عمان ـ «القدس العربي»: «أنماط الشعر بين الماضي والحاضر» عنوان المحاضرة التي نظمها منتدى الرواد الكبار في العاصمة الأردنية عمان، بمشاركة الشاعرين محمد سمحان وراشد عيسى، متناولين تطور أنماط القصيدة العربية عبر العصور والتطور الفني في القصيدة العربية.
يرى سمحان أن علماء الآثار الذين حددوا عمر الأرض وعمر آثارها يجمعون على أن القصيدة المسماة «أنشودة النجوم» وهي أقدم قصيدة عرفتها البشرية، اكتشفها العلماء بعد حملة تنقيب واسعة في الأرض التي طمست تحتها مملكة كاملة اسمها «مملكة إيبلا» إحدى أقدم الحضارات العربية القديمة، 2500 قبل الميلاد والشاعر هو أحد مواطني هذه المملكة، عمر القصيدة المكتشفة يزيد على أربعة وأربعين قرنا.. تقول القصيدة في الترجمة العربية:
«حبيبتي الباسقة.. أيتها المرأة المنقوش اسمها على فؤوس المحاربين.. عندما أحببتك.. أيقنت أن النور سيكتب على باب بيتي عبارات التمجيد وسيكتب اسمي على أذيال الشمس، فماذا أفعل حبيبتي، كي أكون جديرا بك؟ هل أنشر الأبيض على أبواب المدينة وأسوارها…؟ أعاهد نفسي ألا أحزنك يوما».
وأضاف سمحان «كانت أقدم قصيدة تعود إلى 2200 ق.م إلى أن تم اكتشاف قصيدة «أنشودة النجوم» المكتوبة باللغة المسمارية عام 2400 ق.م، وتلي هاتين القصيدتين ملاحم وقصائد مكتشفات أوغاريت الكنعانية، التي سبقت التوراة ومزامير داود ونشيد الإنشاد لسليمان بأكثر من ألف عام ونيف، حتى سماها بعض الباحثين بالتوراة الكنعانية، التي أشبعوها درسا ومقارنة بالتوراة العبرية المسروقة منها أصلا، والتي سبقت الملاحم اليونانية بأكثر من ألف وخمسمئة عام.
لكن أقدم نص لشعر عربي فصيح مدوّن: قراءة في نقش عين عبدات النبطي، وقد اكتشف هذا النقش عام 1979 في عين عبدات قرب مدينة عبدات النبطية التاريخية في وسط صحراء النقب. وقد احتوى هذا النقش المكتوب بالحروف النبطية على 6 سطور، كتب السطر الأول والثاني والثالث والسادس منها باللغة الآرامية والسطران الرابع والخامس باللغة العربية النبطية، حسب المستشرقين. وكانت فقرة الأسطر الثلاثة الأولى دعوة من قبل شخص اسمه «جرم إلهي» للصلاة للإله عبدات، ثم تبعها سطران من الشعر العربي العمودي عن حتمية الموت وسطر أخير يشير إلى أن «جرم إلهي» كان قد كتب الأبيات أو نص النقش بنفسه. وتفسير البيتين، الموت فعلٌ حتمي لا يمكن منعه باستئثار أو بفدية، فهو يبتغينا ويبلغنا جميعا في حياتنا، إلا أنني لا أريده أو أبتغيه من هذه الحياة فهو فعل عجيب، إذ ما هو إلا جرحٌ لا يُميتنا أو يُفنينا حقا.
يقول علماء الشعرـ بحسب سمحان ـ «كان الشعراء في القديم يقولون الأبيات القليلة عند الحاجة ولم يكن بعد هناك مفهوم للقصيدة». ومع تقدم الزمان تنوعت الأبيات وتزايد عددها وأصبح هناك تنوع في طرق نظم الشعراء للشعر، وظهرت القصائد بعدها عندما زادت الخبرة والمران وتقدم الفكر، وأصبحت هناك القصائد الطويلة التي نعرفها، ومن مقولات الأصمعي أن أول رواية لقصيدة من ثلاثين بيتا كانت لمهلهل، ومن بعده ذؤيب بن كعب، ثم رجل من بني كنانة يدعى ضمره، هؤلاء من رأى الأصمعي أنهم بدأوا بسرد أبيات الشعر ونظم القصائد الطويلة.
يعتبر امرؤ القيس أول من قصد القصائد وذكر الوقائع، أما العرب فكانت لهم أبيات قليلة من الشعر يقولها الشخص عند الحاجة أو عند التعزية أو في تاريخه، ولم يكن لأوائل العرب الا أبياتا يقولها الرجل في حاجته وتعزيته وتاريخه وغير ذلك، ويقال إنه على عهد عبد المطلب وهاشم بن عبد مناف، بدأ الشعر والشعراء والفصحاء ينتشرون بشكل كبير، بالإضافة إلى انتشار الأشعار الطويلة والقصائد، حتى أصبح الشعر كالدين يفتخرون به وينسبون إليه، كما أن امرؤ القيس أول من حسّن المعاني ولطفها وقام بوصف النساء بالظبا والمها والبيض ووقف على الطلول، قال علي عن امرؤ القيس «رأيته أحسن الشعراء لأنه قال ما لم يقولوا وأحسنهم نادرة وأسبقهم بادرة ولم يقل الشعر لرغبة ولا لرهبة».
وفي نهاية حديثه أشار سمحان إلى ان نقاد الشعر العربي اعترفوا عبر مختلف عصوره بالنثر الفني الجيد والجميل، حتى أن بعضهم فضله على الشعر المنظوم الذي يفتقر إلى الشعرية، كما قال الفارابي وابن سينا والقرطاجي، لكن القرن الماضي شهد نمطا من الكتابة التي تعتمد على شعرية اللغة والأسلوب والتركيب والبناء، وخرج على مألوف الشعر وفق نمطيه التقليديين قصيدة البيت والعمود وقصيدة الموشح إلى ما اصطلحوا على تسميته بقصيدة النثر التي تخلصت نهائيا من الوزن والقافية، وما زالت المعركة محتدمة بين الشعراء والنقاد حول المفهوم والتسمية والمبرر. ومن جانبه تحدث راشد عيسى عن الصورة الشعرية، مبينا أن النص الشعري بناء أو عمارة لغوية، والمفردة حجر ومجموع الجمل بناية، العناصر الأساسية في هذا البناء الإيقاع والانفعال والتصوير الفني «الخيال».
وأضاف عيسى «الشعر فن التخييل بالكلمات، فن الرسم باللغة والشعر الخالي من الصورة الفنية شعر فقير غير جذاب ولا يوقع الدهشة. التصوير الفني شرط رئيسي من شروط الشعر العظيم، وبمقدار ما يأتي الشاعر بالصور الجديدة المبتكرة يكون الأثر الإجمالي للقصيدة، ومن هنا قيل أعذب الشعر. والشعر استحضار الحقيقة بالوهم ورسم صورة نفسية أخرى للواقع، أو إعادة إنتاج الشعور. ومن المعروف في البلاغة العربية أن الصورة تبنى بالتشبيه وله أدوات معروفة الكاف وكأن ومثل وشبه وشبيه، يقوم التشبيه أيضا من دون أدوات، يسمها تشبيها بليغا واستعارة وتشبيها ضمنيا. على الرغم مما يقال من أن التصوير من دون استعمال أدوات التشبيه أرقى وأهم، وأن الشعر العربي حافل بالصور العظيمة التي قامت على أدوات أخرى، إلا أن امرؤ القيس يقول في الشكوى من الليل الطويل:
كأن الثريا علقت في مصامها
بأمراس كتان إلى صم جندل.
ومن أهم الصور الشعرية التي استخدمها العرب يذكرها عيسى «الصور الحسية والحسية المعنوية والمعنوية الحسية والصورة اللونية والصورة الحركية والصورة الصوتية والصورة النفسية والصورة الكاريكاتورية والصورة الكلية أو الشاملة الجامعة».
كما تحوي الصور الشعرية مجموعة من الأساليب التركيبية اللغوية، منها الانزياح والتناص والمفارقة والتشخيص والأنسنة والاشتقاق. وحول الأثر الجمالي للصورة، يقول عيسى «تولد المتعة والغبطة وتشد القارئ لمتابعة النص، وتساعد في حفظ الشعر، وتنقل المعنى أو تقربه بشكل صحيح، وتحبب القارئ بالعربية وتجدد أساليب التعبير الشعري وتخصب جماليات القصيدة.
آية الخوالدة