القاهرة ـ «القدس العربي» من رانيا يوسف: في كتابها «الفلاحة في السينما المصرية» الصادر عن سلسلة كتاب اليوم ضمن إصدارات مؤسسة اخبار اليوم، ترى الكاتبة ناهد صلاح، أن رواية «زينب» التي كتبها محمد حسين هيكل وقدمها للسينما، كانت بداية لتحول صناعة السينما التي كانت تعــــرض موضوعات لا تتماس مع الواقع المحلي، فكان هذا الفــــيلم الذي تم اقتباسه من الرواية تحـــولا كبـــيرا جاء من واقع الحياة في الريف المصري، لكن المبالغة في تجميل الواقع قاد صناع العمل إلى تزييف الصورة، ما جعل الكثيرين يأخذون موقفاً من الفيلم.
ويشير الكتاب إلى أن الفيلم قدم رتوشا لحالة الحرمان والقسوة والفقر والجهل والإهمال، الذي يعاني منها المجتمع الريفي في مصر، لكنه لا يدخل إلى قلب الحياة الريفية أو يحللها.
شهدت فترة الخمسينيات تفاعلا كبيرا بين السينما وتجسيدها لصورة المرأة الريفية، يرصده الكتاب في فيلم «حسن ونعيمة»، خاصة أن هذه الحقبة شهدت حركة تمرد للمرأة ضد صورتها التقليدية. ويستدل الكتاب على هذا التحول بتغيير صورة المرأة في الأفلام التي قدمت ذلك الوقت، منها فيلم «الزوجة الثانية»، تغيرت فيه شخصية الفلاحة المغلوبة على أمرها إلى نموذج قادر على مواجهة تسلط الحاكم وظلمه، وفيلم «شيء من الخوف» حيث وقفت بطلة الفيلم فؤادة في وجه الجميع، ويؤكد الكتاب أن حضور شخصية الفلاحة في المشهد السينمائي المصري، يرتبط بشكل وثيق بدراسة السينما المصرية عبر تاريخها ومراحل تطورها وعلاقتها بصناعة السينما في العالم، وتطور فنون الأداء، خاصة أن بدايات السينما المصرية تشكلت علي يد نساء مثل عزيزة أمير وفاطمة رشدي وبهيجة حافظ وآسيا داغر.
بعض تجارب السينما المصرية حاولت الاقتراب من وضع المرأة لكنها لم تصحح الصورة، ويوضح الكتاب أن شخصية الفلاحة التي قدمتها السينما تتمتع بمواصفات خاصة ومتغيرة بين عمل وآخر، ففي فيلم «الزوجة الثانية» نشهد الصراع بين حاكم القــــرية بكل ما يمتلك من قوة ونفوذ وثروة وبين المرأة التي لا تملك شــــيئا سوى جمالها ودهائها، وقفت في وجه تلك القوة التي طوعتها بذكائها وقضت عليها.
أيضاً في فيلم «دعاء الكروان» المقتبس عن رواية الأديب طه حسين، التي حولها المخرج الراحل صلاح أبو سيف إلى أيقونة سينمائية رغم الانتقادات التي لاحقت شخصية البطلة هنادي، التي جسدتها الفنانة فاتن حمامة، الحوار الأدبي الذي كتبه طه حسين رددته فتاة بدوية لا يتجانس مع طبيعة البيئة التي جاءت منها.
ينتقل الكتاب إلى شخصية ريفية أخرى جسدها المخرج يوسف شاهين في فيلمه الشهير «الأرض»، هي شخصية وصيفة التي لعبت دورها نجوى إبراهيم، تصفها مؤلفة الكتاب بالصورة الغائمة للفلاحة، حيث يصعب الجزم أنها فلاحة مع أدائها لهجتها الفرنجية، وهو الوصف نفسه الذي أطلقه الكتاب علي شخصية الفلاحة التي قدمتها الفنانة داليدا في فيلم «اليوم السادس». لم يكن يوسف شاهين منشغلا بتفاصيل الشخصية النسائية بقدر اهتمامه بالشخصيات الأخرى، لم نجد النموذج الواقعي للفلاحة في أفلام شاهين، رغم أن أحد أهم أفلامه «الأرض» أصبح نموذجا للفيلم الذي يتناول صورة الريف المصري.
الحديث عن الصور التي قدمتها السينما لشخصية الفلاحة التي جاء معظمها هزيلا، لا يكتمل إلا بالحديث عن فيلم «النداهة» التي قدمتها الفنانة ماجدة عام 1975 الفتاة الريفية التي تتطلع للهجـــرة إلى المدينة، والتحرر من العزلة إلى الحـــياة المتحضـــرة، الحلم الذي دفـــعها إلى الزواج من شخص لا تعرفه لمجرد أنه يعمل في المدينة، وهو تطور شهدته السينما المصرية يواكب التغــيير الاجتمـــاعي الذي رافــــق هذه الفترة التي انفتــــح فيها المجتمع المصري اقتصادياً وسياسياً وثقافيـــاً على العالم، وبالتالي انتقل حلم هذا الانفتــــاح من المدينة إلى الريف، خاصة النساء اللاتي يعشن حياة منغلقة، فيلم «النداهـــــة» يعبر عن فــــترة تحول المجتمع الريــــفي خلال السبعينيات ما بين إقصائهم عن التطور الذي تشهده الحياة في المدينة، وطموحات أهل القرى لحياة أفضل وأكثر تحررا من الجهل والفقر، تجلى هذا المشهد في «النداهة»، من خلال شخصية فتحية التي تصاب بالدهشة بسبب التباين بين مفردات الحياة في القرية التي جاءت منها والمدينة التي تبهرها وتبتلعها بسلوكيات سكانها، تضيع فتحية في عتمة التقدم التكنولوجي والتحرر الثقافي والأخلاقي. ويختتم الكتاب بالتأكيد علي تهميش صورة الفلاحة في السينما، على الرغم من الحضور القوي لشخصيات المرأة العاملة والطالبة، خاصة في أدوار البطولة، ويربط هذا التهميش بواقع ينأى عن الاهتمام بالحديث عن الريف وقضاياه، ويشير إلى أن الدراما التلفزيونية خصصت مساحة أكثر اتساعا لأعمال قدمت فيها شخصية المرأة الريفية بشكل رئيسي، مثل مسلسل «الوتد» ومسلسل «لِسَّه بحلم بيوم».