تونس «القدس العرب»: احتدم الجدل في تونس حول الحكومة الجديدة خصوصا فيما يتعلق بتركيبتها ومدى قدرتها على الصمود لخمس سنوات مقبلة وكذا قدرتها على النجاح في تحقيق مطالب التونسيين وتطلعاتهم والتي هي بالأساس مطالب إجتماعية. ولعل ما دفع بهذا الجدل إلى تصدر واجهة الأحداث هو الإضطرابات التي شهدتها مؤخرا بعض مدن وقرى الجنوب الشرقي التونسي والتي أسفرت عن سقوط قتيل وجرحى في صفوف المواطنين وحرق مراكز أمنية.
خرق لمقتضيات الدستور
وفي هذا الإطار أكد الناشط الحقوقي والسياسي اليساري التونسي صالح الزغيدي لـ«القدس العربي» أن الملابسات التي حفت بتكوين «حكومة قائد السبسي» التي يرأسها الحبيب الصيد أكدت بكل وضوح هشاشة الأوضاع السياسية، وذلك بالرغم من مرور أكثر من أربعة أعوام على أحداث 14 كانون ثاني (يناير) 2011..فمن البديهى، بحسب الزغيدي، أن البلاد لم تجد بعد توازناتها ليس على المستويين الاقتصادي والاجتماعي فقط، بل على المستوى السياسي أيضا.
ويضيف قائلا «كان العديدون يعتبرون أن اصدار الدستور باتفاق كافة الأطراف تقريبا شكل أحد المكاسب الأساسية والقليلة بعد سنوات من الكر والفر والتجاذبات الخطيرة، لكن أول اختبار لهذا الدستور بنصه وروحه، خاصة في موضوع صلاحيات رئيس الجمهورية من جهة ورئيس الحكومة من جهة أخرى كشف أمرا في غاية الخطورة، يتمثل في أن السيد قائد السبسي يتعامل في واقع الأمر وكأننا في نظام رئاسي، في حين أن الدستور الذي اتفق عليه الجميع وصدر في كانون ثاني (يناير) 2014 وضع أسس نظام برلماني معدل تتركز فيه السلطة في القصبة (مقر رئاسة الحكومة) وليس فى قصر قرطاج (مقر رئاسة الجمهورية).
فرئيس الجمهورية، بحسب الزغيدي، قد أزاح جانبا حزب نداء تونس، وهو الذي لم تعد له علاقة بهذا الحزب بعد انتخابه رئيسا للجمهورية، كما أن لقائد السبسي الدور الأساسي، بحسب الزغيدي أيضا في تعيين رئيس الحكومة ثم أعضائها. وهو الذي قرر، وبتناقض تام مع قرار واضح لا لبس فيه من قيادة نداء تونس، تشريك حركة النهضة في حكومته رغم الفشل الذريع التي منيت به حكومتاها في الفترة السابقة وبعد ما شهدته تونس من خراب اقتصادي وفوضى اجتماعية واغتيالات سياسية و بروز للأجنحة التكفيرية وما اقترفته من جرائم في الشعانبي وغير الشعانبي وإرسال الآلاف من الجهاديين الى سوريا.
ومما يزيد من خطورة هذا التحالف الحكومي بين قائد السبسي والغنوشي، بحسب الناشط السياسي والحقوقي التونسي، ما كان وعد به نداء تونس وقائد السبسي نفسه الناخبين والناخبات من أن تونس في حاجة إلى «نداء تونس» قوي حتي يزيح الخطر الذي تمثله حركة النهضة التي تريد أن تعود بتونس إلى الوراء وتقضي على المكاسب التي حققتها فى العقود الأخيرة.
ولا يعتقد محدثنا أن هذه الحكومة، ستكون قادرة على القيام بمسؤولياتها وإيجاد الحلول للقضايا الجوهرية المتعددة المطروحة اليوم على البلاد على جميع المستويات. فكل المؤشرات برأيه تدل على أن قائد السبسي سيكون هو المركز الأساسي للقرارات الهامة. وهو ما يشكل برأيه أيضا خرقا سافرا لمقتضيات الدستور وللنظام السياسي التى اختارته البلاد.
مشهد سريالي فريد
من جهته اعتبر عضو مجلس نواب الشعب عن حركة نداء تونس د. الصحبي بن فرج أن هذه الحكومة الجديدة تشكلت بعد مخاض شاق، وأفرزت مشهدا سرياليا فريدا تكاد تنفرد به تونس بعد أن انفردت بنجاح ربيعها. فالحزبان اللذان تصارعا قبل الانتخابات، بحسب النائب الندائي هما الآن حليفان.
فالنهضة، بحسب بن فرج، طالما نعتت حليفها الجديد بـ»بقايا النظام البائد المُرسكَل»، ونداء تونس بنى شعبيته طوال سنتين على التشهير بحركة النهضة وسوء إدارتها للشأن العام وتساهلها مع الارهاب. فهو برأيه تتويج لمسار بدأه زعيما الحركتين الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي منذ شهر آب (أغسطس) من سنة 2013، وانتهى بنقل تونس من وضعية الصراع المنذر بالخطر إلى وضعية جديدة يطغى عليها منطق التشارك والتعايش المبشّر على الأقل ظاهريا بالنجاح والأمل والاستقرار والتنمية.
ويضيف: «غالبية السياسيين والمواطنين من الجانبين يتجاذبهم الشعور بالخيبة من تراجع القيادات عن وعودها الانتخابية وعدائية خطابها قبل الاقتراع، والإحساس الدفين بالارتياح لمسار المفاوضات: الجميع بحاجة الى الهدوء والاستقرار لتحقيق التنمية بعد 4 سنوات من الصراع السياسي وعدم الاستقرار. وحتى المحيط الاقليمي والدولي عبر عن ارتياحه لتشكيل حكومة شراكة بين الحليفين اللدودين رغم أن مشاركة حركة النهضة كانت رمزية».
وامل محدثنا بأن تنتصر الحكمة التونسية مرة أخرى وأن يكون تشكيل الحكومة بمثابة الهدنة التي تمهد للسلام الدائم وليس مجرد استراحة للمحاربين من الجانبين استعداد للجولة الحاسمة. فالتناقضات بين مشروعي ومنظومتي النداء والنهضة لا يمكن إنهاؤها بالسهولة التي تبدو عليها الاحداث، مثلما يرى محدثنا. فمازال الطريق وعرا، برأيه، والألغام على الطريق قابلة للانفجار في أية لحظة والدليل على ذلك أحداث العنف الأخيرة التي شهدها الجنوب التونسي.
الإصلاحات الهيكلية
من جهته اعتبر عضو المجلس الوطني التأسيسي عن حركة النهضة العجمي الوريمي، أن هذه الحكومة ليست حكومة وحدة وطنية وينقصها نوع من التمثيلية باعتبارها لم تضم كل الاحزاب السياسية، ولكنها رغم ذلك حازت على أغلبية داخل المجلس وعلى دعم أهم الاطراف السياسية الموجودة في داخله وحتى غير الموجودة، وهي حكومة ليس لها معارضة كاسحة لكنها معــارضة جدية وتتمثل في الجبهة الشعبية.
وأضاف النائب النهضوي قائلا: «هذه الحكومة هي أمام فرصة مهمة للنجاح ولكنها تعمل في ظل أوضاع صعبة للغاية وتحديات كبيرة ذات أبعاد محلية وإقليمية معقدة، وهو ما يتطلب منها منهجية تجعلها تتماسك خاصة مع الأوضاع المعقدة التي تمر بها البلاد. وأول اختبار اعترضها هو الملف الاجتماعي، وجميعنا يعلم مسبقا ان الملف الاجتماعي هو بمثابة القنبلة الموقوتة التي يمكن أن تنفجر في أية لحظة. لذلك إذا لم تتحل الحكومة بالحكمة وبعد النظر وبالقرب من الناس بجميع شرائحهم دون استثناء، وإذا لم تنصت الى مشاكلهم وتعالجها سريعا ستجد نفسها في وضعية العاجز عن الحلول الجذرية والاقناع.
وبالتالي يمكن من الآن أن يتراجع منسوب الثقة في الحكومة وستكون الكلفة السياسية باهظة على الحزب الأول الذي يتحمل مسؤولية تشكيل الحكومة. كما أن باقي شركاء الحكم ليسوا معفيين من المسؤولية لذلك لا بد من التعاون والتضامن ودعم الحكومة. ولا يمكن التعامل بالتأجيل مع معالجة بعض الملفات ولا بد من التحلي بالشجاعة في التناول وأن تكون الرؤية واضحة ويتم تشريك جميع الأطراف على غرار الاتحاد العام التونسي للشغل».
أما فيما يتعلق بملف الاعلام فيجيب محدثنا أنه يجب أن تكون للحكومة سياسة اتصالية ذكية حتى لا تكرر اخطاء الحكومات السابقة. لأن السياسات الاتصالية لحكومتي الترويكا لم تكن جيدة في رأيه. فعلى الحكومة بحسب العجمي الوريمي أن تنجز وأن تعلم الناس بما تنجز وأن تواجه الرأي العام بالحقيقة. ويضيف محدثنا «نحن لدينا ثقة في شعبنا بأنه إذا قدمت الحقيقة بنزاهة سيتفهم الاوضاع ويعطي فرصة ومهلة تبدو هذه الحكومة بحاجة أكيدة لها لكي تبدأ بالإصلاحات الهيكلية التي ينتظر ان تقوم بها خلال المائة يوم الأولى رغم أن البداية كـانت متعثرة في مواجهة الملف الاجتماعي».
ويختم المعارض السابق لنظام بن علي حديثه بالقول «إذا نجحت هذه الحكومة في السيطرة على الاسعار والتخفيف من الاعباء على المواطن وتحسين قدرته الشرائية فيمكنها أن تتجاوز هذه الازمة الظرفية، أما فيما يتعلق بالأزمة السياسية فلن يتم الخروج منها إلا بإجراء الإصلاحات الهيكلية الواردة في برنامج الحكومة وهو ما يتطلب جهودا ضخمة جدا لأن معارضي الإصلاحات لن يستسملوا ولن يرضخوا ولهم اكثر من أداة ووسيلة لمقاومة هذه الإصلاحات».
روعة قاسم