء انتخابات نزيهة وشفافة وديمقراطية دون تحقيق العفو الشامل وان تكون تاورغاء النموذج الأول للعقلانية التي تتغلب على كل غرائز الانتقام. فهناك تجار أزمات وحروب استفادوا من الحال وهم يعملون على إطالة عمر هذه الأزمة أيضا».
وأكد ان مكتب الجامعة العربية في تونس استقبل عديد الوفود من تاورغاء للحديث عن معاناتهم وتم نقل مطالبهم إلى الهيئات المعنية وأضاف: «استقبلنا ممثلين عن سكان تاورغاء وتدخلت شخصيا عدة مرات مع الحكومة الليبية للتذكير بملفهم ونظمنا يوما خاصا بأطفال تاورغاء تمت خلاله دعوة أطفال النازحين واستمعنا إلى بعض الحالات الإنسانية وإلى شهادات بعض الأهلي الذين جاؤوا من ليبيا لإيصال صوتهم للعالم».
ويؤكد الجمالي ان حكومة الوفاق حريصة على عودة الأهالي لكن المشكلة الأكبر تبقى في الميليشيات المتمردة الخارجة عن القانون ورغم ذلك فان المحادثات متواصلة. وعبر الجمالي عن تفاؤله ان تحل الأزمة قبل مجيء الصيف ليصبح موضوع تاورغاء جزءا من الماضي.

11HOR

نازحو تاورغاء الليبية بين الإبعاد القسري وحلم العودة
قرابة سبع سنوات من التهجير والمعاناة
روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية