نداء تونس وشبح الهزيمة في الاستحقاقات المقبلة

حجم الخط
2

تونس ـ «القدس العربي»: أعلن أعضاء اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لحركة نداء تونس عن استقالتهم من جميع هياكل الحركة بعد النتائج التي تمخضت عن مؤتمر سوسة الأخير الذي أثار الكثير من الجدل. وفي المقابل أصر أعضاء هذه اللجنة على التمسك بالبرنامج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للحزب وعبروا عن رغبتهم في العمل من أجل تجسيده واقعا في مختلف جهات الجمهورية والقطاعات المعنية.
وتضم هذه اللجنة قيادات هامة ومؤثرة في الحزب وخارجه ساهمت في بناء حركة نداء تونس منذ انبعاثها وتم إبعادها في مؤتمر سوسة عن المناصب القيادية. ومن بين هؤلاء المستقيلين وزير النقل الذي تم منحه حقيبة الشؤون الاجتماعية في التعديل الوزاري الأخير، محمود بن رمضان، ووزراء وسفراء من زمني بورقيبة وبن علي منهم فائزة الكافي وعفيف شلبي وأحمد ونيس وأحمد السماوي، ورجال أعمال فاعلين مثل منير بن ميلاد وكذلك فنانين ومخرجين سينمائيين.
انعكست أزمة حركة نداء تونس والإنقسامات الحاصلة في الحزب على الحكم برلمانا وحكومة وبات يخشى معها من إجراء انتخابات سابقة لأوانها لا يتحملها الوضع الاقتصادي في البلاد. فعلى إثر انعقاد المؤتمر التأسيسي «التوافقي» للحزب في مدينة سوسة الساحلية سارعت دفعة جديدة من النواب إلى الإستقالة، البعض من الكتلة النيابية والآخر من الحزب مع البقاء داخل الكتلة، وهدد وزراء في الحكومة من المنتمين إلى الحركة بالإستقالة أيضا بعد أن وجدوا أنفسهم خارج المكتب السياسي الجديد المنبثق عن المؤتمر، والذي تم تعيينه بالكامل ولم تجر انتخابات بشأنه مثلما هو معمول به في الأحزاب الديمقراطية.
وحسب مصادر فإن رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي كان سيتدخل شخصيا لإقالة وزيرين «متمردين» استقالا من الحزب، لكن تم إقناعه بالتراجع في هذا الظرف الصعب الذي يتطلب استقرارا على مستوى الحكومة. ومن المتوقع ان يبادر إلى اتخاذ جملة من القرارات الحاسمة بشأن حركة نداء تونس والبرلمان والحكومة ولا يبدو أنه سيتراجع عن تحالفه مع حركة النهضة الذي كان السبب الرئيسي في هذه الإنقسامات داخل النداء، إضافة إلى أسباب أخرى.
فالملاحظ أن الأحزاب «العلمانية» التونسية التي تحالفت مع حركة النهضة انتهت جميعا إما منقسمة أو منهزمة هزيمة مدوية في أول استحقاق انتخابي يلي هذا التحالف وهو المصير المتوقع لحركة نداء تونس. فقد انقسم في السابق حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي يرأسه المرزوقي إلى ثلاثة أو أربعة أحزاب وهي حركة وفاء برئاسة أحد الأمناء العامين السابقين للحزب، المحامي عبد الرؤوف العيادي، وحزب الإقلاع برئاسة النائب السابق في المجلس الوطني التأسيسي الطاهر هميلة إضافة إلى التيار الديمقراطي برئاسة أمين عام سابق لحزب المؤتمر أيضا وهو المحامي محمد عبو، واستمر حزب المؤتمر بتركيبة جديدة لكنه انهزم في الإنتخابات التشريعية الأخيرة. أما حزب التكتل من أجل العمل والحريات فقد كان المحبذ لدى جماهير التيارات الحداثية وأقبلوا على الإنخراط فيه ومساندته مباشرة بعد الثورة، لكن بمجرد دخوله في ائتلاف حكومي مع حركة النهضة بعد انتخابات 23 تشرين الاول/أكتوبر 2011 بدأت جماهيره بالتوجه صوب حركة نداء تونس التي بنت خطابها في البداية على معاداة الحركة الإسلامية. ويفسر البعض هذه الظاهرة بعدم قبول فريق من التونسيين إلى الآن التعايش مع الإسلام السياسي وعدم ثقتهم في ما يقدمه من أطروحات وخشيتهم على بعض ما تحقق في السابق من «مكاسب حداثية» أنجزتها دولة الإستقلال.
ويتوقع كثير من المراقبين أن تفشل حركة نداء تونس في أول امتحان انتخابي مقبل سواء تعلق الأمر بالإنتخابات الجهوية والمحلية أو بانتخابات تشريعية سابقة لأوانها يمكن أن تحصل في مقبل الأشهر. ويعتبر جانب هام من الجماهير التي منحت ثقتها لحركة نداء تونس أن الحزب ورئيسه قد خانوا ثقة الناخبين بالتفافهم على ما وعدوا به وخصوصا في الجانب المتعلق بالموقف من حركة النهضة، وذلك بالرغم من إدراكهم ان الحركة الإسلامية فائزة بعدد معتبر من المقاعد تقتضي عدم تجاهلها في تركيبة الحكم لمن يروم الحفاظ على استقرار البلاد في هذا الظرف الإستثنائي الذي تعيشه.
كما أن رئيس حركة نداء تونس السابق ورئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي هدف من تحالفه مع حركة النهضة، إلى طي صفحة خلافات الماضي القريب بين الدساترة والإسلاميين وتحقيق مصالحة تاريخية تجنب الأجيال الآتية الإقتتال والتناحر. فتاريخ تونس يصفه البعض بأنه «تاريخ كلما جاءت أمة لعنت ما قبلها» وبالتالي وجب القطع مع هذا السلوك وتغيير العقليات نحو مزيد القبول بالآخر وتطوير الشراكة من أجل الوطن وحقنا للدماء، خاصة وأن البلاد كانت ستعرف خلال السنتين الماضيتين حربا أهلية لولا تدخل العقلاء من المجتمع المدني الذي رعى حوارا وطنيا آلف بين القلوب مهدت له لقاءات أذابت الجليد بين الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي.

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية