ندوة في برلين تناقش سؤال الحرية في فلسفة الحبابي

حجم الخط
1

برلين ـ أماني الصيفي: على ضوء مصطلح «القيم»، الذي اختارته مؤسسة ابن رشد للفكر الحر في برلين ليكــــون الموضــــوع الأساسي، الذي تعقد حوله المحاضرات والأمسيات الفلسفـــية لهذا العام، استضافت المؤسسة محاضرة بعنـــوان «حـــرية» عن فلسفـــة التحرر لدى محمد عزيز لحبابي (1922-1993)». وألقى المحاضرة المفكر واللاهوتي الألماني والمتخصص في الفكر الإسلامي ماركوس كنير والكاتب المغربي رشيد بوطيب.
في هذه المحاضرة يقدم بوطيب وكنير عرضًا لمفهوم الحرية والخطاب الفلسفي الذي يدور حوله في الغرب اليوم، ثم تعريفًا للحرية ودلالاتها في الفكر العربيِ/ الإسلامي على ضوء فلسفة الشخصانية الواقعية لدى المفكر المغربي الراحل محمد عزيز الحبابي، خصوصًا التي ناقشها الحبابي في كتابه «من الحريات إلى التحرر» (1956)، الذي قام بترجمته إلى الألمانية ماركوس كنير ونشرته دار «كلاوس شفارتس» عام 2017 تحت عنوان «أحرية أم تحرر؟» وكذلك كتابه «الشخصانية الإسلامية» (1969).
بدأ بوطيب بعرض سريع لمفهوم «فلسفة الشخصانية الواقعية» لدى لحبابي والشخصيات الغربية التي أثرت في فلسفته. يشرح بوطيب كيف أن لحبابي، أو مونيه العرب، كما يُطلق عليه، على خلاف الرأي الغربي الذي زعم بموت الشخصانية كبول ريكور مثلًا، إذ يقول: «لقد ماتت الشخصانية ولم يتبقَ سوى الشخص» في تلك الفترة المعاصرة للحبابي، فقد تبنى الحبابي فكر فلاسفة غربيين مدافعين عن فلسفة الشخصانية الغربية أمثال أيمانويل مونيه (1905- 1950). يرى مونيه أن مفهوم «الفرد»، كنقيض لمفهوم «الشخص»، هو كائن مجرد بدون مسؤوليات تجاه الآخرين من حوله، فالحرية في مفهوم الفرد هي مفهوم لا يقبل التقاسم مع الآخرين وهو ما يخالفه مونيه. وهنا أيضاً، يقول بوطيب: إن الحبابي، متوافقًا مع رأي مونيه، يرى أن الانسان ليس مجرد هوية فارغة المحتوى من السياق الاجتماعي والديني والتاريخي. إذ يرى الحبابي أن الإسلام الذي حرر الفرد من كونه أولًا وقبل شيء عضوا في القبيلة أو العشيرة ليتطور به ليكون شخصًا، كذات مسؤولة لها «حياتها الخاصة واستقلالها الذاتي»، فالفرد في الإسلام يقول الحبابي: «شخص وكفى». فهو إذ يقوم بفعل الشهادة يقوم به بمفرده ويحاسب على أفعاله بمفرده، كما أنه لا فضل لفرد على آخر في الإسلام، بسبب انتمائه لتلك العشيرة أو هذه القبيلة، ولا هو يتحمل وزر خطيئة اقترفها أحد أفراد القبيلة.
ولكن الفرد في الإسلام أيضاً ليس كائنا يعيش وحيدًا في العالم منقطعاً عمن حوله، فالفرد عند الحبابي «لا يتجاوز فرديته نحو الشخص إلا مع الآخرين، فهو بطبيعته ألفة وتواصل» وهو مرتبطً بالآخرين من خلال واجباته ومسؤولياته تجاههم. ولكن الشخصانية التي يدافع عنها الحبابي ليست هي شخصانية مونيه، كما يوضح كنير لأنها تعكس واقع الحبابي كمسلم يحيا مشاكل شعبه المستعمر من جهة، وهي كذلك ليست شخصانية الغربي المسيحي أو الملحد. ولكنها، كما يقول الحبابي «واقعية تستمد مصادرها وتتجه محاورها إلى واقعي كمنتم للعالم الثالث، وكمغربي كانت بلاده مستعمرة سياسياً وعسكرياً. وهي الآن تعاني الاستعمار الاقتصادي والثقافي».
هنا سيسوغ كنير لاختيار الحبابي لفكر هنري بريكسون (1849ـ1941) بالخصوص. إذ يرى كنير أنه في حين أن البرجسونية كانت الاتجاه الفكري الأوسع انتشارًا في الأوساط الفكرية الأوروبية والإسلامية في ذلك السياق التاريخي، إلا أنها، البرجسونية، من جهة أخرى تتوافق مع فكر الحبابي الذي يؤيد وجود «الشخص» أو الفرد الحر الذي يقيد وجود الآخرين حريته. حرية الفرد في فكر الحبابي هي الحرية التي يتقاسمها الشخص مع الآخرين. كما أن البرجسونية لم تقطع تمامًا مع الاتجاهات الروحانية، وهو ما يتبناه الحبابي في دفاعه عن «الشخصانية الإسلامية» والتي تناقش حرية الفرد في الثقافية المغربية الإسلامية. ولكن تلك الثقافة الإسلامية ليست بمعزل عن الثقافة الغربية ومجرياتها. وهنا يرى بوطيب أن فكر الحبابي يحاول أن يفهم الحرية من خلال الفكر الحداثي وليس مضادًا له فالشخصانية الواقعية لدى الحبابي هي نتيجة للحوار بين الثقافة الغربية والإسلامية، ما يعني انفتاح الثقافة الإسلامية على الثقافة الغربية من أجل البقاء على قيد الحياة، بل والتطور.
ينتقل بنا اللاهوتي ماركوس كنير لقراءة السياق التاريخي الذي تمت فيه كتابة الحبابي لكتابه «حرية أم تحرر»؟ متسائلاً عما إذا كان بإمكاننا الفصل بين السياق السياسي والاجتماعي الذي نُشر فيه الكتاب وآراء الكاتب؟ مجيبًا أن الحبابي نفسه يجيب هنا بالنفي. فقد كان سؤال الحبابي الأساسي هو عن كيفيه الانتقال من حالة الحماية الفرنسية عام 1965 إلى حالة استقلال «الأشخاص»؟ فإن كانت البلاد قد تحررت فكيف يعيش الأفراد إذن تلك الحرية؟ وماذا نعني بقيمة الحرية هنا بالنسبة للشخص وكيف يتوجب عليه أن يعيشها؟ يرى كنير أن فهم عملية التحرر وسيرورتها في فلسفة الحبابي لم تكن بمعزل عن السؤال السياسي في المنطقة العربية الإسلامية في تلك الفترة ومشاريعها المختلفة من الاشتراكية والقومية والماركسية. تلك الحركات التي ضحت بتحرر الشخص مقابل تحرر الأمة/ الدولة. ومن هنا يرى كنير أن الحبابي انتهج أسلوب النقد المزدوج «أي نقد المستعمر وثقافة الاحتلال والحط من كل ما له علاقة بالإسلام والثقافة الإسلامية، وكذلك نقد التقاليد العربية/الإسلامية التي قيدت الفرد وحريته، وأغلقت باب الاجتهاد والتعامل مع الحاضر وتحدياته. كما يقول بوطيب هنا أن نقد التقاليد «لا يعني تدمير التقاليد، بل إعادة تفسير الدين ليتناسب مع احتياجات الأفراد في الوقت الحاضر». ولذلك يؤكد بو طيب وكنير، على أهمية التعليم وبالخصوص التفكير النقدي الفلسفي وتشجيع روح الابداع والحوار مع الآخر والانفتاح عليه في المجتمعات العربية/ الإسلامية الآن، كما دافع عنهما الحبابي في تناوله لموضوع «الحرية» من منظور «إسلامي».
ومن هنا يؤكد كل من بوطيب وكنير على أهمية راهنية مناقشة مفهوم «الحرية والتحرر» عند الحبابي وفلسفة «الشخصانية الواقعية « لديه. إذا يرى أنه ليس فقط ترجمة كتب الحبابي إلى لغات أخرى منها الإسبانية والايطالية والألمانية في السنوات القليلة الماضية، قد أثارت الاهتمام بفلسفة الحبابي مرة أخرى ليس فقط في الأوساط الفكرية العربية، بل الأوروبية أصلاً، ولكن يضاف إلى ذلك اندلاع ثورات الربيع العربي حين خرجت الشعوب في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للمطالبة بحقها في الحرية والكرامة، التي ستعيد الجدل حول مفهوم «الشخص» وحريته والحداثة الديمقراطية في تلك المجتمعات ما بعد الثورات العربية. وكذلك فإن موجات الهجرة الأخيرة لأشخاص من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نحو أقطار الغرب تستدعي أيضاً التساؤل حول ما تعنيه حرية الشخص في الغرب وحدود تلك الحرية ومسؤولياتها وواجباتها تجاه الآخر.

ندوة في برلين تناقش سؤال الحرية في فلسفة الحبابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية