نجاحات نتنياهو في الشهرين الأخيرين تستوجب تفكيراً متجدداً في دوره في التاريخ. نتنياهو، الذي اختص لسنوات طويلة بـ «ايديولوجيا بلا تحقق»، وحتى بخطوات معاكسة للايديولوجيا (انظروا: الخليل، فك الارتباط، خطاب بار إيلان وصفقة شاليط)، يحققها الآن وبوتيرة مثيرة للانطباع.
وسواء كان الحديث يدور عن نضجه كزعيم أم عن الحظ وحدهمثلما يدّعي معارضوهفالنتيجة مماثلة. هناك حاجة لشخص مع حظ كي يخلق حلفا كهذا مع الامريكيين والروس، هناك حاجة لحظ كي يقنع الدول العربية المعتدلة بالتقرب، هناك حاجة لحظ كي يجتاز بأمان منطقة مليئة بهذيان عابث من المسلمين المتطرفين ورجال السلام المتطرفين. ونعم، هناك أيضاً حاجة لتجربة وعقل. كل هذه هي جزء من صفحة تاريخ نتنياهو الجديد. هذا هو السبب الذي يجعله يرتفع في الاستطلاعات، كما أن هذا هو السبب الذي يجعل من الصعب جداً فهم ما يحصل له في داخل البيت، في كل نقطة يشعر فيها انه يتعرض للهجوم.
ثمة ما يكفي من الإسرائيليين الاذكياء والفاهمين ممن يجرون في حالة نتنياهو حسابات الكلفة مقابل المنفعة. وهم يثقون به في ألا يدخل الدولة إلى حروب زائدة، وأنا أتفق معهم. يثقون به أن يعرف كيف يناور على الولايات المتحدة والرئيس ترامب خدمة لمصالحنا. يثقون به ألا يراهن مرة أخرى على الارض مقابل الاتفاق مع الفلسطينيين، وأنا أميل لأن أصدق بأنهم محقون. هؤلاء الإسرائيليون يعتقدون انه يكفيه ذلك كي يكون زعيما. أما ما تبقى فيمكن ابتلاعه. «أحد ليس كاملا، وعلى أي حال فالإعلام يبالغ أيضا»، هكذا يقولون لأنفسهم. حجتهم معقولة ومنطقية. أما المشكلة فهي كل ما تبقى. أولئك الذين يختارون إغماض أعينهم، مثل معارضيه، من الجانب الآخر فقط.
الكذب كل مرة تظهر فيه مشكلة، الخداع، الازدواجية أو الجهل الطوعي. أما الادعاء بأنه لا يوجد شيء، لم يكن شيئاً وكل من يعارض نتنياهو هو لا شيء. دعكم من القدوة الشخصية الفاسدة وقضايا الفساد المعروفة التي توجد أمام قرار المستشار القانوني. ركزوا على موقفه من معارضيه. موقفه من نفسه كزعيم. فها هو الاسبوع الماضي فقط تتخذ لنتنياهو الصور كي يوضح مسألة شخصية مع زوجته (موضوع آخر في سلسلة تلك التي «دوما لم تكن») على خلفية اعلان عزاء لمقاتل سقط. لو كان الحديث يدور عن أحد ما من المعارضة، لكنت مزقته بالكلماتوهكذا كل اليمين والوسط. فمن الاهانة للشهيد خلط السياسة بالشكل على هذا النحو. أما لدى نتنياهو فهذا أمر مقبول لسبب ما.
هكذا، وبالقوة ذاتها، بما في ذلك حالة تمير باردو، رئيس الموساد السابق الذي أُجري اللقاء معه في «عوفدا». باردو، رجل كثير الحقوق، تجرأ على أن يروي قصصا من زاوية نظره، وردا عليه تلقى خازوقا شخصيا وكأن به مقتلع إسرائيل. بالمناسبة، على المستوى الموضوعي، قصة الطلب صحيحة، ورد يورام كوهن مع الكلمة «بشكل محدد» يؤكد ذلك فقط. كان يمكن لنتنياهو أن يتجاهل برنامج «عوفدا» أو أن يؤكد أنه فحص احتمال الفحص الرسمي لقائمة المشاركين خوفا من التسريب. هذا مشروع. مسموح الاستيضاح مع رئيس المخابرات كيف يمنع تسريب المعلومات في المواضيع الحساسة.
في «الجرف الصامد» كما يذكر، تسرب استعراض، وهذا خطير جدا. مسموح، بل وحتى مرغوب فيه الجدال مع باردو عن موقفه وعن موقف سلفه من الهجوم في إيران (في هذا الجدال أنا مع نتنياهو)، غير أنه بدلا من ذلك بدأ نتنياهو بأحابيل رخيصة وإخرج عن قصد كلمات باردو عن سياقها.
الرسالة واضحة: في الليكود يفهمون، في اليمين يفهمون، رجال الامن السابقون الذين كانوا شجعانا في ميدان المعارك يفهمون، والفاهم في ذاك الوقت يصمت، أو يركض إلى الاستديوات لبيع الكذب. وإلا فإن المعقبين في رقبته. إذن ها هي ميزة الصحافي مثلي، أنا لا أحتاج لإقرار من أحد لإقرار آرائي السياسية ونواياي. نتنياهو هو المعضلة الحقيقية. في نظري، رغم النجاحات الهائلة التي حققها، فإنه يشكل درساً في أهمية قيود القوة. وبالذات من يريد أن يحول إنساناً إلى مسطح وكامل يخاطر. فالنجاحات الاخيرة لنتنياهو تلقي بظلها على المشاكل، ونتنياهو يصنع التاريخ وبالمقابل يقع في الهستيريا.
يديعوت 4/6/2018