«نايات العشق» للشاعر أمجد مجدوب رشيد: قراءة من منظور «ابن عربي» وفي رحاب تصوفه

حجم الخط
0

رأى البرق شرقياً فحن إلى الشرق
ولو لاح غربياً لحن إلى الغرب
فإن غرامي بالبُريق ولمحه
وليس بالأماكن والترب «
ابن عربي
لقد فاض هواه

ديوان «نايات العشق» للشاعر المغربي أمجد مجدوب رشيد هو الديوان الثاني بعد «وأظهرك على العشق كله»، صدر عن مطبعة أميمة 2014 وإنما قلنا من منظور ابن عربي لأن ابن عربي تكّون معرفياً، وثقافيا في الأندلس والمغرب؛ حيث أنه – كما هو معروف- ولد ونشأ في الأندلس ثم انتقل إلى المغرب مارّا بمدينة فاس، التي ترك على ترابها بركاته وكراماته فأنجبت أجلاء شفت من قرائحهم جروح الأمة خلال التاريخ العربي، ومنهم الصوفي أبو العباس السيد شيخ العرب أحمد البدوي القرشي الذي ولد في فاس سنة 596 هجرية.
ينحدر ابن عربي من قبيلة طي العربية التي اشتهر منها حاتم الطائي. وكان أبوه أحد العارفين الكبار بالفقة، والأحاديث النبوية.. تقيا، زاهداً، ورعاً .. عاصر الفيلسوف ابن رشد، وجالسه مجالسة الأصدقاء والعلماء، انتقل من مرسية مسقط رأسه إلى أشبيلية وهو في الثامنة وهناك تشرب بالعلوم الصوفية والدينية والفقهية؛ ثم طار في رحاب كونية لا أول لها ولا آخر.. مرّ في فاس لتكتمل روحه هناك.. فاس مدينة الشاعر أمجد ولعل روحيهما التقتا في زاوية ما من المدينة، ربما في زاوية القطب سيدي أحمد التيجاني، وربما في محراب جامع القرويين، وربما في أحد الجبال المحيطة «زلاغ» أو تغات هما روحان شفافتان التقتا وتعانقتا لتكتملا داخل الفيض الإلهي.
وإن كان الهوى قد فاض بابن عربي من هنا؛ فإن الأمر ينسحب على أمجد كأن للمكان أسلوباً خاصاً في انتقاء العشاق؛ فتتفجر القرائح وتموت الشهوات، ويسمو الإنسان إلى مصاف المجاذيب والعشاق، ومن هنا تبدأ الرؤية، من هذه الرقعة المولعة بالتصوف أورق العاشقان ابن عربي وأمجد المجذوب أرومة ومنبتاً واصلاً.
قدم الديوان أحمد مفدي بلغة راقية صافية انسجمت مع لغة الديوان، وبدا التقديم امتداداً إبداعياً نظرياً متوحداً مع التجربة، وأضم صوتي هنا إلى صوت أحمد مفدى حين قال: «خوفي عليك أن تلتبس المسالك وتنحطم المجاذف؛ فيأخذك انجذاب الأمواج..» ص3.
يبدأ أمجد نايات عشقه بفصل «هذا ما رأيت» بعد أن كان قد اختتم ديوانه الأول -»وأظهرك على العشق كله» 2004- بمقام التوحد في نص يقول في مطلعه:
لو أن الدخان توحد والشلال / أو أن بخار النجم/ عانق رائحة الورد/ لو أن بكاء يمتد /
لطفلة شاردة/ في متاه الملح/ فاجأه كف النبع البلوري/ وطناً لهواء أو حلم/ لو أني مثلاً أخلو بالأرض/ ألبس شمسي/ وأشم رائحة الرعد الأول وشذى الصلصال/ في يمين الله الأوحد» ص65.
إنه العبد المؤمن «ما وسعني أرضي ولا سمائي إنما وسعني قلب عبدي المؤمن»، يقول ابن عربي في كتابه كشف الستر لأهل السر؛ «فالعبد المؤمن هو القابل الكلي والكون الجامع الذي تظهر به الأسماء والصفات والأفعال والذات على ما هي عليه من الكمال؛ فيؤمن بقابليته الكلية المحيطة ويعطي الأمان لصور الذات والأسماء والصفات والأفعال» ص34.
أيكفيني أن أقول: احترقت؟/ وأنا ما انهيت/ هذا الغوص/ بل بدأت». ص98 من قصيدة «قلبي نورس». والآن بإمكان أمجد أن يروي على طريقته هو على النهج الذي اختطه لنفسه منذ الديوان الأول، وهو ما يبدو أن شاعرنا عازم عليه: «إنه الغوص الأبدي في الأعماق اللانهائية، أعماق الذات، أعماق ملكوت الأكوان: المرئي منها وغير المرئي .. أعماق الرؤيا والتخييل.. فأنت إذن شاعر البهاء، والانغماس في المحظور، فقد اخترت باشتهاء أن تصبح حارساً للأرق متصفحاً كتاب غرائب السبحة ، لعلك تلمس في إحدى حباتها سر القلق اللذيذ الذي يجتاحك في حنو» أحمد مفدى من مقدمة الديوان ص3.
وفي مكان آخر من مقدمة الديوان تجد كاتب التقديم عارفاً بأسرار التجربة ملماً بصورها الغامضة، والمبصرة.. مندهشاً بها مندفعاً إلى تيهها المكتمل؛ فدعا صاحبها إلى الكتابة قائلا: «أكتب أيها الشاعر: اكتب يا أمجد.. أكتب القصيدة فإنك مجذوبها ومنجذب إليها، لا يهمك أن تكون نثرية أو تفعيلة أو عمودية، فالقصيدة هي القصيدة: إيحاء وصور وشوشة النفس وذبذبة روحانية متمنعة كعذراء الخدر لا تسلم نفسها بسهولة» ص6.
بدا لي أمجد في خلوته مرتعشا يمارس طقوس المجذوب، يطعن روحه بسيف من نور لتنزف رؤى مضيئة سماها «نايات العشق.. أخشى على أمجد أن تصبح معاصرته حجابا فلا يرى أصدقاؤه قلائد النجوم التي تترى بين أصابعه :
«لاتكتب غير الشهقة/ اسفح روح بهاك/ الكون لك….» ص18
ويدرك المتابعون أن الرؤيا التي اتصل بها ابن عربي هي رؤيا رمزية ، تتصل بعلم الإشارة، والرمز عند ابن عربي كما قسمه المتابعون، ينقسم إلى: «الرمز الإنساني، والرمز الكوني، والرمز العددي ، والرمز الحرفي». (سعاد الحكيم) وهذه الرموز؛ أو الإشارات التي اتصل بها ابن عربي نجدها بشكل أو بآخر في ثنايا ديوان «نايات العشق».

الرمز الإنساني في «نايات العشق»

إن الارتماء في أحضان القصيدة العاشقة هو في الحقيقة ذروة الشجن الحضاري .. ذروة التوق إلى الكمال الإنساني. ومنذ حين انجذبت روح أمجد إلى ما يعانقها؛ ففي ديوانه الأول و»أظهرك على العشق كله»، الذي يمثل بيان عشقه إلى السماء يقول:
كيف إذا مرت كالفوح/ وتباهت كتوقد الصبح/ ودعتني: هيت لك../ كيف.. وما أقول؟/غير ترنم وارتماء وذهول/ هي القصيدة المثلى/ التي زلزلتني.. كيف أرسم على دمي ما أوحت به؟ أو أشرب أو أرحل؟/ إلى أين؟ / إلا هي لا أجد من سبيل ولا ماء/ولا ظل استوقف فيه ذاكرتي/ وأحصي ما تبقى مني/..كيف..؟ /كيف؟» (ص7 من ديوان وأظهرك على العشق كله).
إذا كان «الوله» عند ابن عربي هو «إفراط الوجد»، فإن من الدلالات التي تثيرها تجربة أمجد شغفه بالشعر وولهه به حتى لتظن – أحياناً- أن مجنوناً يقتفي أثر اللغة يقول في قصيدة والحدس يحاورني: الشعر كوخ بلا سقف/ تظلله النجمات/…./أترك للعابرين /دوماً / نوافذي مشرعة/ والحدس يحاورني « نايات العشق» ص34
كالطير هو الشاعر يأتي من أعالي الروح إلى أعالي الجسد ومن أعالي العشق إلى أعالي المحبة الإنسانية؛ فيستوي في منزلة بين المنزلتين إنها منزلة الرمز الإنساني هم الشعراء إذن حين يكتوون بالعشق الإلهي يسبحون في بحار بيضاء ويتشظون في قصائد العشق .. تراهم في الماء وتراهم في النار، ألم يقل أمجد على لسان جلال الدين الرومي «ونار العشق هي التي نشبت في الناي؟» فالعشق نار والناي ماء يطفئ لهيب الشوق.. يخرج أمجد إلى وحدته الصوفية مضمخاً بأمشاج التحول، وهو في تجربته تحولياً ينشد الجديد كما ينشد الإبداعي في التصوير والتشكيل واللغة، لذا فلغة أمجد فخمة ونستطيع أن نستشف من أول قصيدة في ديوان «نايات العشق» أن الشاعر يحيلنا إلى تجربته الأولى في ديوان «وأظهرك على العشق كله». لا يستطع أمجد الدخول إلى تجربته الجديدة قبل أن يذكرنا بأنه يشتغل داخل الوحدة الوجودية والوحدة الإبداعية – أيضاُ- يقول ابن عربي وهو شيخ العارفين «قال السالك ثم ارتقيت مع الرسول على أوضح سبيل؛ فأشرفت على البحر المسجور فتيسر كل عسير، ورأيت في لجة ذلك البحر المحيط سفينة العالم البسيط فنظرت في تحصيلها فقيل لي: حتى تقف على جملتها وتفصيلها هذه سفينة العارفين وعليها معراج الوارثين» من كتاب «الإسرا إلى المقام الأسرى» – ص71 هكذا تتكشف الأسرار لابن عربي كما تتكشف لأمجد أيضاً. يقول في قصيدة وشاح: يريق المساء /على درب حزني /وشاحاً /ويمسح دمعي /أرى في خطاه/ سلال المجاز/ هوادج تدنو /ويهزج /كون / وتسفر رؤيا « ص29
إن من اللمحات التي يتركها الشاعر كونه يعمل من أجل الإنسان وحريته، من أجل الإنسان والإجابة على أسئلته الكبرى إذ رأيناه يفتتح ديوانه الأول «وأظهرك على العشق كله» بمقام سماه مقام السؤال «المقام الذي افتتحه بمقولة لابن عربي يقول فيها «اللطيفة: كل إشارة دقيقة المعنى، تلوح في الفهم لا تسعها العبارة» ويبدو السؤال الشعري الإنساني الرمزي الوجودي المشروع يبدو هكذا: كيف أشعل للكلمة/أكثر من ظلين /ولمرآة المعنى /تيهاً /يتفتح» ص6 .
هو السؤال إذن يخضّب رؤوس الحكاية الإنسانية برمتها كما يخضب رؤوس القصائد:
كيف عبرت كاللحن الوارف /كالعبق الصداح /كفورة الصور/كالرياح في أعشاب المخيلة « ص9.. نعم إنه السؤال الذي يدور في رأس الإنسان ورأس ديوان «وأظهرك على العشق كله «ورؤوس القصائد: من يبذر في أحشاء الوقت هذا الوجع /حتى إذا ما اشتعلت أشواكه /في الروح/ توشح الوجه شرودا وانطلق؟ « ص12.
لا يبوح ابن عربي بأسراره لأنها علامات صنعها من أجله؛ فقط يرسل بريقا منها ويحتفظ بما تبقى لنفسه، وكل ما يفعله هو أنه ينثال رموزاً وإشارات يرى الأشياء فلا يقول لنا إنه رآها صراحة.. يقول رؤيته ولا يقول رؤياه، أما رؤيته فإنها لنا، وأما رؤياه فإنها له، وعلينا أن نشقى كي نصل إلى ما وصل إليه، وأما صاحبنا فقد وصل: تتبدد الأرض/ الإعصار يلملم شظايا /القلب يشهق بآخر نبضة /ويسيل كرمل ناعم /تاركاً آخر خيط دم /يسيل كالحرير،/ تتوحد الظلمة بالاعصار/ يغوصان في العدم» ص24.
وهنا يترك أمجد فضاءً للخيال.. إنه شوق الإنسان إلى رؤية ما لا يرى.. شوق الإنسان إلى الاكتمال والتوحد والفناء.. كفاحه وتشرنقه في أنفاق الغوص أكثر.. نعم في كل مرة يستسلم الإنسان للحلم، يحن إلى معانقة الحياة «العصية» كما يشير أمجد وسوف يستند إلى مجازه من أجل الوصول، وفي أتم التعبير عن حالة الوصول يقول «خذي بيد هذا المجنح الأعمى/بيد بركان حدوس…/تغلي وتقذف مواجعها/دليه على نافذة يطل منها/على حديقة / خلف المجرات « ص26. لقد جاء شاعرنا الأكبر إلى بستان التحول ليرينا رؤاه ليس من أجل عذاباته وأحزانه هو وحده، ولكن من أجل الانسان – أينما كان- يعلن ثورته.
وكما تضطرب أحوال العاشق تضطرب أحوال المعشوق، ها هو ديوان «نايات العشق» يأتي استكمالا للأسئلة التي فتحها الديوان الأول، إلا أن الشاعر في تجربته الجديدة يقدم أسئلته بقالب آخر.. أسئلة تتفوق في شكلها، ومضمونها على الأسئلة نفسها. أسئلة من الشجن إلى البوح، مرتبة جديدة تحولية في فصل العاشق. العاشق الذي سيتلو علينا فراديس الأسرار.. هلّموا يا أيها المريدين إلى بساتينه.. هلّموا إلى عوالم جديدة ولغة جديدة ومعرفة جديدة ها قد وصلنا إلى البستان وما علينا إلا أكل الثمار المتاحة.

كاتب من اليمن

محمد عبد الوكيل جازم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية