ندوة كتاب «شبرا… إسكندرية صغيرة في القاهرة» لمحمد عفيفي: التحولات البائسة للمجتمع المصري

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: «في هذا العالم الرحب يقع حي شبرا في مدينة القاهرة في مصر المحروسة بأقصى الشمال من القارة الأفريقية المترامية، عند لقائها مع قارة آسيا، والبحرين الأبيض والأحمر. حي محدود في مدينة تاريخية عريقة، لكنه يمتلك رحابة متميزة من نوع خاص، رحابة الصدر. يتحدثون الآن عن الآخر، وقبول الآخر، أي آخر. لم يكن الآخر ذا وجود من الأساس، لم يكن معنى مدركًا في الوعي الجمعي، لا يهم مَن تكون؛ من أي الأعراق، من أي الأديان؛ بأي لغة تتكلم. المهم أنك موجود، تعيش في حي شبرا آمناً مطمئناً. تولد تشب، تحب وتتزوج، تنجب الذرية، تربي الأبناء، يشب الأبناء ويعاودون الدورة، ثم ترحل في الأجل المحتوم». (من رواية «شبرا» لنعيم صبري). هذا المقطع السابق يعد التقديم الأفضل لحي شبرا العريق في زمنه الفائت، وهو انعكاس لصورة المجتمع المصري في ذاك الوقت، وقد استشهد به محمد عفيفي أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، في كلية الآداب جامعة القاهرة، في كتابه المعنون بـ»شبرا .. إسكندرية صغيرة في القاهرة»، الذي أقيمت ندوة لمناقشته ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الثامنة والأربعين. وشارك فيها كل من الكاتب الصحافي سيد محمود رئيس تحرير جريدة «القاهرة»، وكاتبة الأطفال عواطف الشربيني، وصالح محروس مدرس التاريخ الحديث والمعاصر في كلية آداب بني سويف.
يستعرض الكتاب في شكل يقترب كثيراً من الحكي الروائي كيف كانت مصر، وكيف كان المناخ الذي يحياه المصريون وقتها. ولنا طوال صفحات الكتاب أن نعقد المقارنات بين الزمنين، وكيف أصبح المجتمع المصري الآن، حيث العدائية والعنصرية الفارغة، التي تدل على ضعف وعدم ثقة بالنفس والحياة.

عنوان الكتاب

تحدث مؤلف الكتاب محمد عفيفي موضحاً أن اختيار عنوان الكتاب جاء بعد الانتهاء من كتابته، وقد اعتمد على شهادات حيّة لأشخاص عاشوا في شبرا في وقت من الأوقات، وجميعهم أصبحوا من رموز الثقافة المصرية، إضافة إلى أن شبرا كانت تضم أشخاصاً من جنسيات وشخصيات مختلفة مثل الإسكندرية، حيث وجد فيها اليونانيون والإيطاليون، لذا فهي تشبه الإسكندرية في أوجه كثيرة. فمصر كانت تحيا هذا المناخ، حيث التنوع والاختلاف وقبول الآخر، هذا (الآخر) الذي لم يكن آخر وقتها. الأمر نفسه أشار إليه الناقد سيد محمود، مضيفاً أن عنوان الكتاب يضع حي شبرا ومدينة الإسكندرية في وضع مقارنة بين ظروف كل منهما، حيث يتفق كلاهما في الحضور الثقافي ونتائجه. فالمقابلة بين حي ومدينة تتماثل في مدى التنوع والنظرة إلى الآخر في مساحة من الحوار يقوم بالضرورة على نوع من النديّة.

رموز الفن والثقافة المصرية

وأضاف عفيفي أن هذا الحي يشهد العديد من الشخصيات التي أثرت في الحياة المصرية على اختلافها، داليدا على سبيل المثال ولدت فيها، ووالدها من شبرا، وهو إيطالي، وأصبحت بعد ذلك ملكة جمال مصر. كما أن الشاب نظير جيد، جاء من أسيوط للعيش في شبرا ودرس فيها، ثم أصبح بعد ذلك البابا شنودة، بابا الإسكندرية، وبطريرك الكرازة المرقسية، كما قدمت شبرا كبار شيوخ الأزهر كالشيخ أبو زهرة وغيره. كما قدمت شبرا الفن من خلال مسارح روض الفرج قبل أن تُنقل المسارح إلى شارع عماد الدين، هذه المسارح تشبه إلى حدٍ كبير مسارح كورنيش الإسكندرية، إضافة إلى أن شبرا نقلت السينما للقاهرة ، كما فعلت الإسكندرية.

مؤرخ في حِس روائي

وأشار عفيفي إلى أن دوره في الكتاب هو دور المؤرخ، حيث جمع شهادات حقيقة من أشخاص عاشوا فيها، ثم كتبها بشكل روائي أو قصصي، قائلاً: «هنا ألعب لعبة المؤرخ، بطريقة الراوي، وهي طريقة أصبحت موجودة في الدراسات الأكاديمية الغربية، كما ألعب دور المؤرخ الذي يستطيع دراسة تاريخ البلد من خلال حي معين أو منطقة».

من الصعود إلى التدهور

ومن جانبه يرى صالح محروس، أن الكتاب يُعد أول دراسة تتناول تاريخ حي من أحياء القاهرة التاريخية، فهو كنافذة على تاريخ مصر الحديثة، وشبرا بما سكنها من جاليات عالمية، بالإضافة إلى الفنانين والصحافة في ذلك الوقت، والوحدة الوطنية التي تميز بها هذا الحي. وهو ما أشارت إليه الكاتبة عواطف الشربيني، فالحي كان مثالاً لثقافة الاحتواء، التي تغيرّت مع المد السلفي في سبعينيات القرن الفائت. وفي ما يخص تقنية الكتابة، يرى محروس أن المؤلف اعتمد على الوثائق المرئية، مثل لقطات الفوتوغرافيا والأفلام السينمائية، ذلك خلافاً للمعتاد من الوثائق المعهودة في الدراسات التأريخية.
وفي الأخير فالكتاب شاهد على صعود وانهيار المجتمع المصري، وما آل إليه من تحولات شهدت بؤسه الذي تجسد من خلال هذا الحي العريق.

ندوة كتاب «شبرا… إسكندرية صغيرة في القاهرة» لمحمد عفيفي: التحولات البائسة للمجتمع المصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية