أصيلة ـ «القدس العربي»: رغم أن الفيلسوف والسينمائي الفرنسي ينظر بعين الريبة إلى إمكانية تحقق اقتباس الأعمال الروائية في السينما، إلا أن مشاركين في ندوة في الموضوع بعنوان «الفيلم والرواية في سينما الجنوب» يصرون على خلاف هذا الرأي. إذ نجحت السينما في نظر هؤلاء المشاركين، خاصة المخرجين والممثلين منهم ، في أن تنقل، في حالات عديدة، الرواية إلى الشاشة، وأن تكون جسرا إلى الأدب للقارئ.
غير أن هذا الرأي لا يبدو كذلك في نظر الباحث المغربي محمد نور الدين أفاية، إذ يرى أن العلاقة بين الرواية والفيلم علاقة ملتبسة وخاصة. فهو إن كان يشير إلى أن الاقتباس من الرواية مع ظهور ثقافة السينما، فإنه يتساءل، في الآن ذاته، عن السبب الذي يجعل السينمائيين يقبلون على اقتباس الأعمال الروائية، وعن أوجه التشابه والتمايز بين الرواية والسينما.
في معرض إجابته عن هذا السؤال، يتوقف أفاية عند أربع نقاط أساسية: التخيل بين الرواية والفيلم، الصورة، المونتاج، وأخيرا الاقتباس وسؤال الأمانة للنص الروائي. في هذا السياق، يقول أفاية إن هناك أفكارا لا يستطيع التعبير عنها سوى السينمائي، مشيرا إلى أن السينما استطاعت، حتى الآن، أن تستثمر في جميع الفنون الأخرى، بما فيها الموسيقى والمسرح والرقص والسيرك، والأدب أيضا. كما يوضح أنه في الوقت الذي تستند فيه الرواية إلى اللغة، تعتمد السينما عدة سمعية بصرية، مؤكدا أن السينما تحول الصور بالصور إلى صور، بينما تحول الرواية الصور باللغة إلى ألفاظ وصور بلاغية منطوقة (الكلمات والجمل). ويوجز القول باعتبار مفاده أن الرواية تخلق الوهم المجازي عبر السرد، بينما تخلق السينما الوهم البصري عبر الصورة.
وفي الوقت الذي يعتبر فيه أفاية أن السينما المصرية تمثل حالة استثنائية في العلاقة بين السينما والرواية، مستشهدا بما أنجزه المخرج صلاح أبو سيف من أفلام مقتبسة من روايات المصريين نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس، يؤكد أن المخرجين المغاربة الأوائل، أمثال محمد عفيفي وفريدة بليزيد ومحمد البوعناني، لجأوا إلى كتابة سيناريوهاتهم الخاصة.
كما يعتبر الاقتباس فعلا إبداعيا يفترض وجود نص مكتوب وانخراط تام في تصور العمل السينمائي. ومن هنا، يخلص إلى أن العلاقة بين الرواية والسينما هي علاقة وهمية، والاقتباس صياغةً درامية للنص الروائي، مبنية على الحركة وتكثيف الزمن. إلا أنه يميز بينهما، حينما وصف الرواية بكونها عملا فرديا يملك الحرية الكاملة لتفجير الأحداث، والسينما بكونها عملا جماعيا يقوم على التفاوض والتسويات.
ويتناول الناقد المغربي حمادي كيروم العلاقة بين المفهومين من خلال ثلاث نقاط: الأدبية والسينماتوغرافيا وعلم الاقتباس. إذ يعبر، منذ البداية، عن موقف صريح مفاده أنه من لا يفهم الأدب لا يمكنه اقتباس أي فيلم. كما يعبر عن الموقف ذاته في ما يتعلق بالسينماتوغرافيا، معتبرا أنه إذا تحققت القدرة الأدبية في نص ما والسينماتوغرافيا في فيلم ما، آنذاك يمكن الحديث عن الاقتباس.
وفي كلمته الافتتاحية، قال محمد بن عيسى، رئيس مؤسسة منتدى أصيلة، إن اللقاء يجمع بين الكلمة والصورة، مشيرا هو الآخر إلى أن العلاقة بينهما قديمة، ولكنها قليلة في أفريقيا والشرق العربي. كما اعتبر أن الروائي والمخرج، خاصة في هذا العصر التكنولوجي بامتياز، يحتاجان إلى مدّ جسور التعاون بينهما من أجل منتوج سينمائي متكامل، على غرار ما شهدته إيطاليا مع ألبرتو مورافيا. وختم بالإشارة إلى أن هذه الجسور قائمة وجادة في بلادنا، لكنها قليلة، وهي تحتاج إلى التشجيع.
واستعرضت المخرجة فريدة بليزيد تجربتها الطويلة في مجال الاقتباس، حيث توقفت عن مختلف أعمالها السينمائية ومصادرها الأدبية، والفكرية أيضا. وانطلاقا من هذه التجربة، خلصت، خلافا لما قاله الباحث نور الدين أفاية في مداخلته، إلى أن الوفاء للنص الروائي ضروري، لكنها قالت إن المخرج حرّ في التصرف في النص الروائي ما أن يؤدي حقوق ملكيته الفكرية.
تجدر الإشارة إلى أن الورشات التطبيقية، التي استعرضت تجربة مخرجين مغاربة أفارقة في مجال الاقتباس، لم تشهد سوى مشاركة روائي واحد، هو المغربي عثمان أشقرا، صاحب رواية «بولنوار» التي حولها المخرج المغربي الآخر حميد الزوغي إلى شاشة السينما بالعنوان نفسه، إذ انحصر النقاش في موضوع الاقتباس، طيلة أشغال الورشة التطبيقية، بين المخرجين والممثلين. يشار أيضا إلى ان الورشة شهدت سينمائيين من مصر والكونغو برازافيل ومالي والسنغال، فضلا عن البلد المضيف المغرب.
محمد جليد