في ايلول 2000 التقيت مع البابا جون بول الثاني في الفاتيكان في نقاش بأربع عيون. وقبل ذلك ببضعة اشهر زار البلاد، واثناء نقاشنا تحدثنا عن انطباعه. في مرحلة ما قام بتقريب كرسيه مني وسألني: «كيف حدث أن خسر بيريز في الانتخابات الرئاسية لصالح قصاب؟ فهو شخصية هامة جدا ومحبوبة. ولا أحد يعرف الرئيس المنتخب». وقلت له إنه لا يوجد نبي في بلاده. وهو ضحك.
بعد ذلك فكرت بيني وبين نفسي بأن الجواب لم يكن دقيقا. واليوم يمكنني القول إن بيريز كان نبيا في بلاده ايضا. حتى 1977 كان نجما في حزب العمل، وحصل على تأييد اليمين ـ وسط بسبب صقريته كرئيس لحزب العمل. وفقد تأييد الوسط ـ يمين وتأييد اليسار له لم يكن كافيا. كرئيس عاد وحظي بالمجد والتأييد الواسع بشكل مشابه عندما كان شابا مع هدف علمي. وايمان عميق بصدق طريق إسرائيل الفتية والصغيرة.
لقد أحبه العالم لأنه ترك انطباع على من يحدثه بمعارفه الكبيرة، وتحليلاته العقلانية وحس الدعابة لديه. ولم تكن له مواقف سطحية حتى لما كان يصل إلى القمة. خصوصا لأنه فهم أن السلام هو جزء اساسي في ضمان أمن إسرائيل. وخطا خطوات شجاعة من اجل تحقيق ذلك. وقد عرف ايضا الكثيرين والجيدين في العالم خلال عشرات السنين. وكلما بقي في الساحة السياسية كلما تحول اسمه إلى اسطورة، ليس فقط بسبب مواظبته السياسية.
أذكر حادثة حدثت عندما أفل نجمه. وكان ذلك في الايام التي خسر فيها بشكل فجائي لصالح موشيه قصاب. وعاد إلى منصب في وزارة تطوير النقب والجليل. وسافر إلى الولايات المتحدة وطلب مشاهدة عرض في برودوي. وعندما وصل إلى القاعة بدأ التصفيق الحار ووقف الجمهور على أرجله.
لم يفهم ماذا يحدث، واعتقد للحظة أن هذه كانت من اجل الممثلين قبل بدء العرض. ومرت ثوان طويلة حتى فهم أن الجمهور قد وقف من أجله.
لكن بيريز كان ايضا نبيا في بلاده. عندما تحدث عن «سيارة لكل عامل» استخف الجمهور به، واعتبره حالما. الفكرة التي أيدها فيما يتعلق بالدمج بين مصلحة فرنسا وبريطانيا مع إسرائيل من اجل احتلال شبه جزيرة سيناء كانت فكرة غريبة، لكنه نجح في اقناع كل من له صلة بالامر (بما في ذلك بن غوريون الذي امتنع عن ذلك في البداية). وقد كانت حرب سيناء بالنسبة لإسرائيل هي قصة نجاح منحتها عشر سنوات من الهدوء. لقد كان بيريز نبي السلام مع الاردن، وعرف قبل غيره بكثير اهمية الاختراعات العلمية مثل السيارة الكهربائية أو النانو تكنولوجيا، وعمل على تشجيع ذلك.
كان بيريز هو رجل العالم، والكثيرين في العالم أرادوا اعتباره القائد الإسرائيلي الذي يعمل من اجل السلام الاقليمي، لكن هذا لم ينطبق على الدول العربية.
أحد الامثلة على ذلك هو تصرف الرئيس المصري انور السادات خلال انتخابات 1981 في إسرائيل. التقى السادات وبيغن عشية الانتخابات، ونظرا لأنه كان محظورا الحديث عن المرشحين في البرامج التلفزيونية، فقد استخدم الليكود المادة المصورة في أفلام دعايته الانتخابية. وقد اعتقدت بسذاجة أن السادات لم يكن يدرك ما يحدث في السياسة الإسرائيلية، ولم يكن عندي شك أنه يفضل بيريز على بيغن، وأنه لم يكن يفهم أنه يخدم بيغن، عندما يكون جالسا أمامه في شرم الشيخ ويجري حوار الاصدقاء.
وبعد وقت تحدثت مع من كان لسنوات طويلة وزير الدولة للشؤون الخارجية، البروفيسور بطرس بطرس غالي. وسألته ما الذي حدث في الطرف المصري اثناء الانتخابات في العام 1981. وقال لي إنه حدث نقاش في القاهرة حول تفضيل رئيس الحكومة هذا أو ذاك. وتوصل السادات إلى استنتاج أنه يفضل بيغن. لأن بيغن يلتزم بشكل شخصي بالاتفاق مع مصر. واذا تم انتخاب بيريز فإن الليكود قد يفشل خطواته ويتهمه بالخيانة. وشارك في فيلم الدعاية لليكود، ليس بسبب سذاجته، بل من منطلق فهمه الكامل للوضع.
وتكرر هذا الامر 1996. المقربون من الملك حسين قالوا لنا بعد بضع سنوات إن الملك الاردني توصل إلى استنتاج بأن نتنياهو افضل، لذلك فقد رغب في فوزه. رغم أن الاعتقاد كان أن من الافضل حسب رأيه التوصل إلى اتفاق مع زعيم من حزب العمل. الادعاء بأن الجهات الخارجية المختلفة فضلت بيريز على اليمين دائما، مخطيء. وحسب كل الاشارات فان الملك حسين فضل نتنياهو على بيريز. لأن نتنياهو غير معني بقيام دولة فلسطينية. وبالتالي هو سيمنع ذلك.
يتبين أن الصيغة كانت اكثر تعقيدا: ادعاءات بيريز منذ العام 1977 كانت اقرب كثيرا للدول العربية. لذلك، شعرت هذه الدول بقربها من بيريز. وفي المقابل لم يفضله قادة المنطقة بشكل تلقائي. وتبين عند الضرورة أن قائد اليمين بالنسبة اليهم أفضل من قادة الوسط واليسار. والتأييد الدولي لم يترجم دائما إلى السياسة العملية.
إسرائيل اليوم 2/10/2016