نجارة العرعار في الصويرة: حرفة تقليدية في طريقها إلى الاندثار

الصويرة ـ «القدس العربي»: لمدينة الصويرة الواقعة على ضفة المحيط الأطلسي على مقربة من مدينة أغادير عدة خصائص، من بينها اشتهارها بصناعة خشب العرعار التقليدية، حتى لقبت بـ»مدينة العرعار» إضافة إلى لقبها «مدينة الرياح» لهبوب الريح فيها على امتداد السنة تقريبا. غير أن الحرفة التقليدية المرتبطة بخشب العرعار تشهد اليوم تراجعا مهولا، مما جعل الحرفيين والخبراء والمختصين يدقون ناقوس الخطر حول مآلها ومصير العاملين فيها.
تعتبر شجرة العرعار من ثروات الغابة الهامة والمتميزة في المغرب، اسمها العلمي «tétraclinis articulata» هذا الصنف من العرعار الذي يسمى باللغة الأمازيغية «أزوكا» مختلف عن الأصناف المتواجدة في أوروبا وأستراليا أو كاليدونيا الجديدة. واتخذت شجرة العرعار التي نحن بصدد الحديث عنها من شمال افريقيا موطنا لها مع مساحات محدودة جدا في جنوب اسبانيا وجزيرة مالطا. ويحظى المغرب بالقدر الأوفر من غابات العرعار إذ تبلغ مساحتها 700000 هكتار، ممثلة بذلك 80 في المئة من إجمالي مساحات غابات العرعار في شمال افريقيا وجنوب المتوسط. وتتوزع غابات العرعار في المغرب على عدة أقاليم أهمها الصويرة وأغادير وتارودانت ومراكش والخميسات ووجدة وتازة. وتعمّر الشجرة ما يفوق 200 سنة ويبلغ طولها زهاء 15 مترا. شهدت حرفة نجارة خشب العرعار في مدينة الصويرة أوج ازدهارها خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كما يوضح أحد أبناء المنطقة الخبير يوسف جدي لـ«القدس العربي» مشيرا إلى أنها كانت تشغّل عددا لا يستهان به من شباب المدينة، حينها كانت منتجات خشب العرعار تلقى إقبالا كبيرا، وتستهوي زوار المدينة من سياح مغاربة وبالأخص الأجانب. كما كانت كميات كبيرة من هذه المنتجات تصدر إلى الخارج.
هكذا إذن، انتشرت محلات وورش النجارة في المدينة بشكل لافت للنظر، بحيث أصبحت أزقة وساحات المدينة القديمة تعبق برائحة هذا النوع من الخشب الرفيع، إضافة إلى المواد الأخرى المستعملة في عمليات النجارة، وهي الصمغ العربي المذاب في الكحول واللصاق المائي وبعض الملونات، وكان هذا الخليط من الروائح إضافة الى نسيم البحر الذي يلف المدينة من كل جانب يعطيها نكهة خاصة أصبحت جزءا من هويتها.
يقول الخبير عزيز رزنارة لـ«القدس العربي»: إنه إلى حدود سنة 2000 كان عدد العاملين في هذا القطاع بشكل مباشر يفوق 7000 نجار، تنضاف إليهم أعداد مهمة من العاملين بشكل غير مباشر مثل الموزعين وأصحاب البازارات وتجار المواد الأولية وغيرهم من أصحاب الشحن والمعارض التجارية داخل المغرب وخارجه. وأصبح الإقبال على منتجات العرعار كبيرا، بحيث بدأ إنتاج العديد من تجهيزات البيت مثل الموائد والأسرة وغيرها تحتل الصدارة، عوض القطع الصغيرة، مثل صناديق الحلي وإطارات الصور والمرايا وبعض الهدايا التذكارية.

وضعية كارثية

ويوضح يوسف جدي أن الأزمة المالية العالمية التي خيمت على الاقتصاد الدولي منذ ثماني سنوات أثرت سلبا على قطاع خشب العرعار، الذي بدأ يشهد ركودا، ازدادت حدته مع توالي السنوات، حيث هجرت الأغلبية الساحقة هذه الحرفة التي لم تعد تلبي مقومات العيش الكريم حتى الضرورية منها.
أما عزيز رزنارة فيرى أن الاستعمال المفرط لخشب العرعار أوجد طبقة من سماسرة المادة الأولية للخشب لا همّ لها سوى الربح، ولا تعطي أي اعتبار لقضايا مثل حماية البيئة أو تناقص كمية أشجار العرعار، خصوصا إذا علمنا أن بعض المنتجات تصنع من جذر الشجرة التي يتم اقتلاعها بشكل نهائي، وبالتالي فإن استبدالها بشجرة أخرى يتطلب سنوات عديدة لكي تعطي الشجرة الجديدة خشبا يصلح للنجارة. هذا الاستعمال المفرط أدى إلى تناقص المواد الأولية في السوق، ثم تدخل السماسرة الذين تحكموا في أسعار الخشب الخام الذي بدأ ينقرض من المساحة الغابوية المحيطة بالمدينة؛ فالارتفاع المهول لأسعار الخشب وندرته في السوق دفعا بالعديد من عمال النجارة إلى البحث عن موارد رزق أخرى مثل الصيد البحري أو بعض الصناعات التقليدية مثل الحلي الفضية أو الملابس التقليدية أو منتجات زيت الأركان ومشتقاتها… وكان من نتائج هذه الأزمة بالخصوص انتشار البطالة بشكل لافت في مدينة لا تتوفر فيها حياة اقتصادية وصناعية تستطيع استيعاب أعداد الشباب الذين غادروا مهنة النجارة التي انهارت تماما. 
وكانت هناك عدة محاولات لإعادة الحياة إلى هذا القطاع الذي أصبح عدد محلات النجارة فيه لا يتجاوز المئة، وهو الذي كان إلى جانب الصيد البحري يشكلان المورد الرئيسي لقوت المدينة وأهلها. 

اقتراحات وحلول

هل من حلول عملية واستعجالية لإنقاذ هذه الحرفة من الموت المحقق؟
صحيح أن القطاع الحكومي المسؤول (وزارة الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني) قام بإجراءات لإصلاح هذا الوضع، لكنها ـ في اعتقاد بعض المختصين ـ تبقى متواضعة بالنظر إلى الحالة التي تعيشها هذه الحرفة التي ساهمت في التعريف بمدينة الصويرة خلال عقود عدة. ومن بين تلك الإجراءات: إعداد تشكيلة جديدة من المنتجات لفائدة الحرفيين، والاشتغال على شارة جودة خاصة بالمنتجات، وتهييء مركز الدعم التقني لفائدة هذه الحرفة وهو مشروع موضوع اتفاقية شراكة بين الوزارة المعنية والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
كما يؤكد الخبير عزيز رزنارة على ضرورة توفر إرادة سياسية من الإدارة الوصية على القطاع بتنظيم تزويد السوق بالمادة الأولية التي أصبحت شبه نادرة في غابات الصويرة، بينما هي متوفرة بكثرة في غابات المغرب الشرقي، ويستعمل خشبها لتسخين الحمامات، في حين تحتاجها مدينة الصويرة كمادة خام لصناعة يقتات منها آلاف الحرفيين.
ويقترح إنشاء هيئة تشرف على توزيع المواد الأولية على الصناع دون غيرهم لقطع الطريق على الوسطاء والسماسرة والمهربين الذين كانوا السبب وراء أزمة اختفاء المادة الأولية. ويوصي أيضا باعتماد طرق للاستعمال العلمي الصحيح لخشب العرعار عوض الطرق التقليدية التي كانت تهدر كميات كبيرة منه، وذلك باستخدام تقنية التجفيف الأولي للخشب ثم استخدام طبقات غير سميكة من العرعار لتغطية أخشاب أخرى، مما سيتيح وفرا كبيرا في المادة الأولية، بالإضافة إلى الحصول على مقاومة أكبر لعامل الحرارة، لان العيب الأكبر لمنتجات خشب العرعار المصنع حسب الطريقة القديمة هو عدم تحمله لدرجة الحرارة وتشققه جراء ذلك. ومن ثم، يلزم اعتماد عدة إجراءات وترتيبات لتنظيم الصناع وتطوير مهاراتهم، خصوصا بالتدريب في الطرق الحديثة لمعالجة الخشب وتزيينه. ويوصي الخبير المغربي كذلك بمساعدة الصناع على إيصال منتجاتهم مباشرة إلى الزبائن عبر مجمّعات تسويقية لكي لا يبقوا تحت رحمة الوسطاء وأصحاب البازارات الذين يستنزفون عرقهم وجهدهم، لأن أغلبهم يضع منتجاته لدى صاحب البازار، وينتظر أن تباع هذه البضاعة ليتقاضى ماله من التاجر، وربما بعد وقت طويل من البيع. 

ملتقى دراسي

بالنظر لأهمية الموضوع وطابعه الاستعجالي، ينتظر أن تحتضن مدينة الصويرة يوم الأربعاء 27 تموز/يوليو ملتقى إقليميا حول حرفة نجارة خشب العرعار تحت شعار «حرفة خشب العرعار بين مجد الماضي والأمل في المستقبل» هذا الملتقى ينظم من طرف وزارة الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني وغرفة الصناعة التقليدية لجهة مراكش آسفي بشراكة مع جمعيتين وتعاونيتين تنشط في القطاع هي: جمعية «وشمة 21 « للصنائع الحرفية والمهن، جمعية «موكادور» لفنون خشب العرعار، وتعاونية النقش على خشب العرعار والتعاونية الحرفية الكبرى لمنتجات خشب العرعار. وسيشهد الملتقى مشاركة عدد من الخبراء والمهتمين لتدارس واقع والآفاق المستقبلية للقطاع والبحث عن السبل الكفيلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، خصوصا عبر تفعيل دور مركز الدعم التقني الذي يعول عليه كآلية يمكنها المساهمة في تنمية القطاع، دون إغفال الدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع الحرفي لقطاع خشب العرعار، شريطة أن توفر له الإمكانيات والشروط اللازمة للعب دوره والقيام بواجبه.

النقش على العرعار فن لا يقبل عليه إلا المتذوق
على ساحل الأطلسي الجنوبي غرب المغرب، تمتد مساحات شاسعة من غابات أشجار «العرعار» مطوقة مدينة الصويرة التاريخية (أكثر من 400 كلم جنوب الرباط) التي تحتفظ لنفسها دون سائر بعض دول الجوار كالجزائر واسبانيا، حيث تنتشر غابات شجر العرعار، بشهرة محلية وعالمية. فهذه الصناعة التقليدية ذائعة الصيت في المدينة، يُقبل عليها الصغار كما الكبار، ممارسة أو هواية. «منذ ما يزيد عن ثلاثين عاما وأنا أمارس هذه الحرفة، بدأتها كمُتعلم صغير في إحدى الورش المجاورة لحينا التي كنت أتردد عليها كلما فرغت من دروسي، لكنني احترفها بشكل مباشر بعد انقطاعي عن الذهاب إلى المدرسة في نهاية المرحلة الابتدائية»، يقول عبد الحي السالمي (53 عاما) صانع تقليدي لخشب العرعار بمدينة الصويرة، وقد التقف قطعة خشبية ينقيها من الشوائب، مُمعنا النظر في جنباتها ليتيقن أنها ملساء لامعة. وتعد صناعة خشب العرعار إحدى أهم الصناعات التقليدية التي يعتمد عليها اقتصاد هذه المدينة الساحلية الصغيرة، والتي يكسب أغلب سكانها قوت يومهم بما يجود به عليهم بحرها من أسماك تُباع في الأسواق، أو بمزاولة حرف تقليدية بسيطة تستهدف بالأساس زوار الصويرة من السياح الأجانب، في مقدمتها حرفة النقش على خشب العرعار. العابر لأزقة المدينة المثقلة أجواؤها برذاذ البحر، ورياح الأطلسي التي تهب قارسة، تتسلل إليه رائحة غراء الخشب القوية، وغُبار النجارة الذي تحمله نسمات المدينة الصباحية العاصفة إلى خارج الورش، مُكونا طبقات بنية على الحيطان البيض، وأبواب المنازل، وطاولات الأكل، و»عطر خشب العرعار» مميز يفوح في كل جنبات أحياء المدينة ليكسبها رونقا خاصا. أصوات الطرق الخفيفة التي تتصاعد حين الاقتراب من مداخل الورش المستقرة في أغلب أزقة المدينة حديثها وقديمها، لا تهدأ منذ ساعات الصباح الباكر إلى حدود غروب الشمس، فلا يخلو حي في الصويرة من محل لصناعة العرعار أو دكان لبيعه، فأهل المدينة يتباهون في تعريف أنفسهم كـ»حرفي عرعار» و»صناع متقنين» لهذه الحرفة. فخلال العطل المدرسية يحرص الآباء على إرسال أبنائهم لتلقي أصول هذه الصناعة التقليدية لدى «مُعلميها» المعروفين بالمدينة، تزجية لأوقات الفراغ وكسبا للخبرة، دون أن يدفعهم ذلك أساسا إلى امتهانها في المستقبل، خاصة وأن حال رواجها لا يشجع الكثيرين كما يقول بعض حرفييها، فلم يعد النقش على العرعار الحرفة التي يجابه بها الصناع تكاليف الحياة المتزايدة. «النقش على العرعار وصناعة منحوتات بديعة من أخشابه، فن لا يقبل عليه إلا كل متذوق عارف، وغالبا ما يقبل عليه السياح الزائرون للمدينة، الذين يحرصون على اقتناء بعض القطع كتذكار لزيارتهم» يضيف عبد الحي، الذي يحرص على نقل هذا الفن الحرفي إلى الأجيال الشابة، مخافة ضياعه واندثاره، خاصة وأن وأغلب «المُتَعَلمين» سرعان ما يغادرون ورش النجارة ليلتحقوا بمهن أخرى يرون أنها قد ترد عليهم مالا، لا يخضع لتقلبات سوق السياحة في المدينة كما هو حال صناعة العرعار. تاريخ صناعة خشب العرعار في مدينة الصويرة، يعود إلى الأيام الأولى لازدهار هذه المدينة، مع بداية تشييدها من قبل السلطان العلوي «محمد بن عبد الله» خلال القرن الثامن عشر ميلادي، لتتحول من مرفق تجاريا تعبرهُ السفن القادمة من أوروبا في اتجاه الغرب الافريقي، وثغرا يعتصم به المحاربون أيام «حروب الاسترداد» ضد المماليك الإيبيرية خلال القرن الخامس عشر ميلادي، إلى مدينة قائمة البنيان، ليتم استخدام خشب العرعار الذي توفر الغابات المحيطة بالصويرة في بناء دُورها وإقامة سقوف مساجدها وصناعة أبواب بيوتها.

نجارة العرعار في الصويرة: حرفة تقليدية في طريقها إلى الاندثار

الطاهر الطويل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية