ناشطات «فيمن»: التعري كوسيلة للإحتجاج على السياسة والدين والذكورية

حجم الخط
1

بيروت ـ «القدس العربي»: تأسست المنظمة النسائية «فيمن» المعروفة دوليا بتنظيم احتجاجات عارية ضد الهيمنة الذكورية،  في أوكرانيا عام 2008 ثم استقرت في باريس وأصبح لها فروع عدة في العالم. وتركز أبرز احتجاجات المنظمة غير الحكومية، والمستقلة سياسيا واقتصاديا، على التمييز على أساس الجنس والسياحة الجنسية، والمؤسسات الدينية ووكالات الزيجات المرتبة والإسلام السياسي. وفي أواخر عام 2011، بدأت ناشطات «فيمن» بتنظيم احتجاجات دولية كان أبرزها تظاهر عدد من عاريات الصدر  ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ألمانيا احتجاجا على نظامه السياسي. وكان من اللافت قول بوتين حينها إنه «استمتع» برؤية مشهد النساء عاريات الصدر اللواتي تظاهرن ضده وأنه «لا يرى شيئا مفزعا في ذلك» منوها أن «من يريد أن يتحدث في السياسة عليه أولا أن يرتدي ملابسه».
 ورغم نجاح الحركة في إثارة الرأي العام وتعاطف عدد كبير من الناشطين معها، تواجه ناشطات «فيمن» إنتقادات عديدة من جمعيات نسوية تتهمها بتشويه صورة النساء عبر استغلال جمالهن وعرض أجسادهن وصدورهن ما يجعلهن «شبيهات بنماذج الجمال الحالية لنساء الإعلانات». من جهة أخرى، يرى آخرون أن أسلوب عمل «فيمن» يستخدم كوسيلة ناجحة لوضع المطالب النسائية في الواجهة، وترى إحدى مؤسسات جمعية «لابارب» النسائية أليس كوفان أن الناشطات «اخترن طريقة ديناميكية وصادمة في تحركهن على غرار منظمة «اكت آب» الذين يرشون السوائل الحمراء التي تشبه الدم للفت الأنظار حيال مرض السيدا». وواجهت الحركة حملة اعتقالات وسجن بشكل منتظم من قبل الشرطة في عدد من الدول كان أبرزها تونس، حيث أسست صفحة على فيسبوك وحاولت فتح فرع خاص لها في العاصمة. وبرزت أحدى أعضائها، أمينة السبوعي كأهم ناشطات الحركة في العالم العربي والإسلامي. ورغم إحتجاجاتهن المثيرة للجدل، فقد استطاعت ناشطات هذه الحركة فرض نفسهن على المشهد النسوي الفرنسي ومختلف وسائل الإعلام العالمية عبر إستخدام التعري كوسيلة للإحتجاج.
 
 
الليدي غوديفا
 
يقال أن إستخدام التعري كوسيلة لإظهار السخط من سياسة أو قانون ما بطريقة سلمية يرجع للقرن الثالث عشر، فيما يعرف بأسطورة «الليدي غوديفا» التي لجأت للكشف عن صدرها للإحتجاج على إستبداد زوجها الأمير ليوفريك حاكم مقاطعة كوفنتري بإنكلترا خلال العصور الوسطى. وكان ليوفريك إشترط أن تتجرد زوجته من ملابسها وتركب حصانا يطوف بها في مدينة كوفنتري، لتنفيذ مطالبه والكف عن الإستبداد وفرض الضرائب الباهظة وإنصاف الشعب. فما كان من الزوجة إلا أن وافقت «بعد التأكد من التزام الرعية بيوتهم وعدم النظر إليها، إلا أن شخصا دفعه فضوله الشهواني إلى حفر ثقب في جدار منزله كي يتمكن من رؤيتها عارية». وأنتشرت بعد هذه الأسطورة ظاهرة التعري بالاحتجاجات كوسيلة لمناهضة الحروب ودعم حقوق الإنسان والمثليين والمرأة والتصدي للهيمنة الذكورية.  وفي عام 2012 رقصت آلاف النساء عاريات الصدور في سوازيلاند أمام ملكهن للاحتفال بالعفة والوحدة في رفض للانتقادات الموجهة في واحدة من أفقر بلدان افريقيا. وفي رقصة تقليدية تسمى «أوملانغا ريد» للاحتفال بالأنوثة والعذرية رقصت نساء وفتيات عمر أصغرهن خمس سنوات وهن يرتدين تنورات قصيرة ويمسكن بالعصي والهواتف المحمولة ويرددن الأغاني يومين تقديرا للملك والملكة الأم المعروفة أيضا باسم انثى الفيل العظيمة. وفي العام الماضي تظاهر المئات من النساء الكنديات في مسيرة عاريات الصدور احتجاجا على توقيف الشرطة ثلاث أخوات بسبب قيادة دراجات هوائية بدون ارتداء «قمصان تحجب صدورهن». ورفعت النساء المحتجات لافتات من ضمنها «العري لا يعني الجنس». وقالت النساء الثلاث وهن تاميرا، وناديا وأليشا محمد، إنهن اضطررن إلى خلع قمصانهن بسبب يوم صيفي حار. لكن النساء الثلاث قلن إن رجل شرطة اقترب منهن وطلب منهن أن يغطين أجسامهن، بحسب ما ذكر موقع الـ»بي بي سي». وفي العام 2014 قامت بعض النساء البرازيليات بالتعري على شاطئ ريو دي جانيرو احتجاجا على القانون الذي أصدرته الحكومة البرازيلية بمنع التعري في الأماكن العامة تحت طائلة العقوبة بالسجن التي تصل لمدة عام كامل وذلك تخوفاً من حملات التعري التي قد تحصل في ملاعب كرة القدم في كأس العالم الذي تستضيفه البرازيل. وفي العام الماضي، وصلت ظاهرة التعري كوسيلة للإحتجاج إلى العراق، حين أقدم مواطن عراقي على التعري في بغداد والاستلقاء على الاسفلت في ظل ارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من 50 درجة احتجاجا على عدم صرف راتبه فيما حاول بعض المواطنين منعه من القيام بذلك. وظهر الرجل في فيديو نشر على يوتيوب ومدته 67 ثانية وسط مجموعة من الرجال حاولوا ثنيه لكنه أصر على التعري رافعا ورقة كبيرة كتب عليها «أسرقوا خزينة الدولة.. لكن اعطونا رواتبنا»، بحسب ما نقل موقع «إيلاف».
 
أهداف حركة «فيمن»
 
في أولى سنوات تأسيسها، قالت حركة «فيمن» أنها تهدف إلى «تطوير الصفة القيادية والفكرية والأخلاقية للشابات الأوكرانيات وبناء صورة لأوكرانيا بانه بلد يقدم فرصا كبيرة للمرأة» واصفة نفسها بأنها «تحارب النظام الأبوي في المظاهر الثلاثة – الاستغلال الجنسي للنساء والديكتاتورية والدين. وفي وقت لاحق، قالت إينا شيفشنكو المتحدثة باسم «فيمن» في باريس أن هدف الحركة هو» التصدي للطموحات السياسية للإسلام». وقالت «فيمن» في مناسبات عدة إنها تدافع عن الحرية الشخصية وحرية المعتقد والحق في الحياة الخاصة والحرية الجنسية، باسم حقوق الإنسان الكونية، فيما دعت إلى «وضع حد ما أسمتها حملة الكراهية التي يتعرض لها المثليون.»
  
الإنتقادات

أدانت الطبقة السياسية الفرنسية حركة «فيمن» في بدايتها مدعية أنها تساهم في تسخيف معركة المساواة بين المرأة والرجل. كما وخرجت الإنتقادات من الوسط النسائي الفرنسي بعد أن كشفت ناشطات من الحركة عن صدورهن داخل الكنيسة الباريسية. وواجهت انتقادات من مؤسسات دينية ورجال دين كان أبرزهم الأب فيدريكو لومباردي المتحدث باسم الفاتيكان الذي قال بعد أن نظم الناشطات احتجاجات عند الفاتيكان إن هذه المجموعة «انتهكت عن عمد وبشكل متكرر وخطير حق المؤمنين في رؤية معتقداتهم الدينية الشرعية تحترم». كما أثارت الحركة غضبا كبيرا ضمن الحركات النسوية المسلمة، التي «ترفض هذه الفئة النسوية كواجهة دفاع عن حقوقهن بهذه الطريقة». وأطلقت نساء في أوروبا، حملة مضادة على مواقع التواصل الاجتماعي باسم «فخر المرأة المسلمة» ودعت حملة «نساء مسلمات ضد فيمين» النساء المسلمات أن ينشرن صورا لأنفسهن سواء بالحجاب أو النقاب أو بدون أي منهما، مع رسالة للعالم تقول: «لنا صوتنا… ونأتي بأشكال مختلفة وإننا نعارض الطريقة التي يتم بها تصويرنا في الغرب».
 وترى نيكول فان أونيس مؤلفة كتاب عن الحركات النسائية الفرنسية «Féminismes Pluriels» أن التظاهر مع صدور عارية يدخل في نطاق لعبة الذكر. وتضيف: العري يستعمل هنا للبيع ويجعلنا نتساءل عن الرسالة التي يحملها. وتعتقد الكاتبة أن نساء «فيمن لسن أي نساء، فهن حسناوات، وشابات وجميلات، شبيهات بنماذج الجمال الحالية لنساء الإعلانات». من جهتها، تقول إحدى مؤسسات جمعية «لابارب» النسائية أليس كوفان «إن الاهتمام بحركة فيمن نابع بالدرجة الأولى من الكشف عن الصدر، فالجنس سلاح إعلامي فعال». ويذكر أن استطلاعا للرأي أجراه معهد هاريس، ونقله موقع «فرانس 24 « بعد تظاهرة «فيمن» في كنيسة نوتردام أن غالبية المستطلعين لا يؤيدون تظاهرة عاريات الصدر في الكنيسة الباريسية، ولكنهم يؤيدون في الوقت نفسه مطالب المتظاهرات. والملفت أن نسبة الرجال المؤيدين لـ»فيمن» في المضمون والشكل أعلى بكثير من نسبة النساء ـ 21 في المئة رجال و9 في المئة نساء- والتفسير واضح وضوح الشمس بالنسبة لنيكول فان أونيس التي تقول «الصحف تنشر صور عاريات الصدر طمعا ببيع أعداد إضافية ولكن في النهاية الصحافة لا تهتم إلا نادرا بمطالبهن النسائية».
 
أبرز تحركات «فيمن»
 
في أحدث تحركاتها، قامت ناشطات عاريات من منظمة «فيمن» بعرقلة محاضرة للخبير في الشؤون الإسلامية السويسري طارق رمضان في الملتقى السنوي لمسلمي فرنسا قبل أن يخرجهن الطاقم الأمني من المكان. كما وعرقلت نحو ست ناشطات من الحركة وهن عاريات الصدور احتفال حزب «الجبهة الوطنية» اليميني المتطرف الذي تتزعمه مارين لوبان بعيد العمال في باريس هذا العام، قبل تدخل قوات الأمن. وظهرت ثلاث ناشطات من الحركة في شرفة مبنى يطل على المسرح وقد كتبن على صدورهن «اوقفوا الفاشية» ورددن شعارات مناهضة لحزب الجبهة الوطنية وسط صيحات استهجان من الحضور. وقالت لوبان بعد ان ظهر عليها الانزعاج «مفاجآت كثيرة في الأول من مايو، من المفارقات ان تدعي انك مناصرة لقضايا المرأة وتحاولي إفساد تكريم لذكرى جان دارك» مضيفة: «سيجبرن على ارتداء ملابسهن». وأقدمت ناشطات من الحركة في منتصف ايار/مايو 2015 على تقبيل بعضهن عاريات الصدر داخل مسجد حسان في الرباط، احتجاجا على توقيف شابين مثليين ومحاكمتهما في الرباط. وفي وقت سابق، خرجت 10 نساء من المنظمة عاريات الصدور، وهن يحملن بنادق كلاشينكوف بلاستيكية إلى جادة الشانزليزيه في باريس وهتفن ضد تنظيم «الدولة الإسلامية». كما قامت إحدى ناشطات حركة فيمن بلعب دور سيدة مشنوقة فوق جسر في باريس، احتجاجا على زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى العاصمة الفرنسية وعلقت لافتة كتب عليها «مرحبا بك روحاني، يا جلاد الحرية». كما رمت ناشطات بأنفسهن على سيارة المدير السابق لصندوق النقد الدولي دومينيك ستروسكان لدى وصوله إلى محكمة الجنح في فرنسا.
وفي عام 2014 عرت عضوة في الحركة صدرها ونزعت تمثالا للسيد المسيح وهو طفل من مجسم لمشهد الميلاد أمام آلاف الأشخاص في ساحة القديس بطرس. وقال موقع «فيمن» على الإنترنت حينها إن ما قامت به المرأة كان احتجاجا في إطار حملة مناهضة لرجال الدين تطعن في «رغبة الأديان للحد من خصوبة النساء». كما نظمت ناشطات احتجاجات عند الفاتيكان واوقفن تظاهرة في مدينة بيت لحم، في ساحة كنيسة مهد المسيح، خلال أعياد الميلاد، للاحتجاج على الظلم والتعبير عن حقهن في الحرية والتظاهر. وقالت رئيسة بلدية بيت لحم فيرا بابون أنها ترفض هذا النوع من التظاهر، مؤكدة أن أي «تظاهر يخرق الحياء العام والعادات غير مرحب به». وقامت ناشطات من المنظمة نفسها بالاعتصام أمام السفارة التونسية في مدريد للمطالبة بالإفراج عن زميلاتهن. وخلعت الشابات قمصانهن فظهرت على صدورهن رسائل بالإنكليزية «الحرية لبولين» و»الحرية لجوزفين» و»الحرية لمارغريت»، الناشطات الأوروبيات الثلاث المسجونات في تونس. وأيدت محكمة استئناف فرنسية العام الماضي حكما سابقا بتبرئة ثماني ناشطات من الحركة في واقعة احتجاج بتعرية صدورهن أمام كنيسة نوتردام قبل عامين. واختلطت النساء الناشطات بجحافل الزائرين الذين اصطفوا لدخول الكنيسة التي تعود للقرن الثاني عشر الميلادي في 2013 – بعد يوم واحد من تنحي البابا بنديكت- قبل رفع لافتات كتب عليها بالطلاء شعارات مثل «لم يعد هناك بابا» و»اذهب عدو التعددية الجنسية».
 
«فيمن» تونس
 
شهدت حركة «فيمن» جدلا واسعا في تونس حيث فجر إقدام ناشطات الحركة على التعري انتقادات كبيرة في البلد العربي المسلم الذي يعتبر التعري نيلا من الآداب العامة ويعاقب عليه بالسجن 6 أشهر نافذة. ووصفت وزارة الشؤون الدينية في بيان ما قامت به الناشطات الأوروبيات بأنه «عمل دنيء مستفـز للمشاعر ومتطاول على تعاليم الإسلام الحنيف وقيم الشعب التونسي المسلم». وكان رئيس الوزراء التونسي علي العريض اتهم التنظيم بأنه ضالع في أعمال إرهابية. وكانت وسائل إعلام محلية ذكرت أن مجموعة «فيمن» الأوكرانية تسعى إلى فتح فرع لها في تونس. وأعلنت وزيرة المرأة التونسية سهام بادي أنها لن تسمح بهذا الأمر لتعارضه مع قيم المجتمع التونسي.

ناشطات «فيمن»: التعري كوسيلة للإحتجاج على السياسة والدين والذكورية

ريما شري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية