قبل أسبوع قمت بحظر صديق سابق لي في الفيس بوك. في الحقيقة هو ليس مجرد صديق سابق في الفيس بوك، بل هو معرفة قديمة وحتى قريب عائلة من بعيد. سبب ذلك بسيط وهو أنه خلال الحمام الدموي على حدود قطاع غزة رفع تعليقات يائسة توسل فيها لبنيامين نتنياهو لينفذ «الحل النهائي» على الفلسطينيين. مؤخراً سمعت أصواتاً يائسة كهذه من هذا النوع أو ذاك حيث كان آخرها (مع الاختلاف) مقال روغل ألفر («هآرتس»، 20/5) الذي استنتج من تعزز قوة اليمين في البلاد ومن النشوة التي يعيشها، بأنه أصبح من الصعب العيش هنا. العجز الذي وصل إلى حافة الاكتئاب يقطر من شاشة الحاسوب.
ليس صعباً عليّ فهم ألفر. أعتقد أن قلقه جدي وهو يشعر بقلق جدي على مصير الدولة، ازاء ما يحدث هنا مؤخراً. وقد أحسن وصف ذلك. ولكن أيضاً صحيح أن الارض بدأت تسحب من تحت أرجل النخب القديمة، الاشكنازية واليسارية (أو المتشبهة بذلك)، التي ينتمي اليها. لقد حكموا الدولة بدون معترض حتى انقلاب 1977 وأبعد من ذلك. من يريد دليلاً على المقولة الاخيرة فليتذكر الموقف المهين من دافيد ليفي في ولاية اسحق شامير كرئيس للحكومة.
الليكود الذي يستمد قوته من اليهود الشرقيين يتعامل معهم فعليا بصورة أسوأ بكثير من مباي التاريخية. توجد لنظام حكم اليمين في عهدنا، أي في عهد نتنياهو، ميزتان ظاهرتان متكاملتان تغذيان بعضهما: الاولى تحريض متوحش وعنيف ضد كل من ليس محسوبا على معسكره وتحريض مؤيديه على كل باقي المواطنين، الثانية هي محاولة تدمير أسس الدولة، بما فيها الجهاز القضائي والادارة السليمة. نتيجة لذلك فإن الفساد مستشرٍ في كل شيء، لكن لغالبية مصوتي اليمين هذا لا يزعج أبداً. ليس هذا شعوراً ذاتياً مجرداً للنخبة اليهودية القديمة، بل هو حقيقة ثابتة: أنتم تدفعوننا نحو الزاوية.
في المقابل، وضعي كإبن للأقلية العربية في إسرائيل أفضل بكثير من وضع الفر، رغم أن النظام الحالي يحاول بكل الطرق، وبصورة علنية وواضحة المس بنا. نحن دائما كنا مضطهدين حتى تحت حكومات تبدو كيسار ـ وسط. في حينه كان الوضع سيىء والآن هو أسوأ، لكن المجمل العام لا يختلف كثيرا. الاحداث الصادمة أكثر اجتازها مواطنو إسرائيل العرب تحت حكم حزب العمل في مختلف طبعاته.
من بدأ العنصرية والتمييز المؤسس ضدنا ليس بنيامين نتنياهو بل ديفيد بن غوريون، هو من واصل طريقه. لم نشعر في أي يوم أنه مرغوب بنا هنا، لم نشعر في أي يوم أننا متساوون، لم نكن في أي يوم شركاء حقيقيين، لكن الواحد لا يحتاج إلى كل هذه عندما يكون في بيته وعلى أرضه، وهذا هو المكان الذي نوجد فيه في بيتنا وعلى ارضنا، هذا البيت لنا وهو أيضاً لكم. ولكن لإزالة الشك هو لنا، وكيف نحن.
ايضا لدينا «الاطفال المدللون» يشعرون باليأس والرغبة في الهجرة. صرخة من صرخات اليأس الاعلى أسمعها في حينه سيد قشوع في مقال بعنوان «لقد انتهى الامر» («هآرتس»، 3/7/2014)، والذي قال فيه إن تجربة الحياة المشتركة مع اليهود فشلت ولم يعد هناك ما نبحث عنه هنا. في تلك الفترة كان هناك «مدلل آخر» يئس واراد تمزيق الرزمة ـ زهير بهلول ـ الذي صرخ بيأس بعد وقت قصير من اندلاع عملية «الجرف الصامد»: «لقد مللت من أن اكون عربيا في هذه الدولة. ليس هناك شيء يمكنه أن يساعد. العربي يظل عربيا» («هآرتس»، 20/7/2014). قشوع وجد ملاذاً خلف المحيط، في بلاد الرئيس ترامب الذي يحب العرب، وبهلول سقط في أحضان «المعسكر الصهيوني» برئاسة آفي غباي، الذي هو ايضاً محب معروف للعرب.
في طفولتي كنت أرعى قطيع الابقار للعائلة. في هذا الموسم من السنة (أيار ـ حزيران) عندما كانت لا تزال توجد بواقي عشب أخضر في الوديان وعلى التلال المحيطة بالبيت اعتدنا تمديد وقت الرعي حتى ساعات الظهيرة. المشكلة الكبيرة في هذا الموسم التي يعرفها كل راعي هي ذبابة الخيل، وهي الحشرة التي تمتص الدماء وتنشط في ساعات الحر الشديد في اليوم، والتي كانت لدغتها تخرج الابقار عن أطوارها وكانت تتفرق في كل الاتجاهات. تجميع القطيع وإعادته إلى البيت كان مهمة متعبة. ولكن لم نفكر في أي يوم بعدم الخروج إلى الرعي بسبب ذلك. لم نفكر في أي يوم بربط الأبقار من أجل أن لا تهرب. أو مثلما كان يقول جدي: في كل مرة يهيج فيها عجل من لدغة سنمد له الحبل؟ هذه المقولة تبدو بالعربية أفضل كثيرا. لقد اعتاد جدي القول (ليس هو فقط): الاتراك كانوا هنا وتركوا، الانجليز كانوا هنا وتركوا. إسرائيل جاءت وهي أيضاً ستترك.
أنا لا آمل ذلك على الاطلاق، لكن هذا سيحدث آجلاً أم عاجلاً فهذه هي الحياة. حتى الثقافات الفخمة والأقوى ذوت وذابت: مصر القديمة، آشور، اليونان والرومان. ولكن ليكن واضحا: نحن هنا، زعتر وعدس يكفينا، قمح وخبيزة تكفينا، سنأكل البلوط إذا لم نجد الكستناء، شوك الحمار سيكون حلوى لنا. نحن هنا.
هآرتس 24/5/2018