عودنا النظام العربي الرسمي على ان يضيع في دهاليز المفاوضات السرية والعلنية مكاسب الصمود والمقاومة وحتى الانتصار في معاركنا مع العدو الاسرائيلي، لذلك نخشى على غزة من مفاوضات القاهرة، التي يخوض غمار معركتها الوفد الفلسطيني مع العدو الاسرائيلي، وسط ضغوط النظام العربي الرسمي وفي مقدمته مصر. ففي محادثات الكيلو 101 عامي 1973 و1974 ضيع النظام المصري ما حققه الجيش المصري من انتصارات عظيمة حين عبر قناة السويس ووصل الى ممرات سيناء الاستراتيجية في حرب اكتوبر 1973، وادى تضييع النصر العسكري الى اتفاقات كامب ديفيد التي حيدت مصر وفرضت عليها تطبيعا قسريا مع اسرائيل.
وفي محادثات الخيمة السورية الاسرائيلية ضيع نظام حافظ الاسد صمود ومقاومة الجيش السوري في حرب تشرين، حين قبل باتفاقية تبقي القنيطره منزوعة السلاح وتبقي الاحتلال الاسرائيلي للجولان، والاهم انها تتضمن تعهدا سوريا بعدم القيام بأي عمليات عسكرية ضد اسرائيل من الجولان . لذا كان نظام حافظ الاسد وابنه بشار الاسد يستخدمان لبنان كأرض مواجهة مع اسرائيل.
وبعد صمود المقاومة اللبنانية وانتصارها عسكريا ـ حين خلقت توازن الرعب مع اسرائيل ومنعت اسرائيل من تحقيق اي انتصار عسكري ـ تدخل النظام العربي الرسمي لتحقيق هدنة في جنوب لبنان وانسحاب الجيش الاسرائيلي، مقابل ان تتعهد المقاومة اللبنانية بعدم مهاجمة اسرائيل.. فتحول حزب الله من حزب مقاوم الى حزب مسموح له ان يقاتل فقط مع النظام السوري ضد شعبه.
لذلك نخشى على غزة من مفاوضات القاهرة الجارية برعاية المخابرات المصرية، وليس وزارة الخارجية المصرية العريقة بدبلوماسيتها، لان النظام العربي الرسمي الــــذي سلم النظـــام المصري ملف غزه لا يريـــد ان تخرج حركة حماس بأي انتصار سياســي من معركـــة الصمـــود والمقاومة في غزة، التي قادتها حركة حماس مع تنظيم الجهاد وبقية الفصائل الفلسطينية، بهدف اساسي وهو فك الحصار المصري والاسرائيلي عن القطاع.
ان النظام العربي الرسمي الذي يعادي حركة الاخوان المسلمين ـ التي كانت احدى ادوات بعض الانظمة العربية لمحاربة المد القومي واليساري في المنطقة ـ يلتقي مع النظام المصري في عدم اتاحة الفرصه لتحقيق اي انتصار سياسي لحركة حماس، وحتى للمقاومة الفلسطينية، بعد هذا الصمود الفلسطيني والمقاومة البطولية التي سطرها المقاومة وفلسطينيو غزة.
نخشى على المقاومة الفلسطينية من ضغوط النظام المصري، الذي هو جزء من النظام العربي الرسمي، في المفاوضات التي تجري في القاهرة، خصوصا ان موقف النظام المصري لم يكن مشرفا خلال ايام الحرب.
تأتي المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية في القاهرة وسط ضغط اعلامي لمروجي فكر الهزيمة وثقافة الاستسلام، يركز على اظهار ان حركة حماس والمقاومة هي سبب دمار غزة، بعد ان رفضت في الاسبوع الاول المبادرة المصرية لوقف اطلاق النار. ويشكك مروجو فكرالهزيمة وثقافة الاستسلام بالانتصار الذي حققته غزة وفلسطينيوها وعبر اعلامهم يطرحون التساؤلات بخبث عما هي الانتصارات التي تحققت، وقد تدمرت غزة وفقدت نحو الفي شهيد (هم يقولون قتيل) واكثر من خمسة الاف جريح؟ ويتناسى هؤلاء حالة الرعب التي عاشتها اسرائيل من الصواريخ الفلسطينية، ويتناسى هؤلاء ولا يظهرون المعارك الشرسة التي واجهت بها المقاومة جيش الاحتلال وجعلته يفقد ـ باعترافه ـ 70 عسكريا من نخبة جيشه، واكثر من اربعمئة جريح، وهي اقسى خسائر يمنى بها الجيش الاسرائيلي منذ حرب اكتوير 1973 . ولا يتحدث اعلام هؤلاء عن انسحاب احادي الجانب للجيش الاسرائيلي المعتدي، خوفا من دخول غزة وايقاع المزيد من الخسائر به.
وهذه التساؤلات يطرحونها ضمن الضغط الذي سيمارس على فلسطينيي التفاوض في القاهرة، حتى يرضخ المفاوضون لما سيمليه عليهم النظام المصري من شروط لاعادة فتح المعبر المصري مع مصر، وحتى يبدو ان اي مكاسب سياسية ستتحقق فقط عن طريق السلطة الفلسطينية التي يعتبرها النظام العربي جزءا منه.
لذا نخاف على شعب غزة الان اكثر من خشيتنا عليهم ايام العدوان عليهم.
٭ كاتب أردني
سليمان نمر