تكشف التطورات الأخيرة في إسرائيل وصعود المتطرف أفيغدور ليبرمان عن أزمة داخلية ستترك أثرها على العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية وملف المحادثات الإسرائيلية- الفلسطينية ومستقبل إسرائيل نفسها. ويرى جوناثان فريدلاند المعلق في صحيفة «الغارديان»(20/5/2016) أن استقالة وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعلون بسبب خلافاته مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على قضايا قال إنها «أخلاقية ومهنية» وتتعلق بالعنصرية والتطرف والعنف، تعبر عن الصراع الدائر على «روح» إسرائيل. ويقول إن التعديل الوزاري في أي بلد عادة ما يكون «شأنا داخليا» إلا أن التغيير الوزاري الإسرائيلي أثار قلق الجيران والحلفاء بسبب ميل رئيس الوزراء لصف اليمين واستخدامه السياسة لتعزيز موقفه وإنقاذ إئتلافه الهش.
فعملية إعدام عبد الفتاح الشريف في آذار/مارس على يد الجندي إليور أزريا، فجرت النزاع الداخلي بين أطراف اللعبة السياسية داخل إسرائيل. فقد كان الشريف ينزف دما بعد محاولته طعن جنود إسرائيليين في مدينة الخليل، وعندها تقدم ازريا الذي يعمل بالخدمات الطبية وأعدم الجريح الفلسطيني بدم بارد. وأدى شريط الفيديو الذي نشرته منظمة «بيتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية لغضب عارم في المؤسسة العسكرية، حيث أعلن يعلون عن تقديم أزريا للمحاكمة، وحظي بدعم من رئيس هيئة الأركان المشتركة غادي ازيكينوت. في البداية مال نتنياهو لدعم وزير دفاعه ولكنه عاد وغير موقفه، بل واتصل مع والد القاتل وعبر عن تعاطفه مع العائلة، وهو ما اعتبره يعلون «عملا مرعبا». وبعد اسبوعين، تحدث نائب رئيس هيئة الأركان يائير غولان في يوم ذكرى الهولوكوست وعبر عن أسفه من التشابه المثير للقلق بين حالة اللاتسامح وبث الخوف في إسرائيل المعاصرة وألمانيا في ثلاثينات القرن العشرين، في تلميح للنازية. وتعرض غولان لنقد وشجب واسع شارك فيه نتنياهو أيضا. ورغم عدم موافقة يعلون على آراء غولان إلا أنه دافع عن حق الجنرال بقول ما يريد قوله في ظل الديمقراطية والتعبير عن ما يهجس في ضميره من خواطر.
انقسام اليمين
كل هذه الأحداث فجرت أزمة داخل إسرائيل، والتي يقول فريدلاند إنها ليست بين يسار ويمين، بل بين يمين ويمين وتتمحور حول حكم القانون. وتشي رسالة الاستقالة التي قدمها يعلون عن أن المعركة لم تنته، كما أن منح وظيفة يعلون لليبرمان الذي لم يتخل عن بلطجيته ولم ينس جذوره عندما كان يعمل «قبضاي» أمام ملهى ليلي ودعا في أثناء حرب غزة لمقاطعة المحلات العربية ومعاقبة مصر بتدمير السد العالي، تؤكد المكان الذي اختار نتنياهو الوقوف فيه ضمن هذا الانقسام. وسيؤثر صعود ليبرمان بالتأكيد على العلاقات مع أمريكا. وهو ما تناولته صحيفة «نيويورك تايمز» (24/5/2016) في افتتاحيتها وعبرت فيها عن دهشتها من اختياره كوزير للدفاع. وقالت إنه لا يصلح لوزارة مهمة للعلاقات مع أمريكا خاصة أن فترته السابقة كوزير للدفاع كانت «كارثة على العلاقات الإسرائيلية- الأمريكية». ولم يحظ ليبرمان بترحيب واشنطن بسبب مواقفه المتطرفة من الفلسطينيين والمستوطنات والنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني. وقالت إن منصب وزير الدفاع يعتبر ثاني أهم منصب في الحكومة الإسرائيلية وله دور مهم في التعامل مع الولايات المتحدة والفلسطينيين. وتعتقد أن اختيار متطرف لهذا المنصب يظهر أن نتنياهو يغلب مصالحه الشخصية وائتلافه على العلاقات مع إدارة أوباما التي تقترب من نهايتها. ومع أن علاقة نتنياهو مع أوباما تميزت بالتوتر بسبب توقيع الإتفاق النووي مع إيران، إلا أن الإدارة قامت على الأقل بتطوير علاقة عمل مع يعلون. وتعتقد الصحيفة ان توقيت التغيير في الحرس يأتي في مرحلة حساسة وصلت فيها المفاوضات حول المعاهدة العسكرية ومدتها عشرة أعوام إلى مرحلة متقدمة. وتشير إلى ان نتنياهو يخطئ في حساباته عندما يقوم بتعيين رجل انتقده سابقا في منصب حساس، وقال إنه لا يصلح للعمل في الحكومة ووصفه بالقول «ليبرمان يكرهني ويحاول تشويه سمعتي وهو رجل خطير لن يتورع عن فعل أي شيء». ومن هنا فتعيين ليبرمان وزيرا للدفاع سيحول أي محاولة للتفاوض مع الفلسطينيين إلى «مزحة باردة». فوزير الدفاع الجديد استقال من الحكومة بسبب ما رآه فشلا لنتنياهو بتدمير حماس في غزة وطالب بإعدام من يثبت تورطه بأعمال إرهابية من الفلسطينيين. وتقول «ربما ظن السيد نتنياهو أن حل الدولتين وإنشاء دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل حسبما تطالب الإدارة الحالية ميت. وقد يحصل على صفقة أحسن من الرئيس المقبل». وهو اعتقاد «سمج وخطير» فلن يتخلى الرئيس المقبل عن دعم حل الدولتين ولن يقوى موقع إسرائيل في واشنطن بوزير دفاع على طرف النقيض مع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
رئيس إسرائيل- فلسطين
وكتب المعلق توماس فريدمان في صحيفة «نيويورك تايمز» (25/5/2015) قائلا إنه لا يمكن فصل الإنتقادات الموجهة إلى إسرائيل عن حملة المقاطعة أو تحقيق «العدالة من أجل فلسطين» وبين رغبة إسرائيل بتدمير نفسها، والفضل في هذا يعود إلى نتنياهو الذي قضى على أي فرصة لفصل إسرائيل عن المناطق الفلسطينية المحتلة. وبسبب تردده ومحاولته النجاة بنفسه، فقد تحولت إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية يحكمها متطرفون يهود «وستطلق هذه الصحيفة قريبا على نتنياهو بنفس الطريقة التي أوصل نفسه إليها – رئيس وزراء دولة إسرائيل- فلسطين». ويقول فريدمان «أطرح هذا الموضوع لأن إسرائيل انتقلت في عهد نتنياهو إلى الأسوأ» ويشير كيف أجبر نتنياهو موشيه يعلون على الاستقالة من منصبه. وقال إن استبداله بليبرمان الذي يتفاخر بأنه لا يهتم بما يقوله اليهود الأمريكيون عن إسرائيل، جاء رغم ما أوردته صحيفة «هآرتس» عن عدم صلاحيته للمنصب، فهو عندما لا يكون ملاحقا بقضايا فساد يطلق تصريحات لتدمير سد أسوان المصري، ويتهم الإسرائيليين الذين يريدون التفاوض حول الضفة الغربية بالخيانة. ونقل فريدمان ما كتبه المعلقون الإسرائيليون عن حكومة نتنياهو الجديدة التي وصفها ناحوم بنرباع في «يديعوت أحرونوت» بأنها الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل. ويرى فريدمان مثل فريدلاند أن إسرائيل بدأت تقاتل نفسها. وبحسب موشيه هولبرتال، أستاذ فلسفة الأديان في الجامعة العبرية فإننا نشاهد «تحول الحزب الحاكم في إسرائيل من حزب وطني متشدد (صقوري) كان يحظى بقاعدة إنسانية وديمقراطية إلى حزب في غاية التطرف همه الأول ملاحقة العدو من الداخل أي المحاكم والمنظمات غير الحكومية والنظام التعليمي والأقلية العربية والجيش وأي شخص يقف أمام مشروع الإحتلال الدائم في الضفة الغربية. وبعد أن فشل الليكود بالتوصل لحل مع أعداء الخارج فإنه يركز على أعداء الداخل. وهو تحول كبير في إسرائيل ويجب التعامل معه بقلق عظيم». ويقول هولبرتال إن «الجيش يحاول التعالي على حرب الجميع ضد الجميع ويحاول فرض نظام أخلاقي على الفوضى بدلا من إشعالها خدمة لمكاسب سياسية ضيقة». وحذر فريدمان من الخطر الذي يمثله نتنياهو على مستقبل إسرائيل التي قال إنها تمر بساعة حالكة.
تنازلات
وترى مجلة «إيكونوميست» (28/5/2016) أن تنازلات نتنياهو لليبرمان مقابل خمسة نواب من حزب «إسرائيل بيتنا» و 1.4 مليار شيكل (360 مليار دولار أمريكي) لرفع مستويات أصحاب الدخل المنخفض من المتقاعدين، خاصة المهاجرين من الاتحاد السوفييتي السابق الذين يمثلون القاعدة الشعبية لليبرمان، ودعم المدارس الأرثوذكسية التي لا تدرس المواد العلمانية مثل الرياضيات والإنكليزية مما سيحرم 20٪ من الإسرائيليين من المهارات الأساسية، لن تعطي نتنياهو الاستقرار الذي ينشده. وقالت إن يعلون انضم إلى مجموعة من الوزراء السابقين الناقمين الذي أخذوا على عاتقهم الإطاحة بنتنياهو وكانوا يضمون ليبرمان وقد يتحولون لتهديد أكبر من المعارضة الرسمية التي يقودها يتسحاق هيرتزوغ، زعيم حزب العمل. ولم تختلف صحيفة «فايننشال تايمز» (27/5/2016) في الموقف، فقالت في افتتاحيتها أن التغيير الوزاري سيضيف توترات جديدة لعلاقات إسرائيل مع جيرانها والولايات المتحدة وسيقضي على أي فرصة لتسوية سلمية وولادة دولة فلسطينية. وترى أن اختيار ليبرمان الذي يعيش في مستوطنة يناسب نتنياهو، حيث يقوي من صورة الحكومة «المتشددة» التي تتسيدها الأحزاب اليمينية والدينية. وفي سياق آخر تعتقد أن وضع ليبرمان في منصب هام يظهر أن نتنياهو الذي لم يبد خلال سنوات حكمه السبع اهتماما بالعملية السلمية راض عن «الوضع القائم». وتقول الصحيفة إن سياسة نتنياهو تقود إلى تحويل إسرائيل لدولة ثنائية القومية، يصبح وضع الفلسطينيين فيها كمواطنين من الدرجة الثانية «وبدلا من منح مستقبل آمن، فهذا الطريق سيجعل البلد في حالة دائمة من الصراع وعدم الاستقرار». ويعتبر نتنياهو من أطول رؤوساء الوزراء حكما في إسرائيل ورغم قدرته على المناورة والنجاة إلا أن اختياره «لا يخدم مصالح إسرائيل على المدى البعيد». وتشير إلى أنه مستعد لقول أي شيء كما فعل في انتخابات العام الماضي كي يتمسك بالسلطة. ويظهر تعيينه لليبرمان أنه مستعد لعمل أي شيء لإنقاذ نفسه على حساب مصالح بلده. وإذا سد اليمين الإسرائيلي أبواب السلام، فقد يأتي الحل من الخارج، الولايات المتحدة. ويقول فريدلاند أن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري لا يزال يؤمن أنه لم ينته من ملف السلام. وهناك أحاديث حول هدية يتركها الرئيس أوباما لخليفته، وهي كالآتي:
هدية
يرى فريدلاند أن علينا التركيز على الثلاثة أشهر المقبلة، بين الانتخابات الرئاسية الأمريكية في 8 تشرين الثاني/نوفمبر و 20 كانون الثاني/يناير. ففي هذه الفترة يكون الرئيس متحررا من كل شيء ولا يواجه استحقاقات انتخابية. ففي هذه الفترة منح رونالد ريغان اعترافا بمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو تحرك ربما كان مكلفا لخليفته جورج بوش الأب. والحديث الجاري الآن في البيت الأبيض هو عن طبيعة الهدية التي سيتركها أوباما. وقد تكون خطابا كبيرا، أو قرارا في مجلس الأمن يشجب الإستيطان الإسرائيلي أو قرارا جديا عن مجلس الأمن- مدعوما من كل قوى العالم يؤكد على حدود حل الدولتين. ويقوم بتعديل القرار الصادر عام 1947 والذي دعا لدولتين يهودية إلى جانب فلسطينية، باستنثاء أن هاتين الدولتين ستقومان على حدود عام 1967 ويتم تبادل الأراضي من الطرفين وتكون القدس عاصمة مشتركة. ويكشف الكاتب أن الأمريكيين يعملون بهدوء ويتحدثون مع حلفائهم الأوروبيين حول صيغة القرار بطريقة لن يجد فيها اليهود الأمريكيون مانعا من دعمه.
فاشية
وفي النهاية تعكس أزمة نتنياهو ـ يعلون صدعا اجتماعيا في هرم القيادة، وتعبيرا كما يقول عاموس هرئيل في «فورين بوليسي»(25/5/2016) عن خلافات حول هجمات السكاكين والتسوية السلمية وشروط الاشتباك التي يجب أن يطبقها الجيش. فاليمين داخل وخارج الحكومة يريد إطلاق نار وقتل في كل حادثة. أما يعلون وإزيكينوت فقد سمحا للجنود بالقتل عندما تتعرض حياتهم لخطر محتوم. وفي قلب الأزمة كما يشير هرئيل أن «السيد الأمن» كما يعرف نتنياهو خشي أن تؤثر تصريحات يعلون وقادة الجيش على موقفه داخل قواعده الليكودية ومن هنا بحث عن مخرج وجده في ليبرمان. ورغم عدم قلق مؤسسة الجيش من تعيين ليبرمان وموقف الأخير «المزدري» من المؤسسة العسكرية، إلا أن ما يخيف هو النزعة الفاشية التي جعلت رئيس الوزراء السابق إيهود باراك يقرع جرس التحذير. وهي مخاوف لم تعد منحصرة بالقيادات العسكرية مثل يعلون وباراك ووزير الدفاع السابق موشيه أرينز، بل والرأي العام. ففي الأسبوع الماضي عبر أشهر مراسل عسكري إسرائيلي، روني دانيال قائلا إنه ولأول مرة بدأ يفكر بعدم تشجيع أبنائه على البقاء في إسرائيل عندما يكبرون.
إبراهيم درويش