لقرية دابق القريبة من الحدود السورية ـ التركية، والواقعة على بعد 35 كيلومتراً إلى الشمال الشرقي لمدينة حلب، قيمة مميزة في الاستراتيجية الإعلامية لـ»الدولة الإسلامية». فهذه البلدة التي تُذكر عادة في التاريخ الإسلامي مقرونة بذكر المعركة التاريخية التي وقعت بين العثمانيين والممالك عـــام 1516، والتي فتحت الباب للعثمانيين للسيطرة على الـــبلاد العربـــية حتى خروجهم منها نهاية الحرب العـــالمية الأولــى (1914- 1918)، أصــبحــت اليوم الحلم الذي تطــــارده «الدولة الإســـلامية» وتروج له بين جنودها وأعدائها على حــــد سواء، لما له من تبعــــات آنية ومستقبلية على شرعية وجودها وصراعها مع العالم.
دخلت دابق إلى الإستراتيجية الإعلامية للدولة الإسلامية من نبؤة دينية مذكورة في أحد الأحاديت الصحيحة المنقولة عن النبي محمد هذا نصه: عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:«لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق – أو بدابِقَ – فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سُبُوا مِنَّا نقاتلْهم، فيقول المسلمون: لا والله، كيف نُخَلِّي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فينهزم ثُلُث ولا يتوب الله عليهم أبدا، ويُقتَل ثلثُهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، لا يُفتَنون أبدا، فيفتَتحِون قسطنطينية…) أخرجه مسلم. ومن اللافت هنا أن الحديث يربط بين عمليات أسر لرعايا أو جنود من «الروم» ومعركة دابق، ولهذا الأمر ميزة خاصة.
فأول من روج لمعركة دابق في الخطاب الجهادي العالمي هو أبو مصعب الزرقاوي؛ أمير جماعة التوحيد والجهاد، الأب المؤسس لتنظيم «الدولة الإسلامية» الحالي، إذ قال في أحد خطاباته:»وها هي الشرارة قد انقدحت في العراق، وسيتعاظم إوارها ـ بإذن الله ـ حتى تحرق جيوش الصليب في دابق». وهذه الجملة لم تكن لها قيمة كبيرة وقتها، كما لها اليوم. إذ عادت هذه الجملة مرة أخرى عند وقوع الخلاف في الرؤى بين القيادة التقليدية لتنظيم «القاعدة» والقيادة المحلية لفرع التنظيم في العراق ـ سابقاً ـ المتمثلة بتنظيم «الدولة الإسلامية».
فعندما حكم الدكتور أيمن الظواهري بضرورة انسحاب تنظيم الدولة من سوريا، وترك أمر القتال فيها لجبهة النصرة بقيادة أبو محمد الجولاني، وهو أحد الجنود السابقين لأمير تنظيم الدولة أبو بكر البغدادي ـ ورفض تنظيم الدولة لذلك، أراد التأكيد على أن مسألة دخوله إلى سوريا مسألة لها أصل في الخطاب الإستراتيجي لقادتها منذ البداية ـ أي منذ زمن أبي مصعب الزرقاوي، الذي ـ كما يبدو ـ كانت له النية للدخول إلى سوريا يوماً ما حتى يصل إلى دابق لتحقيق نبوءة النبي محمد عليه الصلاة السلام. وهذا ربما يفسر سبب تذليل مؤسسة (الفرقان) الإعلامية التابعة للتنظيم في معظم تسجيلاتها المصورة بمشهد متكرر يظهر فيه صورة مقاتل يحمل راية التنظيم ـ راية العقاب ـ يغرزها على تلة يعتقد أنها في دابق، برفقة صوت أبي مصعب الزرقاوي وهو يشير إلى معركة دابق.
من ناحية أخرى أشارت بعض الصحف الغربية ومنها صحيفة «التايمز» البريطانية، إلى أن التسجيلات الدعائية التي يبثها التنظيم والتي تظهر فيها إعدامات لأسرى غربيين، جرى تصوير معظمها بالقرب من قرية دابق، كما أشار إلى ذلك صراحة المقاتل الغربي المشهور بلكنته البريطانية، المتوشح بالسواد والمنفذ لعمليات ذبح الأسرى الغربيين في أحد تسجيلاته. فإن صدقت هذه الأنباء فهذا يعني أن التنظيم يحاول جر الأنظمة الغربية إلى معركة دابق جراً، وبطريقة مقصودة ومدروسة. فالحديث يشير بوضوح إلى أن سبب قدوم «الروم» إلى دابق هو رغبتهم بالقضاء على من «سبوا» منهم، أي أسروا منهم. وإجراء تنظيم الدولة لعمليات قتل الأسرى الغربيين وغيرهم في دابق، يأتي ـ كما يبدو ـ لجر تلك الدول للمعركة الحاسمة بين الطرفين في دابق.
