موسكو ـ «القدس العربي»: جاءت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة الأمريكية في فترة صعبة من تفاقم المواجهة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ففي الوقت الذي أجرى خلاله نتنياهو محادثات مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما، نفذت الطائرات الإسرائيلية غارة جوية على قطاع غزة ردا على هجوم صاروخي دوري من قبل مسلحين فلسطينيين، وغدت النتيجة الرئيسية للاجتماع في البيت الأبيض هي التوافق على تسريع المفاوضات بخصوص توقيع اتفاق أمني طويل الأجل وتقديم مساعدات عسكرية أمريكية لإسرائيل خلال مدة عشرة أعوام بمبلغ 50 مليار دولار أمريكي.
أزمة في العلاقات
لقاء بنيامين نتنياهو مع الرئيس الأمريكي باراك اوباما في 9 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي يعتبر الأول خلال الثلاثة عشر شهرا الأخيرة ومنذ لحظة عقد اتفاق في فيينا بتاريخ 14 تموز/يوليو بين الأعضاء الدائمين الخمسة في مجلس الأمن الدولي وألمانيا من جهة وبين إيران من جهة أخرى بخصوص برنامجها النووي. اعترضت إسرائيل منذ البداية على هذا الاتفاق، بل ان نتنياهو دعاه ﺒ «الخطأ التاريخي».
يعتبر فلاديمير أحمدوف، أحد كبار الباحثين في مركز بحوث المشاكل العامة للشرق المعاصر في «معهد الدراسات الشرقية» التابع لأكاديمية العلوم الروسية أن: «عدم الثقة من جانب إسرائيل بخصوص سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط قد تعزز، خاصة بعد التقارب الأمريكي مع إيران التي تعتبرها إسرائيل خصمها الرئيسي. من ناحية أخرى بدت إسرائيل في موقف صعب للغاية: هناك الفشل في حل الصراع العربي الإسرائيلي المزمن وزيادة نشاط الجانب الفلسطيني على الصعيد السياسي من أجل الحصول على الاعتراف الدولي. ومن وجهة النــظر هــذه، فان الكيـــفــية التي سيتصرف بها الأمريكيون ـ سؤال كبير بالنسبة لإسرائيل».
غدا الظهور السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي في العاصمة الأمريكية الأكثر إثارة للجدل في تاريخ العلاقات الثنائية. لقد وجّه نتنياهو في آذار/مارس، على الرغم من معارضة البيت الأبيض، أمام الكونغرس الأمريكي بناء على دعوة من المعارضة الجمهورية، انتقادات حادة للاتفاق مع إيران، مثيرا امتعاضا مكشوفا من قبل إدارة أوباما. ان أكثر من نصف مواطني إسرائيل، وفقا لأحدث استطلاعات الرأي العام التي أجريت فيها، لا يثقون بالرئيس الأمريكي، وذلك لأن لأوباما صورة السياسي المتعاطف للغاية مع الدول العربية، وما زال العديد من الإسرائيليين يتذكرون «خطابه في القاهرة» في حزيران/يونيو من العام 2009 . يرى رئيس معهد الشرق الأوسط يفغيني ساتانوفسكي أن «هناك مشكلة في العلاقات بين نتنياهو وأوباما. لقد ساءت علاقاتهما الشخصية، ولم تسء العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة، ان علاقات نتنياهو مع الرئيس الروسي أكثر دفئا وتحدث بينهما لقاءات أكثر، بيد أن الولايات المتحدة بحاجة لإسرائيل، مثلما إسرائيل بحاجة للولايات المتحدة، هذا تعاون متبادل المنفعة، ولدى الأمريكيين منفعة خاصة بهم. ان هذا هام بالنسبة لهم مثلما هو هام بالنسبة لإسرائيل».
«شكرا لأمريكا وشكرا للرئيس أوباما»
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي كان يتحدث يوم الثلاثاء 11 تشرين الثاني/نوفمبر في الجمعية العامة ليهود أمريكا الشمالية أنه «بغض النظر عن حجم الخلافات بين إسرائيل والولايات المتحدة، فليس لإسرائيل صديق أفضل من أمريكا ولا يوجد لأمريكا صديق أفضل من إسرائيل». وأكد باراك أوباما من جهته عند افتتاح المفاوضات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه يتوقع أن تبدأ المفاوضات بشأن حزمة جديدة من المساعدات العسكرية لإسرائيل لمدة عشر سنوات. ان الغرض الرئيسي من الزيارة – تسريع المفاوضات بشأن اتفاق أمريكي إسرائيلي جديد في مجال الأمن يتضمن توريد أحدث المقاتلات لإسرائيل والمعدات اللازمة لأنظمة الدفاع الصاروخي وغيرها من الأسلحة الأخرى بمبلغ 50 مليار دولار أمريكي. ينتهي الاتفاق الحالي في العام 2017: تحصل الدولة اليهودية، وفقا له، كل عام على مساعدات عسكرية أمريكية بمبلغ 2 مليار دولار أمريكي . لقد حقق وفد نتنياهو في هذه القضية، التي هي بالتأكيد الأساسية للرحلة، نجاحا ـ إذ تم الإعلان عن تمديد العقد. لم تكن ابتسامات اوباما ونتنياهو خلال لقائهما الثنائي على الاطلاق دليلا على ظهور تفاهم متبادل بين الزعيمين لاقت السياسة الخارجية لواشنطن، من اللحظة التي أصبح فيها باراك أوباما صاحب البيت الأبيض، رضا أقل من قبل إسرائيل.
يُلاحظ في الوقت نفسه تعاطفا أكثر في لقاءات القادة الإسرائيليين مع الجمهوريين. و يعتبر رومان كوليسنيكوف، الخبير في مركز تحليل العمليات الدولية في الجامعة الروسية الحــكـــومية للــعـــلوم الإنــســانية، أنه «بالنظر إلى الوضع الحالي، فإن إسرائيل تسعى بشكل متزايد إلى تنويع سياستها الخارجية، وهي تحاول، على وجه الخصوص، إقامة علاقات تعاون بناء ومتعدد الأوجه مع روسيا.
بيد أن أمريكا لا تزال الحليف الرئيسي للدولة اليهودية في العلاقات الدولية. أما الصعوبات الحالية فناتجة عن الكراهية المتبادلة بين إدارتي زعيمي الحكومتين. لا وجود لأسباب استراتيجية لتغيير توجهاتهما في السياسة الخارجية تجاه بعضهما البعض لا في الولايات المتحدة ولا في إسرائيل».
المسألة السورية
يرى المستشرق الروسي فلاديمير أحمدوف أن الكثير يعتمد على من سيأتي إلى السلطة في سوريا، فقد أعلنت إسرائيل مرارا وتكرارا أنها لن تسمح باستخدام الأراضي السورية بمثابة نقطة انطلاق لشن هجمات عليها. ويخلص الخبير إلى أن «إسرائيل تتعاون مع روسيا بشكل وثيق جدا على الأراضي السورية، حيث تجري مشاورات بين العسكريين الإسرائيليين في نطاق اللاذقية مع العسكريين الروس حول تبادل المعلومات، الخ. ولا تدعم إسرائيل العملية العسكرية الروسية في سوريا علنا، ولكنها دعمتها في واقع الأمر. لقد عاشت منطقة الشرق الأوسط لفترة طويلة وفقا للمخطط الذي أنشأه هنري كيسنجر والذي كان مقبولا من الجميع، أما الآن، وبعد بدء الانتفاضات العربية، خصوصا بعد خمس سنوات من النزاع السوري، فان هذا المخطط الذي عمّر لعشرات السنين شرع بالتغيّر ومن غير المعروف في أي اتجاه. هناك صراع خطير في سوريا – وهي احدى ساحات الصراع وتتدحرج منها الموجات إلى دول عربية أخرى. وهناك ازدياد حاد في أسلمة المنطقة مع وجود مشاركة إيرانية نشطة في كل ذلك. لا يمكن لكل هذا إلا أن يثير قلق إسرائيل. لم تتخل إيران عن خططها لبناء محورها – محور طهران- بغداد – دمشق – بيروت – غزة لتهديد إسرائيل باستمرار من خلال هذا المحور».
الصراع العربي الإسرائيلي
وفي الوقت نفسه، لا تخف موجة العنف في إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويقدر عدد الضحايا بالعشرات. ويتحدث المراقبون عن انتفاضة فلسطينية جديدة. ان إسرائيل بحاجة إلى الدعم السياسي والدبلوماسي من حليفها الرئيسي، وهذا ما يفهمه البيت الأبيض جيداً. ولاحظ الرئيس الأمريكي أنه، على الرغم من الخلافات القائمة بين البلدين حول موضوع البرنامج النووي لطهران، فان التعاون بين إسرائيل والولايات المتحدة هو الآن في أعلى مستوياته. وفيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي الذي طال أمده، فقد دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي لـ «دولتين لشعبين» ومع ذلك، أضاف، ان إسرائيل لا تعترف سوى بدولة فلسطينية منزوعة السلاح تحترم حقوق إسرائيل كوطن للشعب اليهودي. بيد أن الوضع الراهن في العلاقات مع فلسطين لا يبشر بأي تسوية للصراع حيث تتواصل للشهر الثاني الهجمات من قبل المستوطنين على المدنيين الفلسطينيين وعلى المستوطنين وجنود الإحتلال الإسرائيلي من قبل الفلسطينيين، أما التوتر بخصوص الوضع في المسجد الأقصى المبارك فما يزال على مستوى عال. على الرغم من حقيقة أن نتنياهو يعرب عن الأمل في التعايش السلمي، فانه لا يتخذ إجراءات حقيقية في هذا الصدد. كذلك يربط بين الولايات المتحدة وإسرائيل برنامج استراتيجي مشترك، وعلى وجه الخصوص برنامج مكلف من المساعدات العسكرية لمدة عشرة أعوام، ومن المقرر أن تناقش شروط العقد والآفاق المستقبلية في كانون الاول/ديسمبر من هذا العام، كما أن نتنياهو واثق من استقرار التحالف الأمريكي- الإسرائيلي، وقد قال في هذا الصدد: «انني واثق من أن هذا التحالف سيغدو أقوى. وأقدر بعمق التزام باراك أوباما بتعزيز أمن إسرائيل في الوقت الذي يصبح فيه الشرق الأوسط أكثر خطورة مما كان عليه في أي وقت مضى». يمكن عموما القول بأن العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة، على الرغم من التوجهات المتناقضة في مجال العلاقات الدولية، واختلاف وجهات النظر حول الوضع في الشرق الأوسط، لا تفقد أهميتها لكلا البلدين، وهو ما يفصح عنه بوضوح وصول رئيس وزراء إسرائيل إلى الولايات المتحدة. فمن جهة، يخشى المعارضون السياسيون لرئيس الوزراء من أن تؤثر الكراهية الشخصية بين نتنياهو وأوباما على العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة.
ومن جهة أخرى، اذا ما صدقت تصريحات المسؤولين العسكريين وممثلي وزارة الدفاع الإسرائيلي، فان هذا الادعاء لا حظ له من الصحة. لاحظ يفغيني سوفا، الخبير في «بي بي سي» بأن «هناك شعورا بأنهم الآن في البيت الأبيض يستمعون إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، خاصة أن أوباما يريد مساعدة المرشح الديمقراطي للحصول على دعم الصوت اليهودي الأمريكي في الانتخابات الرئاسية المقبلة في العام 2016».
فيكتوريا سيميوشينا