نتنياهو رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية؟

حجم الخط
1

■ إصرار رئيس وزراء حكومة الاحتلال الإسرائيلي على تجاوز رأس الهرم في الولايات المتحدة الأمريكية، ومخاطبة الكونغرس الأمريكي خلال زيارته المقبلة لأمريكا، رغم اعتراض بعض أركان اللوبي اليهودي عليها، وخروج الرئيس الأمريكي عن صمته والحديث صراحة عن خلافات محورية مع نتنياهو، إنما يعكس روحا مستميتة لدى الأخير للاستعراض الإعلامي قبيل الانتخابات الإسرائيلية، ومواجهة نوعية للحرب الطاحنة التي يقودها خصومه في المعسكرات الصهيونية المختلفة، التي وصلت، كما العادة، إلى أهل بيته ومغامراتهم.
ورغم الحديث الخفي الذي قاده بعض أركان إدارة أوباما مع نتنياهو مباشرة لثنيه عن هذه الخطوة، إلا أن الأخير لم يقبل بكل المساعي الجادة لوقف هذا النهم الاستعراضي. فبالنسبة لـ»بي بي» كما يحلو لمؤازريه أن يسموه، فإن إطلالته على منصة الكونغرس ستحظى بأقصى تغطية إعلامية في العالم، ليس فقط عبر النقل الحي للخطاب على شاشات الفضائيات الأمريكية في نسختها المحلية ونسخها الدولية، ولا عبر الإعلام المكتوب والمسموع فحسب، بل أيضا عبر وسائل التواصل الاجتماعي على اختلافها، بصورة تجعل من نتنياهو المأزوم نجما تلفزيونا وإمبراطورا إعلاميا، ولو لأيام بسيطة، يدعمه في ذلك التصفيق المعتاد لأعضاء الكونغرس الأمريكي بطريقة قال عنها بعض المحللين في الماضي بأنها مبتذلة ولا تعكس ما في النفوس، بل تخضع لتخوفات هؤلاء الأعضاء من عقاب اللوبي اليهودي، إن هم قصروا في الإطراء والترحاب.
ونتنياهو الغارق في مطاحن السياسة لن يفصح عن نواياه الانتخابية ومطامحه الشخصية في ضرب خصومه الانتخابيين في الصميم من خلال هذا الاستعراض، لذا فإن ملف الأمن سيكون الغلاف الأسهل لتبرير إصراره على الخطاب، خاصة مع اجتماع أوباما الأخير وحليفته ميركل على توقيع اتفاق جديد مع إيران، ومعارضة نتنياهو له ورغبته في إسقاط أي مصادقة من قبل الكونغرس لاتفاق كهذا. كما أن ملف التطرف الديني سيشكل حجة إضافية للخطاب، وسيكون حاضرا في خطاب نتنياهو المرتقب ليتغنى هو بإسرائيل كواحة للاستقرار وسط محيط هائج من الفصول التي بدأت بالربيع ووصلت إلى البراكين والزلازل السياسية في دول المحيط، وما هو أبعد من المحيط. لكن نتنياهو لن يفرط بالحديث عن التطرف، كما يقول البعض، خاصة لتقارير كثيرة زعمت بكون إسرائيل توفر الدعم اللوجستي والصحي للمتشددين الدينيين في عالم ما سمي بالربيع العربي.
وأمام اقتراب لحظة الوقوف على منصة الكونغرس تتصاعد الأصوات المعارضة لهذه الخطوة لعدة اعتبارات، لا ينطلق كلها من منطلق الخوف على المس بسيادة أمريكا وهيبة رئيسها وانخداش العلاقة العضوية التي تربطها بإسرائيل، وإنما من منطلق سعي الخصوم تحديدا لمنع نتنياهو من هذه الفرصة التي لن يحظى بها أي منهم ربما طيلة حياته السياسية المقبلة.
نتنياهو طبعا لم يترك الأمور تنفجر، فرغم كل التحفظات التي ساقها خصومهم وحلفاؤهم في واشنطن ولوبيات ضغطهم ورسائل الناصحين ضد هذا الخطاب، إذ لجأ مؤخرا إلى محاولة ترطيب الأجواء مع أوباما، بالزعم بأن التطابق الكامل في المواقف بين أمريكا وإسرائيل لم يكن دائما سيد الموقف. فإعلان قيام دولة إسرائيل نهاية الأربعينات من القرن الماضي حسب نتنياهو، وحروب أعوام 1967 و1973 واجتياح الضفة عام 2002 وتدمير المفاعل النووي العراقي وغيرها الكثير كلها حدثت واستمرت رغم تحفظ الإدارة الأمريكية آنذاك عليها، مؤكدا على أن الجفاء والاختلاف غالبا ما يتحول إلى عامل مفيد يزيد من تمتين أواصر الصداقة! نتنياهو المغرور والمعتد بذاته أراد إذن أن يقول بأن خطابه المقبل لن يكون إلا إضافة لمحطات تاريخية سابقة. وبذلك فإن إعلان قيام إسرائيل وحروبها ومغامراتها توازي حسب امبراطور تل أبيب وقوفه الذهبي أمام الكونغرس.
إذن رئيس حكومة الاحتلال وحتى كتابة هذه الكلمات مصمم على إهانة أوباما ومقارعته في عقر داره، ومصر أيضا على ضرب نصائح زملائه عرض الحائط وهو لا يكترث لأي تبعات سياسية أو دبلوماسية أو حتى معنوية لموقفه هذا. وعليه فإنه وبدون شك يسعى وحسب بعض المحللين إلى أن يثبت ما قاله محللون وخصوم ومستاؤون كثر من أمريكا وفي عدة محطات بأن إسرائيل هي من يحكم أمريكا وليس العكس، وأنه – أي نتنياهو- هو الرئيس الفعلي للولايات المتحدة الأمريكية، وبذلك يذهب إلى ما ذهب إليه شارون ذات يوم ونصح بعدم الإفصاح عنه مرة أخرى، بأن دولته هي من تحكم أمريكا.
السؤال البسيط: ماذا لو تبادل أوباما ونتنياهو الأدوار وقرر الأول أن يفرض ذاته على الأخير عنوة ويأتي ليخاطب الكنيست؟..لله بالفعل في خلقه شؤون!

كاتب فلسطيني

د. صبري صيدم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية