كان الطفل يبكي جوعاً. أمه المشفقة لم تستطع أن تقدم له شيئاً، فلما ازداد بكاؤه وجدت تلك الأم نفسها تضربه بشدة حتى مات.
ليست هذه قصة من نوع القصص القصيرة جداً التي تعتبر صيحة جديدة في عالم الأدب، بل حادثة واقعية حدثت خلال حصار مخيم اليرموك الفلسطيني في دمشق. ذلك المخيم الذي وجد قاطنوه أنفسهم فجأة عالقين ضمن حرب وصراعات، لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
يلخص هذا المشهد الذي لا يعد سوى أحد الأمثلة التي تكررت في أكثر من مكان على مسرح العبث السياسي والأخلاقي الذي نعيشه، يلخّص ما نعنيه من أن مفهوم ضحايا الحروب والصراعات يجب ألا يقتصر على ما ينصرف إليه الذهن عادة من قتلى ومصابين إصابات جسدية خطيرة أو مستدامة، بل يجب أن يتسع ليشمل أولئك الذين أصابت مشاهد الحرب والترويع أنفسهم بما هو أخطر أحياناً وأعظم من الإصابات التي ترى بالعين المجردة. هذه المرأة التي ضربت طفلها، والتي نستطيع أن نخمن أنها كانت جائعة هي الأخرى، لم تكن بالتأكيد في وعيها الكامل، مثلها مثل أولئك الذين تحولوا فجأة لمجرمين داخل المخيمات ومناطق الحصار، الذين يعتدون أحياناً على جيرانهم، بل على أفراد أسرهم بشكل قاسٍ ولأسباب تافهة، بل بدون سبب واضح أحياناً.
مشكلة هذه الجرائم هي أن المتسبب فيها في الغالب يفلت من العقاب، حيث لن ينظر القانون إلا لمرتكب الجريمة المباشر، أما الآخر الذي تسبب في خلق هذه الظروف الاستثنائية التي جعلت الأم تقتل ابنها، والقريب يعتدي على قريبه أو جاره، هذا الآخر لن يسائله أحد، وهو بدوره سينكر ببساطة أي علاقة له بالأمر.
في منطقة أخرى مبتلاة بالصراعات الطائفية والمناطقية كالعراق، يبدو العنف منتشراً على كل المستويات، فبالإضافة إلى العنف الظاهر الذي تنقله شاشات التلفاز، ويتم الاهتمام بتغطيته وعد ضحاياه، يجد الباحثون في العلوم النفسية والاجتماعية أن هناك أنواعاً من العنف الموازي، لكن الخفي على صعيد الأسرة الموتورة والمتوترة، التي يفرغ فيها الوالد غضبه وضغوط حياته أحياناً على جسد زوجته وأطفاله، وهو ما ينعكس على نفسية الأبناء، الذين سيتشرب كثير منهم ذلك العنف الذي أصبح جزءاً من حياتهم. بعض هؤلاء الأبناء سيصاب بعاهة مستديمة أو إعاقة، والكثيرون منهم سيكونون مستعدين لممارسة أنواع من السلوك العنفي، مقابل رفاق المدرسة أو الجيران أو غيرهم.
ما يقال عن الاعتداء الجسدي يمكن أن يطبق على التحرش والاعتداءات الجنسية، فكثيراً ما نكتشف أن أعتى المجرمين في هذا المجال لم يكونوا سوى ضحايا سابقين في طفولتهم لممارسات قهر وظلم واعتداء جنسي أو جسدي، ما أثر على تحوّر نظرتهم للعالم، وبشكل خاص للمجتمع الذي يعيشون فيه وولّد لديهم خاصية توحّش فريدة وشعور بالرغبة في الانتقام لا ممن اعتدى عليهم، بل من أبرياء جدد لا علاقة لهم بالقضية.
هذا يذكر بما تم تسليط الدور عليه بكثافة إبان وصول الموجة الأولى من اللاجئين السوريين إلى أوروبا، حيث اهتم الإعلام بنقل حوادث الاعتداء على الفتيات التي مارسها بعض الشبان الواصلين حديثاً إلى البلاد، واستطاعت أصوات اليمين الرافضة مبدئياً لاستقبال المهاجرين أن تضخم تلك القضية، وأن تستخدمها في التحذير من كون اللاجئين هم مجرد مجرمين ومتحرشين يجب عدم استقبالهم أو العطف عليهم.
لا يستطيع أي أحد تبرير ما حدث آنذاك، خاصة أنه كانت فيه إساءة ليس فقط لصورة اللاجئ السوري، بل لصورة العرب والمسلمين واللاجئين بشكل عام. لكن أي عاقل، بما في ذلك الكثير من الأوروبيين، خاصة في ألمانيا، كان يعلم أن تناول تلك الحوادث والحديث عنها بتعميم لم يكن سوى عمل لا يخلو من الشر والغرض.
هذه الحوادث وغيرها تعكس بعض الشروخ النفسية التي أصابت ذلك الجيل الذي عاش ظروف الحرب والقتل على الهوية، والحصار والتجويع، ثم السفر عبر الطرق الخطرة والبحر العميق، في محاولة لصيد مستقبل مجهول. هي حوادث تخبرنا أن أولئك الشباب لا يحتاجون فقط للدعم المالي والمادي، بل يحتاجون، وربما بشكل أكبر للدعم النفسي، الذي قد يجعلهم ينسون، ولو بشكل جزئي، مرارات الماضي من أجل الانطلاق لبناء مستقبل جديد.
كيف يمكننا أن نتوقع أن يعود لممارسة حياته ببساطة من أصبح فجأة يتيم الأبوين، بل من شاهد بأم عينيه مقتل والديه أو اغتصاب قريبة له أو من تعرض للحبس والانتهاكات داخل أقبية هذه المجموعة أو تلك؟ الأمر بنظرنا يتسع ليشمل أيضاً ما يسمى بتنظيم «الدولة الإسلامية» الذي لا يعد فقط إرهابياً ولكن فوضوي أيضاً بالمعنى الغربي الذي يطلق لفظ الفوضوية على تلك الجماعات ذات الايديولوجيا الرافضة لنظام الدول والحدود. لن يكون من السهل على الكثيرين وصف ذلك التنظيم المتوحش بالضحية التي نتجت عن بيئة صراعات قاسية، خاصة أن هناك من المنتسبين إليه من عاش ظروفاً مختلفة في دول الرفاه الغربية، التي هي أبعد ما تكون عن مثل هذه الآلام النفسية، إلا أن الحقيقة الواضحة هي أن جوهر وأساس أفكار التنظيم إنما تشكلت تحت ضغط ذلك الواقع القاسي من المشاهد اليومية للقتل على الهوية والاغتصاب والاعتداءات والتواطؤ، أو ما اعتبر تواطؤاً، من السلطات الرسمية وأجنحتها الشرعية والعلمية.
هذا يفسر على سبيل المثال مبدأ «تكفير الصامتين» الذي نستنتجه من استهداف التنظيم لكل من يخالف آراءه وفتاواه المريضة، خاصة من المثقفين والعلماء من أهل السنة، وهو المبدأ الذي سيصب الكثير من الزيت على النار في كل مكان وطأته أقدام ذلك التنظيم، ففي سوريا وحين ينشغل الجميع بمحاولة دفع الظلم والتدافع للصمود وسد الحاجات الأساسية للسكان، نجد أن التنظيم لا ينشغل إلا بتطهير المكان من الجماعات التي تقول إنها إسلامية، في حين أنها معادية للإسلام والشريعة، بحسب فهمه، مما يحرف الصراع والمواجهات عن مسارها ويجعل من ذلك التنظيم المهووس أداة يسهل استغلالها وتوجيهها من قبل الكثير من الأجهزة الاستخبارية، بل أكثر من ذلك فإنه حتى في حالة سيطرة التنظيم على بعض المناطق فإنه يفشل في كسب قلوب السكان لصالحه، حيث يتعامل مع أي اجتهاد أو اختلاف أو حتى مجرد نصح على أنه تخذيل وكفر يجب أن يقابل بالتعذيب والسيف، مدعياً أن هذا هو منهج النبي وحاشا أن يكون ذلك هو منهجه – عليه الصلاة والسلام، بل لو كان هذا هو منهجه لما عاش الإسلام إلى يومنا هذا.
إننا نذكر كل ذلك لتقرير حقيقة مفادها أن كل هذه التداعيات لن تنتهي ولن تتوقف وسوف تظل تلد وتنتج كل يوم مآسي جديدة ما لم يتحرك العالم ليس فقط باتجاه رعاية واحتضان ضحايا الحرب، وإن كانت هذه أولوية آنية ولا شك، بل باتجاه العمل الجاد على وقف تلك الحروب والصراعات وتقديم المسؤولين عنها وعن جميع ما احتوت من انتهاكات إلى محاكمات عادلة وتاريخية.
كاتب سوداني
د. مدى الفاتح