لم تنته بعد فصول الباروديا العالمية التي أثارها دونالد ترامب في ما أعلنه بعد دقائق من انتخابه رئيسا للولايات المتحدة. «أمريكا هي الأولى» قال منبّها الأمريكيين ومحذّرا سائر سكان الأرض. «أمريكا هي الأولى» قال مكرّرا، في تلك الجملة الواحدة. كان ذلك مفاجئا لجمهور السامعين الذي يعدّ بالملايين. لكن لم تدم الصدمة إلا دقيقة كان الجميع خلالها ينتظر ردّة فعل من أحد، على نحو ما يحدث في الدقيقة الفاصلة بين نهاية عمل مسرحي وانتظار صوت التصفيق الأول الذي سيأتي من مكان ما في الصالة. وبدلا من التصفيق، ضحك أحد ما هناك. لكن بدلا من الأفراد، كانت الدول من سيضحك هذه المرة.
البادئة كانت هولندا التي سلمت بالأولوية لأمريكا، لكن مطالبة بأن تكون هي الثانية. وقد تبعتها الدول جميعها بالمنافسة على هذا الموقع الثاني (باستثناء ناميبيا التي أصرّت على أن تكون في الموقع الأول). أما دول العالم الأخرى، وبينها سويسرا وألمانيا وفرنسا وإسبانيا والدنمارك وبولندا وأستراليا والنمسا وكرواتيا والبرتغال وروسيا والمغرب وتونس ومصر والهند والمكسيك وإيران و»العالم الإسلامي» (بما هو مجموعة دول وجماعات)، وكوكب المريخ المشترك وحده من خارج كوكب الأرض، فحصرت منافستها على المرتبة الثانية. آخر المتقدمين للانضمام إلى هذه المنافسة كانت إسرائيل التي انضمت إلى السباق، أواخر شهر آذار/مارس الفائت، متأخرة حوالى ثلاثة أشهر عن بدئه.
ما ينبغي على كل دولة تقديمه للاشتراك في المسابقة شريط فيديو تحكي فيه عما يميزها. وقد التزم الجميع، تقريبا، بمدّة الشريط وبتفاصيل أخرى من بينها، البدء بذلك الفاصل من خطاب ترامب الذي يقول فيه، أمريكا وحدها هي الأولى، ثم يعقب ذلك مرافقة المشاهِد المعروضة من البلد بصوت يحاكي صوت ترامب في نبرته وبحّته، وهذا ما وفّر أنواعا عدة من ذلك الصوت. أما التفاصيل الأخرى من مميّزات الدول فنُقلت بروحية الفكاهة ذاتها، حتى ليبدو أن هذه الأشرطة كلها تم صنعها على يد مخرج واحد، وفي شركة إنتاج واحدة.
أما ما جرى التركيز عليه، من كل بلد، فتركّز على الأولويات التي عدّدها ترامب لسياسة عهده. من هذه المهاجرون، والجدار الذي أعلن عن إقامته بين الولايات المتحدة والمكسيك. هولندا قالت إنها، بدلا من الجدار، «بنينا محيطا بيننا وبين المكسيك نجح في أن يحول دون وصول أي منهم إلى النذرلاند». إسرائيل أيضا قالت «نعرف كيف نبني جدارا، وهو مذهل، لم يتمكن مكسيكي واحد من اجتيازه»، وهي خاطبت ترامب، المقرّر من سيفوز من الدول: «دول أوروبية عديدة أرسلت إليك فيديو مثل هذا، لا تصدّقهم، إنهم أشرار».
هولندا قالت إنها تستحق المرتبة الثانية لأسباب عديدة بينها أن مؤسسها هو أمير البرتقال، مذكرة باللون المفضّل عند ترامب، وقالت إن لدينا أصغر منمنمات عن البيوت، وأصغر جياد، وإن بين وزرائها واحدة معوّقة «يمكن أن تعلّق عليها (يا ترامب) وتسخر منها كما تشاء». سويسرا ذكّرت بأنها أكثر الدول إبقاء على تخلّف النساء إذ ظلت لا تسمح لهن بالمشاركة في الانتخابات حتى عام 1977، بل حتى 1990. أما المغرب فقالت في الفيديو الخاص بها أنها كانت في تاريخها أهم دولة في تجارة العبيد، وأنها السباقة في دفع النساء إلى الاختفاء، وإن لديها سعد المجرّد الجريء، بل الوقح، إلى حدّ أن أمريكا نفسها لم تحتمله، وكذلك فرنسا المرشحة للمنصب الثاني.
أما إسرائيل فقالت إن لديها سياسيين صادقين في عدم إيمانهم بأي شيء يعلنونه، ثم قالت، شأن ما كانت سبقتها إلى ذلك هولندا، ان لديها بين سياسييها واحدا أعرج يمكن لترامب أن يتسلّى به. أما ألمانيا، فلكي تكون مفحمة للمتقدّمين من الدول فقالت إنها تتميّز بكونها خاضت حربين عالميتين في قرن واحد، وهما على الأرجح أهم حربين عالميتين في التاريخ كله.
هي الدول تسخر من نفسها مستفيدة مما جرى الإقرار به من أن لا سخرية أبلغ من تلك التي يتخّذ فيها الساخر من نفسه موضوعا. السخرية التي ستحقق أكثر الإصابات نجاحا حين يرضى قائلها بأن يضع نفسه كليا في مكان الآخر الذي يراقبه، بل قد توصّل كل من الفيديوات المشاركة إلى السخرية من حاضر العالم كلّه، على قدر ما اهتمت الدول بخصوصياتها التي أبرزتها لقطات الصور التي منها مثلا أن يقول فيديو المغرب «إن لدينا أفضل إسلام «الصوفي، عليك أن تجرّبه، ستحبّه»، وذلك بالترافق مع الصور التي تنقل بعضا من أكثر الممارسات العبادية غرابة.
هي فكاهة عالمية ربما شكّلت أوسع حملة على كل ما رفع العهد الأمريكي الجديد لواءه. لا لؤم هنا، ولا عنف، ولا تهديد أو وعيد بما قد يكون العالم مقبلا عليه. كأن هذا العالم قد أُخذ بالهزل، فبدا مسليّا ومريحا للعيش. دول أخرى، هي الدول الباقية، ستتقدّم بطلباتها لا بدّ، إذ أن من ستتخلّف منها عن المشاركة ستحرم من ذلك الاجتماع الأممي، وسيغفلها التاريخ حين يُذكر فيه عن تلك الحفلة الهائلة لرؤية العالم معادا تشكيله بنظرة أدبية أو سينمائية.
روائي لبناني
حسن داوود