الرسالة الاهم ـ للجمهور في البلاد، للإيرانيين وللعالم كله ـ التي صدرت أمس عن استعراض رئيس الوزراء هي أن للموساد الإسرائيلي قدرة عملياتية استثنائية. فالسيطرة على أرشيف البرنامج النووي الإيراني الموجود في طهران وجلب نصف طن من الوثائق السرية إلى البلاد، هو انجاز شبه خيالي. وهنا إلى هذا الحد أو ذاك تنتهي الدراما.
مشروع «عماد» الإيراني لانتاج قنبلة نووية، اجتاز سلسلة طويلة من التطورات، ولكن في السطر الاخير: الإيرانيون خططوا وعملوا على انتاج رؤوس نووية منشطرة ومحافل الاستخبارات ذات الصلة في العالم عرفت بذلك، بهذا المستوى أو ذاك من العمق، كل الوقت. الارشيف الذي أمسك يحدث نظاما ويؤكد معلومات معظمها ان لم تكن كلها كانت معروفة في الغرب.
الغضب الإسرائيلي مبرر. إذ انه في الوقت الذي وقعت فيه القوى العظمى الاعضاء في مجلس الامن زائد المانيا على الاتفاق النووي مع إيران، كانت تعرف بأن الإيرانيين يخفون المعلومات ويكذبون. وحتى عشية التوقيع، حين طلب من الإيرانيين الاجابة على 18 موضوعا تتعلق بالمجموعة العسكرية للمشروع النووي، كذبوا. فقد ادعى رؤساء هذه الدول بأن الاتفاق هام لانه يوقف المشروع النووي الإيراني لـ 10 ـ 12 سنة، وعلى أي حال سيوقف الاكاذيب. كانت هذه حجة بائسة جاءت لتبرر اتفاقا مخروقا كمرش الماء.
لقد ادعى رؤساء الدول بأنه مع التوقيع ستبدأ أيضاً رقابة موغلة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وسيتواصل بشكل مكثف النشاط الاستخباري الذي يتابع النشاط النووي في إيران. هنا ايضا محقة إسرائيل عندما تدعي بأن الرقابة على ما يجري في إيران ليست وثيقة بما فيه الكفاية.
لو كان رئيس الوزراء نجح في أن يعرض للعالم حتى ولو بنداً جوهرياً واحداً يثبت بأن الاتفاق خرق، لكانت الصورة مختلفة تماما وعندها سيكون هذا مشهدا مميزا. ولكن ما كشفه رئيس الوزراء هو أن أولئك العلماء الذين اشتغلوا على تطوير النووي العسكري لم يصبحوا ابتداء من العام 2015 ممرضات رحيمات. هذا لا يكفي لاحداث تغيير جوهري في موقف رؤساء الدول التي وقعت على الاتفاق.
ان الكشف أمس أمام عيون الصحافة في البلاد وفي العالم لم يأت بدليل ذهبي. كان هذا يمكنه أن يكون دليلا ذهبيا لو أن هذه المادة كانت عرضت على العالم في بداية العقد، أما اليوم فهذه معكرونة باردة تخدم صورة رئيس الوزراء في الداخل كمقاتل مصمم وثابت في سبيل أمن إسرائيل.
كل ابطال القصة الإسرائيلية ـ الإيرانية يسيرون منذ أشهر على حافة الهاوية وليس هناك من يمسك بهم بأطراف ملابسهم ويشدهم إلى الوراء.
عقد أمس الكابنت على عجل على خلفية الهجوم المغفل في سوريا، مما خلق توتراً في الجمهور. فعندما تفجرت عشرات الصواريخ الباليستية التي تحمل رؤوسا متفجرة بوزن 750 كيلو غرام في وقت واحد قرب المطار الدولي في حلب، فإن الناس سيشعرون بهزة أرضية في كل شمال سوريا. ولكن ليس هناك فقط. فموجات الصدى تهز الشرق الاوسط بقوى لم نشهدها هنا منذ سنوات طويلة.
ولكن الكابنت كان أغلب الظن هو من هدأ الخواطر إذ ادعى أنه لن يكون هناك تدهور، وبسرعة شديدة انتقلوا إلى البحث هناك في الدراما التي أعدها رئيس الوزراء للعالم: الإيرانيون كذابون.
مشكوك أنه كان في الكابنت وزير واحد سأل ما يهم الجمهور: متى خرجت إسرائيل إلى حرب مبادر اليها ـ باستثناء قصف منشآت النووي ـ جلبت نتائج سياسية وعسكرية مرضية؟ واي تهديد استراتيجي وجودي، حقيقي، يوجد اليوم على إسرائيل؟ وماذا تسعى إسرائيل إلى تحقيقه من مواجهة عسكرية مبادر اليها مع إيران؟ وأي «صورة نصر» نتصورها من مثل هذه المواجهة؟
الإيرانيون يعرفون بأن إسرائيل تعتمد على الدعم السياسي والعسكري من ادارة ترامب، وتنسق مع الأمريكيين في تفعيل روافع ضغط على إيران، مثلما رأينا امس في استعراض رئيس الوزراء. لقد نقلت محافل استخبارات أمريكية للإيرانيين في الايام الاخيرة تحذيرا خطيرا وطلبت منهم الامتناع عن إدخال صواريخ إيرانية جديدة، اغلب الظن من طراز «قايم 1» إلى سوريا. وكانت التحذيرات علنية ايضا.
تجاهل الحرس الثوري المنشورات والتحذيرات ونقلوا إلى سوريا بضع عشرات عديدة من الصواريخ من هذا النوع. وحسب مصادر أمريكية فإن الحديث يدور أغلب الظن عن صواريخ باليستية حديثة لمدى 700 ـ 800 كيلو متر، دخلت إلى الخدمة العملياتية السنة الماضية فقط. من يحوزها هم فقط رجال الحرس الثوري.
يعرف الإيرانيون الاضطرارات التي على حزب الله الذي هو غير جاهز في كل وضع للمواجهة مع إسرائيل. الآن مثلاً، عشية الانتخابات في لبنان. ولهذا فقد بدأوا باقامة منظومة صواريخ مستقلة خاصة بهم في سوريا تكمل منظومة الصواريخ الثقيلة لحزب الله في لبنان وتردع إسرائيل. ينبغي الافتراض بأن إسرائيل ترى في ادخال هذه الصواريخ «قنبلة متكتكة» تفترض عملا فوريا.
في هذه الاثناء علق الإيرانيون في وضع محرج. فهم يهددون بمعاقبة من يهاجمهم، يعدون بتدمير إسرائيل، ولكنهم هم الذين يعيدون توابيت الشهداء إلى الديار. ولهذا فهم يسكتون حاليا. ليس للرئيس الإيراني روحاني أي مصلحة في خلق استفزاز عسكري تجاه الأمريكيين قبل 12 أيار/مايو، الموعد الذي سيتخذ فيه الرئيس ترامب قراره بشأن الاتفاق النووي. في إيران يقدرون ان ترامب يكمن لاخطاء إيرانية والصواريخ على إسرائيل هي بالضبط الخطأ الذي يبحث عنه كي يعلن عن الغاء الاتفاق.
يديعوت 1/5/2018