الناصرة ـ «القدس العربي»:
ما أن أطلقت إيران صاروخا باليستيا للمرة الأولى منذ اتفاق فيينا النووي حتى سارعت إسرائيل لاستغلال الفرصة لاستعادة تلويحها بالفزاعة الإيرانية وسيلة لصرف أنظار الإسرائيليين والعالم عن الاحتلال وقضية فلسطين وجسرا لها لتعزيز علاقاتها بالغرب وببعض الدول العربية. والحديث يدور عن صاروخ أرض أرض من طراز «خورمشار» وهو في الأصل صاروخ سوفييتي بحر ـ بر وتم تطويره ليصبح «صاروخ بر ـ بر» ويستطيع مبدئيا أن يصل أهدافا على بعد 4 آلاف كيلومتر وحمل رأس نووي وقد تم إطلاقه من قاعدة عسكرية على بعد 250 كيلومترا من طهران. وحسب المعلومات التي بلغت أجهزة المخابرات الغربية، فقد فشلت التجربة لأن الصاروخ انفجر مع دخول المجال الجوي بعد 965 كيلومترا.
فور الكشف عن التجربة الإيرانية التي اعتبرت محاولة لجس نبض وامتحان لمدى جدية الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب أعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أنه سيطالب ترامب خلال لقائهما بعد أيام بتجديد العقوبات المفروضة على طهران «كي لا يبقى عدوانها دون جواب» وهذا ما حصل فعلا. كما كان متوقعا التقط نتنياهو التوتر الجديد مع إيران باعتبارها منجما مربحا فيه مختلف صنوف المعادن السياسية فهي بالنسبة له فزاعة يلوح فيها أمام الغرب. بواسطة هذه الورقة يحذر نتنياهو الغرب من الإرهاب والتطرف الإسلاميين مشكلا صورة وهمية تقف فيها إسرائيل إلى جانب العالم الحر مقابل الغول الإسلامي الذي يضرب في باريس وواشنطن وبرلين وغيرها. وفي الوقت نفسه تتيح له عودة إيران للواجهة فرصة للتقرب من بعض الدول العربية سرا على مبدأ «عدو عدوي صديقي» ولصرف الأنظار عن القضية الفلسطينية وصب الماء على طاحونته السياسية الشخصية، فهو يحاول بالعدو الخارجي ترهيب الإسرائيليين من خلفه باعتباره «رجل الأمن الأقوى» بهدف خدمة مآربه غير المعلنة بإطالة عمر حكمه. في صفحته في فيسبوك أوضح نتنياهو أنه سيطالب من الرئيس ترامب المثابرة في استئناف العقوبات على إيران. وقال في تغريدته «في إطلاقها الصاروخ الباليستي الذي سقط في المحيط الهندي انتهكت إيران قرارات مجلس الأمن وهذا يقلق الولايات المتحدة ودولا أخرى في المنطقة أيضا لا إسرائيل فحسب». ويعول نتنياهو على تغيير العالم موقفه وسياساته حيال إيران في ولاية الرئيس ترامب ويواصل محاولاته الظهور بصورة الضحية:»طيلة سنوات دعت إيران لإبادة إسرائيل علانية والعالم يصمت والآن أنا واثق أن هذه الحالة ستتغير وهذا ما لمسته بحديثي الهاتفي مع الرئيس الأمريكي».
وحسب الإستراتيجية المعتمدة في إسرائيل بهذا المضمار فإن البرنامج الصواريخ الباليستية التي تطورها إيران هي بمثابة «المسدس الذي ينبعث منه الدخان» ويبرهن على مخططاتها النووية الحقيقية وأن أهدافها ليست سلمية بخلاف تصريحاتها بل إنتاج سلاح نووي للإبادة الجماهيرية. يشار إلى أن هذه التوجهات الإسرائيلية تتساوق مع السياسات الأمريكية الحالية، ففي فترة الحملة الانتخابية كرر دونالد ترامب هجومه على اتفاق فيينا النووي مع إيران وأتاح رفع العقوبات عن طهران. وهذا يعني أن التعاون بين إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران مرشح للمزيد من التعزيز ولزيادة حلفاء في منطقة الخليج العربي ضد العدو المشترك. لكن نتنياهو لا يكتفي بالموقف الصارم الذي تبديه واشنطن تجاه إيران ويسعى لتكريس جهود وطاقات للتأثير على الدول الأوروبية أيضا.
في لقائه مع رئيسة الحكومة البريطانية، تيريزا ماي، الأسبوع المنصرم رحب رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بإصرار الإدارة الأمريكية الجديدة على فرض المزيد من العقوبات على إيران، بادعاء أنها تشكل تهديدا للشرق الأوسط وأوروبا والعالم. وتحدث عما أسماه التحديات الأمنية في الشرق الأوسط، وقال إنه يشارك رئيسة الحكومة البريطانية الرغبة بالسلام مع الدول المجاورة، مضيفا أن هناك تحديات، وفي الوقت نفسه توجد فرص ذات أهمية بسبب التغييرات الإقليمية والعالمية. كما تحدث عن العلاقات التي تربط إسرائيل وبريطانيا، والتعاون بين الطرفين في التجارة والتكنولوجيا، إضافة إلى التعاون في مجال الأمن، بما في ذلك في مجال الحرب الإلكترونية. وقال أيضا إن إسرائيل تواجه تهديدات من قبل «الإسلام المتطرف»، وخاصة من قبل إيران. متهما طهران بأنها تسعى للقضاء على إسرائيل، وأنها تصرح بذلك علانية، وتطمح في السيطرة على الشرق الأوسط، وتهدد أوروبا والغرب وكل العالم، على حد تعبيره. وأضاف أن إيران تثير الاستفزازات تباعا، ومن هنا فهو يرحب بإصرار الرئيس الأمريكي ترامب على فرض عقوبات جديدة ضد إيران، وأنه يأمل أن تحذو باقي الأمم المسؤولة حذوه.
وتسخر أوساط إسرائيلية متعددة من الإفراط في التحذير من الخطر الإيراني وقال رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إيهود براك إن إسرائيل لا تواجه أي خطر وجودي، ملمحا إلى أن نتنياهو يستخدم إيران لتحقيق مكاسب سياسية داخلية بالأساس. وهذا الصوت يجد له صدى في وسائل إعلام إسرائيلية كثيرة تسخر من حملة الترهيب من «الفزاعة الإيرانية» وتحذر من أنها معدة لصرف الأنظار مجددا عن القضايا الداخلية الملحة وعن تحديات العلاقات مع الفلسطينيين. وذهبت بعض ندوات المؤتمر السنوي لمعهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب للقول إن الفساد أكثر خطورة من «القنبلة الإيرانية» وسبقتها بذلك مؤتمرات هرتزليا للمناعة القومية التي تعتمد رؤية منافية لتوجهات نتنياهو ولا ترى بإيران خطرا وجوديا رغم أهميتها.
وديع عواودة