لم يؤمن العراقيون سابقا بالعفوية في قراءاتهم للأحداث الخطيرة التي مر بها بلدهم، الذي كان هدفا دوما للتدمير والإذلال. فعملية الحصار مهدت وسهلت عملية احتلاله، ومن ثم تدمير بنيته التحتية والاجتماعية، ورسخت الطائفية التي جاءت بإيران واحزابها إلى الحكم.
كما لم تؤمن الأغلبية منهم، في وقتنا هذا، بعفوية تطورات الحراك الأخير الذي يشهده الشارع العراقي، بإلقاء اللوم على انقطاع الكهرباء وانعدام الخدمات، التي لم تكن أصلا موجودة منذ 12 عاما، ومن ثم تصديق ما ينشر ويقال عن رد فعل رئيس الوزراء وعضو حزب الدعوة حيدر العبادي، في عزمه على محاسبة المقصرين وطرد الفاسدين، غداة غليان الشارع العراقي، الذي لا يعدو في حقيقته سوى خطوة هدفها ذر الرماد في العيون، تسمح لمن يريد البقاء في كرسي الحكم من زعماء الأحزاب الدينية والمليشيات، وبالتالي الاستمرارية في السرقة والطائفية، في الوقت الذي تتزايد حدة المظاهرات وتأخذ طابعا مدنياً جديدا عابراً للطوائف، بعيدا عن الأحزاب السياسية المعروفة.
ثمة مؤشرات جديدة واضحة أثبتتها طبيعة الحراك الاجتماعية والثقافية، وتعدد مكوناته الناشطة. من دون شك، أن ما نراه ونلمسه هو إشارة لولادة معادلة سياسية جديدة تـُنذر بدخول البلاد في صراع سياسي واجتماعي بين الأحزاب الدينية الحاكمة من جهة، والمكونات المسحوقة للمجتمع العراقي العابرة للطوائف، بعد ان كشفت الثلاثة عشر عاما من حكم الأحزاب الطائفية زيف الواجهة الدينية التي يحملها حكام العراق، حيث يرى الكثيرون في ترديد الشارع العراقي «بالدين باكونا الحرامية»، والهتاف بصورة علنية، يمثل نوعا من التغير في صورة المشهد السياسي العراقي، وبدء مراحل تحوله من صراع طائفي (شيعي ـ سني) إلى صراع سياسي وثقافي بين الأحزاب الدينية الحاكمة، والتيارات الوطنية المدنية المعارضة، والمطالبة بالعودة للحياة المدنية، وإنعاش وضع العراق المالي والسياسي والاجتماعي، والذهاب إلى حد الإشارة باستقالة رئيس الوزراء العراقي من حزب الدعوة، وسلخ نفسه من شرنقة هذا التجمع الطائفي والنخبة الدينية الفاسدة، بعد ان فشلت «أحزاب إيران» في إصلاح نفسها، من خلال إصلاح النظام السياسي الحالي القائم على المحاصصة الطائفية، وهذا ما يبشر بخير في الحسابات السياسية المقبلة، حيث ستشكل وحدة الشارع العراقي العابر للطوائف قوة سياسية لا يستهان بها، قادرة على تغيير المشهد السياسي وتنظيم البيت العراقي وتحجيم دور رجال الدين الفاسدين، ومنع زعماء مليشيات إيران من التدخل في الشأن السياسي العراقي.
من هذا المنطق اعتبرت ردود الفعل، التي تضمنتها خطابات هادي العامري وعمار الحكيم ونوري المالكي، وتهديدهم الشارع العراقي، ناهيك عن دعوة مقتدى الصدر الأخيرة للمشاركة في التظاهر وخلط الأوراق، إشارة واضحة لظهور حالة من الذعر لدى زعماء الأحزاب الدينية في العراق، واحتمالات عجز إيران عن السيطرة على تطورات الشارع العراقي، ومن ثم الدفاع عن هذه الأحزاب الطائفية وقادة ميليشياتها وانتشالهم من قصاص الشعب القادم، بعد ان مزق المتظاهرون صور المرشد الإيراني علي خامنئي، ورددوا هتافات «إيران بره بره»، وكالوا الاتهامات للأحزاب الدينية التي اعتبروها لاعبا محوريا في تلويث الحياة السياسية بهتاف «باسم الدين باعونا الحرامية».
وهذا ما يقودنا إلى مغزى أسباب زيارة قاسم سليماني الأخيرة إلى مدينة كربلاء، والمدلول المعنوي المطمئن للتدخل الخارجي في أمور البلاد الداخلية، ومحاولة النيل من الأهداف الوطنية للمواطن العراقي في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وتصفية الحس الوطني وتحقيق الحلم الإيراني في إعادة رسم حدود الإمبراطورية الفارسية، حيث يشكل التدخل الإيراني في بلدنا جوهر الإشكالية للمجتمع العراقي، وأن ما يجري في بغـداد والبصرة ومدن العراق الأخرى من استهداف لحرمات الدولة ومؤســســـاتها وسلب حرية مواطنيها، هو إشارة واضــحـــة لـــبــدء شرارة ثورة عراقية شاملة عــابرة للطوائف ضد الفساد والتبعية للأجنبي.
من هنا أتت الحاجة إلى ضرورة إيجاد الآليات المناسبة لتوحيد القوى الوطنية المدنية، من شخصيات ومنظمات مجتمع وطني في إطار وطني جامع، لمواجهة خطر التحديات الإقليمية التي تهدد مستقبل العراق ووحدة شعبه، بعد ان انكشف دور إيران وعلاقتها بالفاسدين وحمايتهم، والفساد الذي استشرى في مفاصل الدولة العراقية وما تلاه من عمليات التعدي على حقوق التظاهر وحرية الرأي والتعبير تجاه القضايا الوطنية وسيادة البلد. ومن هنا أيضا تأتي الدعوة لإقامة تحالف وطني واسع لدعم مطالب الشارع العراقي الثائر، للتصدي لسياسة الأحزاب الطائفية، يضم مختلف التيارات التي تتوافق برامجها مع التوجهات الوطنية العامة، ومنظمات المجتمع المدني، والشخصيات الوطنية المستقلة على مختلف مستوياتها السياسية والفكرية والثقافية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية، لقيادة الشارع العراقي وتوحيد مطالبه لتحقيق أهداف المرحلة المقبلة في التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وهنا لا بد من اتخاذ الخطوات العملية اللازمة لقيامه في أسرع وقت، انطلاقا من الانتصارات المهمة التي حققتها القوى المدنية، سعيا لبلورة وجمع مطالب الشعب العراقي ودفعها في إطار وطني جامع يعطيها القوة والصلابة. كما أن إقامة تحالف وطني لن تتحقق أهدافه بغياب إدانة صريحة وواضحة لجرائم القوى التكفيرية بحق المدنيين وقدسية الأديان السماوية، ووضع استراتيجية عراقية لوقف نزيف الدماء والتصدي الحقيقي للإرهاب، بعيدا عن المخططات الإقليمية، وصولا لحلول سلمية تكفل تحقيق الحرية والديمقراطية لجميع مكونات الشعب العراقي وتحقيق التنمية والتقدم الاجتماعي، وحماية الجبهة الداخلية وبسط الامن والاستقرار، والبدء بلقاء وطني للشخصيات الوطنية وممثلي التيارات المدنية، لإنقاذ العراق من فخ المؤامرة الأمريكية ـ الإيرانية، التي أخذت ملامحها بالتبلور، في تقسيم العراق إلى كيانات مذهبية وطائفية.
إن الدعوة إلى قيام مجلس يمثل التيار المدني هي ضرورة للانتقال إلى مرحلة واقعية وخطوة لا بد من قيامها ونشرها على نطاق شبكات المنظمات العالمية والأسرة الدولية، للحصول على تأييد عربي واقليمي ودولي لمد يد العون للشارع العراقي، الذي لا يملك القدرة الكافية للصمود أما آلة الإقصاء والبطش التي تديرها الأحزاب الدينية، وهذا ما يلزم ويحتم علينا حمايتها وتوصيل صوتها إلى مراكز القرار الدولي، من أجل حماية العراق وثورة أبنائه في ساحة التحرير في بغـداد والبصرة الفيحاء ومدن العراق. الشارع العراقي سجل هويته الأصيلة، وطنية عراقية. مدنية لا شيعية، لا سنية. إنها ثورة العراقيين، كل العراقيين.
٭ كاتب عراقي
أمير المفرجي