ناقة «البسوس» وبعير الفضائيات العربية… غياب التلفزيون الأردني وحضور «الموريتانية»

حسب الروايات، فإن «البسوس» بنت المنقذ أفلتت ناقتها قاصدة إشعال الفتنة بين جساس وابن عمه كُليب، فنجحت بعد مصرع ناقتها في مسعاها وأشتعلت الحرب لتدوم أربعين عاما ونيفا.
كلما انتبهت أكثر في نشرات أخبار وبرامج حوار بعض قنوات الفضاء العربي، تذكرت البسوس وناقتها المنفلتة عن عقالها قصدا وعمدا لغاية استفزاز كُليب وجساس.
بعض القنوات العربية فعلا ينفلت بعيرها عن عقاله بتعمد واضح لا هدف منه إلا إثارة الفتنة والنزاع كأنها تنفذ أجندة سياسية لا رسالة إعلامية، وربما كان منطلق تأسيس كثير من فضائيات العالم العربي أساسا قائم على أجندات سياسية، وإلا ما تفسير كل حروب البسوس تلك، وأي ناقات تم إفلاتها بين كليب وجساس.. المنتشرين على طول هذا الوطن وعرضه.

الأردني يبحث عن أخباره خارج فضائيته

لا يزال التلفزيون الأردني سيد الغائبين في الحدث الأردني خصوصا، حتى صار عاديا أن يبحث المواطن الأردني عن أخباره المحلية في قنوات إخبارية عربية وحسب الخبر وصلة القربى أو التشفي أو التعاطف مع الأردن، وهو البلد الذي يشبه رغيف الشعير في وسطه العربي، فهو مأكول ومذموم.
تعرض الأردن خلال الأسبوع الماضي لمجمل أحداث تشكل كل واحدة منها خبرا عاجلا يستدعي حوارات وضيوفا و محللين ممن اعتادت الفضائيات استدعاءهم ككتائب تدخل سريع على خلفية أي حدث، لكن التلفزيون الأردني كان كأنه يتمطى ويتثاءب معتزا برسالته الأزلية في تقديم ما تيسر من برامج وثائقية عن فوائد «الميرمية» أو سلسلة طويلة من أغاني الثمانينات، وفي أحسن الأحوال برامج حوارية شديدة الملل عن أضرار التدخين، تجعل غير المدخن يفكر بإشعال سيجارة.
لا شك أن تغطية التلفزيون كانت ضرورية في أحداث الفيضانات والسيول، التي أغرقت العاصمة الأردنية وذهب ضحيتها قتلى ومصابون وخسائر مادية جسيمة، لكن الملفت هو أن التلفزيون لم يقم بأي دور «صحافي استقصائي» في تلك العاصفة التي توزعت فيها الإتهامات، وتم ركل المسؤوليات في وسطها بين أطراف عدة مثل كرة، وهذا غير مستهجن من محطة مغرقة في طابعها الرسمي إلى هذا الحد، وربما كان مطلوبا إغراقها لتطفو على السطح المحدة المزمع إنشاؤها وهي رسمية أيضا، لكن بنكهة ليبرالية كما يحاول الأردن تصويرها.
باقي الأحداث التي عصفت بالأردن، على جسامتها، فمن الضروري أن لا نتوقع تدخلا إعلاميا من التلفزيون الأردني عليها، أو حتى على ضفافها البعيدة، فكان التقاط الأخبار حولها معتمدا على وكالات الأنباء الدولية والمواقع الإخبارية المستقلة.
لست بصدد النفخ في قربة التلفزيون الأردني «المخزوقة»، فهي حالة ميؤوس منها ومرهونة بتعقيدات أردنية داخلية عديدة، لكن على الأقل التذكير واجب بها، لعل في المحطة الأردنية الرسمية الجديدة ما يواسي أو يعوض عن كل هذا النقص الإعلامي.

فضائية اسمها «الموريتانية»

وبينما كنت في جولة على الفضائيات العربية، بعد عملية إعادة توليف محطات جديدة لم أعرفها قبلا، أسعدني جدا ان أجد الفضائية الموريتانية، خصوصا أن بلاد شنقيط كانت ولا زالت تشكل حالة غموض ساحر لي، ولا أعرف عنها إلا ما تيسر من قراءات تفيد أنها بلد الشعراء بالآلاف، وأنها صحراوية، أما ما تيسر من الأخبار فلا يفيد عنها إلا ما علق في الذاكرة عن رئيسها الجنرال العسكري، الذي انقلب على الرئيس السابق المنتخب، فاستولى على السلطة، ثم أجرى انتخابات «نزيهة جدا جدا جدا» ونجح فيها بالأغلبية الساحقة جدا جدا جدا.
ما علينا.. كل ما سبق يشكل مقدمة مهمة لفهم توقعاتي حال عثوري على فضائية موريتانيا، والتي استوقفتني وأنا احاول التقاط مفاتيح فهم ما أشاهده، والحسم بين أن يكون وثائقيا عن التراث الموريتاني او برنامجا عن الموسيقى أو أنها دعاية تصادف وجود المذيع فيها بالخطأ!
في المحصلة، وأثناء عملية التفكير تلك، ألم بي نعاس شديد جعلني أضع الفضائية الموريتانية في قائمة خاصة على جهاز الإستقبال عندي، خصصتها للقنوات التي تساعدني على النوم العميق في حالات الأرق، وبلا شك، ستبقى الفضائية السودانية على رأس القائمة، لما تملكه من قدرة مدهشة على بعث الخمول، خصوصا في برامج الحوار – أي حوار بأي موضوع- والتي يستغرق بعض الضيوف فيها أحيانا في النوم إلى أن يأتيهم الدور بسؤال من المذيع.. وهو المتحدث عادة اكثر من ضيوفه.

معرفة السياسات اللبنانية من فضائياته

الخريطة السياسية في لبنان، سهلة لمن يريد دراستها، وسبب سهولتها هو وسائل الإيضاح الفضائية، فكل ما يلزم أي باحث علوم سياسية مثلا، لفهم لبنان سياسيا، أن يحصل على قائمة القنوات اللبنانية وأصحابها من تيارات أو زعماء تيارات، ثم متابعة برامج الترفيه التي لن تخلو من سخرية هنا أو هناك تمس خصوما أيضا من هنا أو هناك… ومع بعض المتابعة الحثيثة يمكن لك أن تتفهم التحالفات، من خلال حجم السخرية والتهكم، فـ «المستقبل» مثلا، قد تتهكم أكثر من اللازم على وليد بيك جنبلاط وتياره التقدمي الإشتراكي، وهنا نفهم أن الشيخ سعد الحريري عاتب على وليد بيك، أو قد تقسو قناة «الجديد» على «جماعة 14 آذار» بعنف غير مسبوق، لتفهم أن الجنرال عون حانق على الشيخ سعد هذه المرة جدا.
قناة «أل بي سي»، الأكثر وضوحا في فقراتها التهكمية، والتي أحيانا تصبح رسائل سياسية واضحة لا لبس فيها إلا بهوية المرسل، التي قد تضيع بين حزب الكتائب أو السفارة السعودية في بيروت.. وسبحان من جمعهما في فضاء واحد!! لكن هذا لبنان.. الذي نحبه.

كاتب أردني يقيم في بروكسيل

مالك العثامنة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية