لندن ـ «القدس العربي» ـ أنور القاسم: أحدثت نتائج الانتخابات البريطانية زلزالا سياسيا، لم يتوقعه أحد، فبدل أن تكتسح رئيسة الوزراء تيريزا ماي عبر حزبها المحافظين البرلمان بأغلبية مريحة تسمح لها بخروج، قد يكون قاسيا من الاتحاد الأوروبي، وتغيير بعض القوانين، وتشديد سياسية التقشف الحكومية، خسرت كل ما راهنت عليه تماما، بل هشمت شعبيتها، التي كانت مضمونة قبل الانتخابات. وفقد حزبها معاقل تاريخية مثل منطقة كانتربري، التي تدين للمحافظين طوال تسعة وتسعين عاما، وهي مقر رأس الكنيسة البريطانية، إضافة إلى مراكز محافظة تاريخيا وهذه المناطق ذهبت لحزب العمال، الذي كان قبل شهرين نمرا جريحا ضعيفا وعاجزا عن الدفاع حتى عن نفسه نتيجة انقسامه وخلافات أركانه على زعامة رئيسه جيرمي كوربن.
نظرة سريعة على الرابح والخاسر تظهر أن الفائز الأكبر فيها هو كوربن شخصيا، والذي استطاع أن يختط طريقا جديدا لحزبه العمال ويعود به إلى قواعده التاريخية، بعد أن حوله توني بلير إلى شبيه كربوني لحزب المحافظين.
برز زعيم حزب العمال جيريمي كوربن فائزا أكبر في الانتخابات التشريعية وطرح الزعيم العمالي البالغ من العمر 68 عاما برنامجا يساريا تماما، وخاض حملة انتخابية شديدة الحماسة، وظف لها كل مهاراته السياسية، في حين كان أداء منافسته تيريزا ماي مخيبا للآمال.
ومع فوزه بـ29 مقعدا إضافيا بحسب النتائج النهائية ليصبح رصيده 261 مقعدا، فإن حزبه، الذي حل في المرتبة الثانية بعد الحزب المحافظ، حقق اختراقا لم يكن العديدون يعتبرونه ممكنا، فيما قضى المحافظون والانفصاليون الاسكتلنديون ليلة صعبة. ولعل ما أثلج صدور البريطانيين، هو تراجع شعبية الحزب القومي الاسكوتلندي، الذي خسر 19 مقعدا ليصبح رصيده 35 مقعدا، وهو الحزب الذي يطالب بانفصال اسكوتلندا عن المملكة المتحدة ويشكل كابوسا لوحدة البلاد. أما المفاجأة الاخرى فهي خسارة حزب استقلال المملكة اليميني المتشدد مقعده الوحيد في الــبــرلمام وبالتالي قاعدته الشعبية.
المحافظون كانوا بحاجة إلى 326 مقعدا كي يضمنوا الأغلبية البرلمانية مجددا، من إجمالي 650 دائرة، لم يتمكنوا من تحقيق هذا الهدف، ولم يكن أي حزب آخر على استعداد للتحالف معهم، مما يعني خسارة مزدوجة، لكن استطاعوا عبر مفاوضات ماراثونية ليلية مع حزب الديمقراطيين الاتحاديين، الذي ينتمي لأيرلندا الشمالية، أن يقنعوه بالتحالف معهم، ولديه فقط عشرة مقاعد في البرلمان لتشكيل حكومة أقلية كي يتمكنوا من الاستمرار في الحكم.
وحتى هذه الأغلبية لدى المحافظين في المقاعد كانت بشق الأنفس، خاصة أن عشرات الدوائر كانت النسب فيها بين الحزبين الرئيسيين متقاربة جدا، مما يعكس انقساما واضحا ما زال متجذرا لدى البريطانيين، خاصة بالنسبة لمسألة الخروج من أوروبا.
وشددت ماي على أن من حق حزب المحافظين – الذي تنتمي إليه – أن يحكم، بالرغم من أن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات أقل بثمانية مقاعد من الحد الأدنى للأغلبية.
وتصدر الأمن الحملات الانتخابية في بريطانيا في ظل دعوة قادة الأحزاب إلى اتخاذ إجراءات لمعالجة التطرف بعد هجمات «وستمنستر» و«مانشستر» و «لندن بريدج».
وشددت رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، على أهمية توفر القيادة، حاثة شركات التكنولوجيا على القيام بالمزيد من أجل معالجة الدعاية المتطرفة.
لكن زعماء أحزاب معارضة وهي حزب العمال وحزب الأحرار الديمقراطيين وحزب الاستقلال اليميني انتقدوا سجل ماي بخصوص الاقتطاعات التي أثرت على عمل الشرطة.
وقالت رئيسة وزراء بريطانيا، تيريزا ماي، إنها ستغير قوانين حقوق الإنسان إذا كانت «تعترض طريق» التعامل مع المشتبه في كونهم إرهابيين.
وأضافت أنها ستسهل عملية ترحيل الإرهابيين الأجانب المشتبه بهم و «تقيد حرية وتحركات» أولئك الذين يشكلون تهديدا. وأطلقت عبارتها «لقد طفح الكيل»، مضيفة أن «الأشياء يجب أن تتغير» في مجال مكافحة الإرهاب.
وشددت على أنها تهدف إلى أن تكون هناك أحكام بالسجن أطول على أولئك الذين يرتكبون أعمالا إرهابية. وأوضحت أنها تعتزم أن تجعل «الأمر أيسر للسلطات لترحيل المشتبه في كونهم إرهابيين أجانب إلى بلدانهم الأصلية».
وأكملت «وأنوي فعل الكثير لتقييد حرية وتحركات المشتبه بكونهم إرهابيين عندما تتوفر لدينا أدلة كافية لمعرفة أنهم يشكلون تهديدا، وإن لم تكن كافية لتقديمهم إلى محاكمة كاملة».
وشددت على القول: «وإذا كانت قوانين حقوق الإنسان تعترض طريق فعل ذلك، سنغير القانون كي نتمكن من انجاز ذلك».
وقالت مصادر من حزب المحافظين إنهم لن ينسحبون من المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان ولكنهم سيبحثون عن انسحابات جزئية يسمونها «استثناءات» من جوانب محددة.
واتهم تيم فارون، زعيم حزب الديمقراطيين الليبراليين، رئيسة الوزراء بإطلاق «سباق أسلحة نووية» في مجال قوانين الإرهاب.
وقال «كل ما ستفعله هو تقليل الحريات لا الإرهاب».
فيما قال زعيم حزب العمال، جيريمي كوربن، إن «الرد الصحيح على الهجمات الأخيرة هو وقف التخفيضات التي أجراها المحافظون وتوفير المزيد من التمويل للشرطة والأجهزة الأمنية لحماية قيمنا الديمقراطية، ومن بينها قانون حقوق الإنسان».
لكن السؤال المطروح هل تستطيع حكومة المحافظين، التي لا تحظى بالأغلبية، أن تخوض في أمواج الخروج من أوروبا ومعالجة تردي الوضع الاقتصادي والتعاطي مع مطالب اسكوتلندا بالخروج من المملكة المتحدة، اضافة إلى قضايا اجتماعية وصحية وأمنية كبرى يجب أن تتعامل معها بكل حزم وجهد، وهل ستصمد رئيسة الوزراء في منصبها؟ كل ذلك ستجيب عليه الأيام المقبلة.