يبقى السؤال هنا لماذا يولي التنظيم أهمية كبيرة لنبوءة دينية قد لا تتحق في هذا العصر؟ فلا ضمان بأن هذه النبوءة ستتحقق على يد تنظيم الدولة؟ الجواب أن تنظيم الدولة يبحث عن الشرعية بأي ثمن. فإذا تمكن التنظيم بالفعل من جر الدول الغربية إلى معركة برية في دابق وانتصر فيها، عندها سيحوز شرعية تمنحه أحقية قيادة العالم الإسلامي، هذا بالإضافة إلى أنه سيكسب تعاطف ونصرة أعداد كبيرة من الناس في العالمين العربي والإسلامي، لم يحسموا أمرهم بعد بخصوص الخلافة، ما يمكنه من السيطرة على المزيد من البلدان. علماً بأن مسألة اكتساب الشرعية من المسائل المعروفة في التاريخ العسكري الإسلامي؛ فقد منح انتصار المماليك على المغول في معركة عين جالوت عام 1260 شرعية لهم قادوا بها العالم الإسلامي. كما منح فتح السلطان العثماني محمد الفاتح للقسطنطينية عام 1453 شرعية لقيادة العالم الإسلامي، وينطبق هذا الأمر على صلاح الدين الأيوبي وغيره من القادة. وربما هذا ما قصده المنسق الأمريكي للتحالف الدولي الجنرال جون آلن بقوله:»لن يهزم (تنظيم الدولة) حقاً إلا عندما يتم إسقاط شرعية رسالته الموجهة إلى الشباب الذين لديهم نقاط ضعف».
إذاً يمكن القول بأن نبؤة معركة دابق تلعب دوراً محورياً في الإستراتيجية الإعلامية لتنظيم «الدولة الإسلامية» من عدة أوجه:
أولاً: يريد تنظيم الدولة التأكيد في معرض خلافه مع القيادة التقليدية لتنظيم «القاعدة» بأن مسألة تفرده بالقتال والقيادة في سوريا أمر محسوم لصالحه منذ البداية، وهو أمر لن تتنازل عنه قيادة التنظيم البتة.
ثانياً: يسعى التنظيم من خلال الترويج لمعركة دابق لاستقطاب أكبر عدد من المقاتلين إلى صفوفه، من حيث أنهم متى شاركوا في هذه المعركة، فإنهم سيكنون ممن قصدهم الرسول بنبوءته، وهذه مكانة دونها الرقاب.
ثالثاً: التنظيم يرغب بشدة بأن تركز وسائل الإعلام العالمية على مسألة دابق، ولهذا السبب ينحر أسراه فيها. حتى يرتبط نحر الأسرى بدابق فينطبق عليها نص الحديث الشريف، فيستدرج تنظيم الدولة العالم الغربي لمعركته الحاسمة.
رابعاً: التنظيم يعي جيداً أنه لن يحظى بشعبية عريضة في العالم الإسلامي، ولن يعترف الكثيرون بخلافته للمسلمين، إلا باكتساب الشرعية التي تمكنه من ذلك. ولن يجد التنظيم أفضل من ربط نبوءة النبي بالانتصار في معركة دابق كشرعية له. كما حدث للسلطان العثماني محمد الفاتح من قبل بعد فتحه القسطنطينية.
خامساً: نستخلص من التسجيلات التي ينشرها التنظيم بأنه سيسعى حثيثاً إلى أسر المزيد من الغربيين مهما كانوا ليذبحهم في دابق، فهذه هي الطريقة الفعالة الوحيدة التي تمكنه من استفزاز العالم الغربي وجره لمعركة دابق.
فهل سيقع العالم الغربي في فخ دابق، كما وقع سابقاً في فخي أفغانستان والعراق؟
٭ كاتب فلسطيني
د. فايز شاهين