في ضجيج الحياة وصخبها وفوضى الظواهر التي تحيط بنا تتوه الحقائق… في عالمٍ صار أكثر تعقيداً وأكثر تشبعاً بالصورة، مقارنةً بالقرون السابقة.
تتوارى السمات العامة والأساسية، تختفي تحت ركام التفاصيل، كل منها يبدو أساسياً ومستقلاً؛ إلا أن كل التفاصيل تتضافر لتصنع نسيجاً يتم تعميده تحت مسمى الحياة الطبيعية أو العادية… يتم قبول كل ما هو قائم وإضفاء العقلانية عليه، وبالتالي تصبح مساءلته، ناهيك عن الاعتراض عليه، جريمةً مستهجنة وخرقاً لنواميس الكون وقوانين المجتمع وأعرافه…
من هنا نفهم كم اللعنات والمحرمات التي تحاصر كلماتٍ على رأسها «لا»، تلك التي تدشن التمرد والرفض، و»لم» التي تستنكر وتتساءل عن الحق والمشروعية، و»كيف» التي تنضم إليهما لتفكك الأساطير والأكاذيب التي ترسخ الوضع القائم. كذلك الحال مع كل الأسئلة التي تنقب عن المستفيدين وتنظر في العلاقات والمسببات.
غير أن كل الأسوار والسرديات التي تحاصر العقل النقدي ونوازع التمرد تتداعى في النهاية تحت مطارق الواقع الموضوعي في صورة الأزمات والانهيارات والثورات، فتتساقط الصور وتتنحى التفاصيل متراجعةً، ووحدها السمات الرئيسية تبقى بارزة للعيان ولا يعلو صوتٌ أو تعليقٌ على التساؤلات الناقدة التي تزلزل أسس الوضع القائم… هذا هو درس التاريخ..
كل ما سبق ينطبق بامتياز على الأزمة اليونانية…أو بالأدق على أزمة الرأسمالية في اليونان، إذ تتخطى في عمقها ومغزاها منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي. لقد انضمت اليونان إلى ذلك الاتحاد شوقاً وطمعاً في اللحاق بـ»نادي الأثرياء» والمتقدمين من دول شمال أوروبا وغربها الأكثر تقدماً وعصريةً وثراءً، ولعل ذلك الشوق إلى الغرب كان دائماً يتسلط عليها وهي ترزح تحت وطأة امبراطوريةٍ عثمانيةٍ شرقية متخلفةٍ دموية ومريضة، خاصةً أن الثقافة الغربية جعلتها أيقونة حضارةٍ وهوية واتخذتها منبعاً لنهضتها إبان عصورها المظلمة. لكن اليونانيين اكتشفوا مع الوقت أن الحلم الذي بيع لهم كان وهماً، وإن شئنا الدقة «نصباً»، وأن التفاوتات بين الدول لم تبق فحسب وإنما تفاقمت، فأغناها قبل الاتحاد الأوروبي ظلت أغناها بعده وأقواها. المثال الأقرب والأكثر حضوراً على ذلك هو ألمانيا التي جمدت الزيادة في المرتبات لتبقي على تميزها التنافسي، فإذا أضفنا إلى ذلك موقعها الأقوى من الأساس وفائض النقد لديها، بتنا أقرب لفهم الضعف والتضعضع النسبي لاقتصادٍ أصغر وأضعف كاقتصاد اليونان، حرم من المقدرة الفعلية على النمو. خبراء اقتصاديون أيضاً علقوا على ما رأوه مشكلةً جوهرية في منطقة اليورو، تتمثل في غياب آلياتٍ تخفف من حدة التفاوتات عن طريق حركة السيولة النقدية.
لكن كل ذلك في الحقيقة يندرج تحت بند التفاصيل، أما الأساس فأبسط وأكثر نصاعةً، ذكرتنا به الأزمة الاقتصادية العالمية مذ بدأت في 2008: أن النظام الرأسمالي مأزومٌ مأزومٌ مأزوم. نظامٌ يعتمد على التنافس المحطم والاستغلال وتصدير التناقضات ويؤدي بالضرورة للأزمات والانهيارات، وأن هذه ليست عرضاً طارئاً وإنما نتيجة عضوية في صلب تكوينه. تلك هي الحقيقة الأساسية التي نتناساها ونشيح بوجوهنا عنها اعتماداً على معجزةٍ أو صدفةٍ تمنع الانهيار أو على الأقل تخفف من وطأته. وقد ساعد على تكريس وهم استقرار الرأسمالية ذلك فترة النمو الطويلة عقب الحرب العالمية الثانية حتى أزمة السبعينيات معطوفاً عليها إخفاقات الاتحاد السوفييتي، وما تبدى من فشله، الأمر الذي أحبط آمال قوىً يسارية عديدة خدعت به. كل ذاك أوجد انعكاساً له في فلسفات ما بعد الحداثة التي اختزلت الواقع الموضوعي إلى مجرد سرديةٍ بين سردياتٍ أخرى، ونزعت عنه لحمه ودمه وساوت بين الصراعات الواقعية الدامية والعنيفة وبين الأساطير والأوهام.
لقد أعادت الأزمة الاقتصادية الاعتبار للواقع، كما فعلت الثورات العربية وحطمت الكثير من الأوهام. ما حدث في اليونان، إحدى أضعف الحلقات في الاقتصاد الأوروبي، مثل هزةً عنيفة ومخيفةً لتلك المنظومة. نحن هنا أمام شعبٍ أرهقته سياسات التقشف التي تمليها الاقتصاديات الأقوى في أوروبا، وعلى رأسها ألمانيا وهيئات التمويل كصندوق النقد الدولي، فتنامى لديه وعيٌ اجتماعي-اقتصادي وطبقي قوي، عبّر عن نفسه في انتخاب تحالف قوى يسارية، سيريزا. المدهش في اليونان أن جماهير العاملين من النقابيين والعمال (كعمال الموانئ مثلاً بما لهم من حضورٍ اقتصاديٍ مهم) صاروا يجنحون يساراً بسرعة مذهلة على وقع الأزمة، جارين وراءهم السياق السياسي، فلم يكن أمام حكومة سيريزا سوى الرضوخ واللجوء للاستفتاء؛ ولئن دفعتهم النزعة الإصلاحية إلى استغلال ذلك في محاولةٍ لإثبات واقعٍ أمام القوى الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا ربما لغرضٍ تفاوضيٍ بحت في المقام الأول للضغط وتحسين شروط الصفقة، فإن الجماهير التي وضعتهم في سدة الحكم تهدد بالإضراب العام في حال التصويت على استمرار سياسات التقشف. لقد قالوا كلمتهم: لا… تلك الكلمة القديمة التي لا تعرف الهرم… قالوها بتحدٍ وهم يرون عنجهية رد الفعل الأوروبي ومحاولات العقاب المهين والتركيع، ذلك الموقف الذي يغذيه خوفٌ مضاعف من امتداد «عدوى» التمرد إلى دولٍ أخرى، على رأسها إسبانيا، رابع أكبر اقتصادٍ في أوروبا، حيث يراقب حزب يوديموس هو الآخر عن كثب تطورات الأحداث في اليونان، مصرحاً عن مشروعه المشابه رفضاً لإملاءات الكبار وهيئات التمويل و»علاجات الصدمة» الاقتصادية المفقرة المهينة لقطاعاتٍ بالملايين من العاملين.
يخوض اليونانيون العاملون، بنقابييهم وعمال الموانئ والمصانع وتنظيمات وتجمعات الشباب اليساري والمتقاعدين، صراعاً حقيقياً، والسؤال الجوهري هو: أين نحن منهم وما هو الدرس؟
لسنا أول من يسأل هذا السؤال، فكل العالم يراقب، لكنه يصبح أكثر إلحاحاً في حال شعوب الجنوب والعالم الثالث، خاصة غير المنتجة للنفط، التي مصت دمها الدول الرأسمالية «المتقدمة». مصر، على سبيل المثال، عرفت تاريخياً تقارباً مع اليونان وتبادلاً ثقافياً عميقاً ومهماً. ربما نجت اليونان من صراعات الهوية واستلهام واسترجاع الحلول من التراث التي سحنا فيها في مصر وخضنا صراعاتنا على مسارح الخلافات وساحات الاجتهادات التي لم تُحل في حينها وربما لن تُحل أبداً، تلك التي استثمر فيها النظام فامتصت الكثير من كوامن الغضب الاجتماعي وسكنت نزعات التمرد والرغبة في التغيير الاقتصادي والاجتماعي، إلا أن النموذج اليوناني ما يزال الأكثر قرباً منا بفعل عوامل التقارب التاريخي والجغرافي والمشترك الثقافي.
في لقاءٍ حاشدٍ في لندن استضاف بتروس كونستانتينيو، أحد قادة حزب العمال الاشتراكي اليوناني والعضو المنتخب في مجلس أثينا المحلي وأحد كبار المنظمين للإضرابات وحملة الضغط التي فرضت الاستفتاء، عبر عن رأيه صراحةً في أنه إذا كانت كل العيون مسلطةً على اليونان، فلا بد من التأكيد على كون ثورة يناير المصرية هي أهم ما حدث في العالم في السنوات الماضية، ولعله بذلك يؤكد على ما عبر عنه يساريون يونانيون كثر من كون الثورة المصرية مصدر إلهامٍ أساسي لهم حتى حاكوها في احتلال الميادين وأطلقوا على أحدها ميدان التحرير اليوناني.
لن أقول جديرٌ بنا وإنما يتحتم علينا أن نتعلم من النموذج الشعبي اليوناني. ليس الخلاص والتحرر في الاستمرار في السياسة النيوليبرالية نفسها التي أفقرتنا وحطمت وفسخت مجتمعاتنا، حيث يستأنف السيسي من حيث وقف سلفه، مع فارق الإقدام بحماقة على ما لم يجرؤ عليه مبارك من التملص من البقية الباقية من التزامات الدولة. لقد أرشدنا اليونانيون للطريق: التنظيم السياسي والحشد والحراك الشعبي ومن ثم قول «لا» وفرض الإرادة والسيطرة.
٭ كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل