نحن والآخر وثقافة التلقي

يشير الباحثون إلى ان نظرية التلقي قد تطورت على يد منظرين ألمان في جامعة كونستانس، الذين أشاروا إلى إن نظرية التلقي تسير بمسار مواز لنظرية المنفعة والمتعة. وقد طور بعض منظري وسائل الإعلام الجماهيرية مفهوم المنفعة والمتعة الذي لا يركز على تأثير وسائل الإعلام فحسب بل يركز على الأفراد أيضاً وعلى طريقة استخدامهم لهذه الوسائل وعلى المتعة التي يحصلون عليها من هذه الوسائل. من جانب آخر نجد ان علاقتنا بالآخر باتت أمرا محوريا في العديد من الدراسات الاجتماعية اليوم، مع ازدياد انتشار وسائل التكنولوجيا التي طغت على تفاصيل يومنا، ومع ما تشيعه من عزلة شبهها الباحثون بـ «الفقاعة التقنية» التي يعيش فيها الفرد في مجتمعاتنا اليوم، تبقى علاقتنا بالآخر محورا مهما، تكمن فيها ثيمة التلقي، حتى ان تغيرت تلك العلاقة وأصبحت تتجه أكثر نحو العالم الافتراضي، هذا الفضاء الذي بتنا نعيش في ظله وقتا أكثر مما نعيشه في مجتمعاتنا الواقعية.
مع الانتشار الهائل لتكنولوجيا وسائل الاتصال، أصبحنا نعيش ما يمكن ان نطلق عليه، عصر المواطن الصحافي، إذ ان الكثير من مشاهدي التلفزيون، مثلا، يمكنهم الاتصال مباشرة بالبرامج الحوارية وطرح الأسئلة مباشرة على الهواء، أو يمكنهم ارسال رسائل قصيرة بهواتفهم المحمولة لتظهر بعد دقائق على شريط المعلومات أسفل الشاشة، بل باتت اعتى محطات التلفزيون الإخبارية تطلب من المشاهدين ارسال ما صوروه من خلال معايشتهم للحدث لتتم مشاركته في القنوات الإخبارية، هذا ما يحدث عبر آلاف القنوات الفضائية في العالم، ناهيك عن ملايين مواقع الانترنت المفتوحة على كل شيء ولكل فرد. ومع انتشار ما يعرف بالأجهزة الذكية التي أدمجت التلفزيون بالكومبيوتر بالهاتف المحمول، والتطوير المستمر للتقنيات لجعلها في متناول شرائح أكبر من الناس دون الحاجة إلى معرفة تعلم التقنيات الحديثة، مما جعل أمر التواصل الافتراضي اليوم أكثر شيوعا، فالمتلقي يرى نفسه على شاشة التلفزيون وهو يستخدم كاميرا التواصل عبر سكايب، ويفتح بريده الالكتروني على الشاشة الفضية، ويدخل عبر يوتيوب إلى باقته المفضلة، وبامكانه انشاء قناته الخاصة ويعيش عالمه الخاص. إذا، مع كل هذه الفردية التي نعيشها هل تأثرت علاقتنا بالآخر؟ هل تغيرت طريقة تعاطينا معه؟
برغم هذا البحر الزاخر من قنوات التلفزيون ومواقع الانترنت، إلا ان هناك ما تجدر الإشارة له، فالكل يعلم ان هناك ما يسمى الباقة المفضلة، إذ انك لا تستطيع ان تجري مسحا على هذا الكم الهائل يوميا لذا فانت تلجأ إلى عزل بعض القنوات وتضعها في باقة هي المفضلة لديك. إذا فقد غرفت من البحر ما يهمك، وبضمن هذه الباقة عندما تسأل أفراد أي عائلة عربية، تجد ان سلوك التلقي يكاد يكون متشابها، إذ ان الأب يقلب عددا من قنوات الباقة المفضلة ثم عادة ما يعود إلى البرامج الجادة وغالبا ما تكون البرامج السياسية أو الإخبارية، أما الأم فانها تقلب القنوات ثم تستقر على برامج ربما كانت أقل جدية ولكنها تعتبر من أولوياتها، فبالاضافة إلى الأخبار يمكنها ان تستقر على بعض البرامج الاجتماعية أو المسلسلات أو الأفلام، أما الشباب، فان خياراتهم متنوعة بين قنوات الأغاني أو الرياضة أو الأفلام، والفتيات عادة ما يتوجهن إلى البرامج الاجتماعية الخفيفة والمنوعات والموضة والأفلام، والأطفال بالتأكيد سيختارون قنوات الأطفال والفتيان الثرية بأفلام كارتون وبرامج الأطفال.
أما فيما يتعلق بالمتلقي العراقي، فقد أصبحت هناك عشرات القنوات الفضائية العراقية التي ترسل برامجها عبر الأثير لمتلقيها، ولان هموم المواطن العراقي سياسية في المقام الأول، فأنك تجد هذه القنوات سواء كانت مستقلة أو تابعة لأحزاب، قد توزعت بشكل يتطابق مع الخريطة السياسية الموجودة على الأرض، فالقنوات كما الأحزاب موزعة عرقيا ودينيا وطائفيا، ومن ناحية أخرى هناك قنوات تعبر عن رأي المشاركين في العملية السياسية وأخرى تصب جام غضبها على الحكومة والعملية السياسية برمتها وتربط كل ذلك بالاحتلال الأمريكي ومن جاء بهم من الساسة. وعليه يمكننا معرفة توجهات أو ميول شخص ما من خلال سؤاله عن القناة المفضلة لديه، ويمكننا ان نطبق القول (قل لي ماذا تشاهد؟ أقول لك من أنت) ونحن مطمئنون لهذا المعيار، لان المتلقي العادي عادة ما يذهب تجاه وسيلة الإعلام المطابقة لوجهة نظره ونادرا ما يتوجه لرأي مخالف، أو يحاول ان يسمع الرأي الآخر أو الاقتراب منه.
في الوقت نفسه قد تجد بعض الناس يشتكون من قنوات تلفزيونية، فالبعض يتهم قناة ما بالعمالة لأمريكا أو السعودية أو إيران … الخ، والآخر يتهم قناة أخرى بالترويج للإرهاب – وقد تحوي بعض هذه الاتهامات نسبة من الحقيقة – كما يمكننا ان نجد من يقول ان القناة الفلانية تروج للانحلال الأخلاقي وتدفع الشباب للتخلي عن القيم والأخلاق التي أوصت بها الشرائع السماوية. كل هذه الاتهامات متأتية من خلل تربوي في داخلنا، إذ اننا نطالب كل الناس ان يروا ما نرى، وان تتطابق معتقداتهم مع ما نعتقد، وهذه الحالة المرضية توصف بانها (نقص الديمقراطية في العملية التربوية) التي تبني ثقافة التلقي الخاطئة فينا، ولابد ان نتعلم ان الناس مختلفون في أذواقهم وآرائهم، ويجب ان نتعلم التعامل مع بعضنا وفق قانون صارم هو ان حدود حريتك تقف عند حدود حرية الآخر.
كما باتت وسائل التواصل الاجتماعي بحرا آخر، يبحر فيه الأفراد والشركات والمؤسسات، وأصبحت هذه الصفحات كتويتر وفيسبوك وانستغرام تنافس وسائل الإعلام التقليدية المقروءة والمسموعة والمرئية، وبعد ان أصبحت هنالك امكانية البث المباشر على فيسبوك، بات أي إنسان صاحب قناة تلفزيونية خاصة يبث من خلالها وجهة نظره ويوصلها إلى متابعيه، وإذا علمنا ان بعض صفحات فيسبوك لها متابعون قد يصلون إلى مئات الآلاف، مما يعني انها تنافس بحق عدد مشاهدي قنوات التلفزيون الرسمية. ان وسائل التواصل الاجتماعي باتت لها ضوابط عمل متعارف عليها، قد تكون غير مكتوبة أو محددة بدقة إلا انها معروفة، لذلك يمكن ان نؤشر على أفراد باتوا أنشط من مؤسسات إعلامية كاملة ومثال ذلك نراه فيما يبدعه بعض الشباب العراقيين مثل الشاعر والصحافي علي وجيه، الذي لا يملك سوى كلماته على صفحات التواصل الاجتماعي لكنه اليوم بات أكثر تأثيرا بكثير من قنوات ممولة بملايين الدولارات، تأثيره الكبير في شرائح واسعة من متابعي صفحته على فيسبوك وهم عشرات الآلاف بات أمرا ملفتا ومدعاة للفرح والفخر فيــمــا يمثله هذا النجاح، وكذلك مجاميع الشباب التي تســعى لنــشر المــعــرفة مثل صفحات «مكتبة بغداد» أو «الفكر الجديد» المعنية بنشر المعرفة في المجتمع بقدرات محدودة لكنها ذات تأثير أكبر من مؤسسات إعلامية.
نحن اليوم أمام بحر من المعلومات والمتع والترفيه عبر كل وسائل الاتصال، ومع ذلك نجد من يتذمر من حصار ما لا يحبه أو لا يتطابق ووجهة نظره من وسائل إعلام ومواقع انترنت وصفحات تواصل اجتماعي، وهنا يمكننا ان نوصي انفسنا والآخرين من حولنا ونقول ان هناك شيئا اسمه «ديمقراطية الريموت كنترول» فلماذا تتضايقون وتتذمرون من صفحات فيسبوك أو التويتر وأمامكم ملايين الصفحات المليئة بما قد يتطابق ووجهات نظركم أو ميولكم، وأنت الوحيد الذي تستطيع ان تختار أو على الأقل ان تتفق مع الحلقة الضيقة من العائلة المحيطة بك وان تبتعد عن ما يرفع ضغطك وسكرك وانت تشاهد ما لا تتفق معه؟ فاذا كانت لديك القدرة على ان تشاهد وتسمع الرأي المخالف وان تتفهم دوافعه، فلك ان تذهب إلى أي قناة أو صفحة انترنت أو فيسبوك وتسمع وجهة نظرها في أي موضوع، أما إذا كنت، ممن يضعون على عيونهم أي نوع من محددات الرؤية، فالأفضل ان تشاهد ما يتطابق ووجهة نظرك وعندها سترتاح وتريح.

٭ كاتب عراقي

نحن والآخر وثقافة التلقي

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية