القاهرة ـ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: في ظل التغيّر الذي طرأ على عالم النشر، وبالتبعية الكتابة والتلقي، من خلال شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات، حيث أصبح للأصوات الخافتة مأوى، بعيداً عن جهات رسمية معهودة، وعالم محكوم تمارسة الدولة على وسائل النشر، إضافة إلى حالة تشكّل الوعي الجمعي، اعتماداً على برامج التوك شو، التي أصبحت المنبر الأكثر تأثيراً في الجماهير، حيث يستند إليه أيضاً كل من المثقف والمفكر، حتى تطول أفكاره القطاع العريض من الناس. ويدور السؤال البدهي عن جدوى ودور الدوريات الثقافية اليوم، ومدى ما تحققه من تواصل، ومحاولة لزحزحة الراسخ من أفكار، مقارنة بدور هذه الدوريات في السابق، وما كانت تفعله من دور إيجابي في نشر الوعي والحراك الفكري في مجتمعاتنا.
حول هذه المسألة وغيرها، أقيمت ندوة بعنوان «المجلات الثقافية وتاريخ مصر الثقافي والسياسي»، بمناسبة إصدار كتاب «مرايا» غير الدوري، الذي يستعيد شكل المجلة الثقافية، بعيداً عن رعاية الدولة، أو مؤسستها المتمثلة في وزارة الثقافة.
أدار الندوة الكاتب مصطفى عبد الظاهر، بمشاركة كل من الناقدة عبلة الرويني، الكاتب خالد الخميسي، وتامر وجيه، أحد مسؤولي تحرير «مرايا».
مناخ ثقافي مختلف
بداية أشار الكاتب مصطفى عبد الظاهر إلى أن المجلات والدوريات الثقافية كانت مرتبطة بحركة النهضة العربية، كذلك ظهور القوميات وانتشار الطباعة الرأسمالية، وتحفيز النشاط الثقافي حول العالم، والجدل حول المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، وبالتالي طرح مناقشة المشكلات العامة عن طريق مثل هذه المجلات في أنحاء الوطن العربي، ومصر بشكل خاص، منها على سبيل المثال، «المجلة الجديدة»، «الرسالة»، «التطور»،» الغد»، «الطليعة» و«القاهرة». ولكن بعد 2011 أصبح الأمر في يد برامج التوك شو، إضافة إلى المقالات والتحليلات والآراء التي تتداول عبر المدونات وشبكات التواصل الاجتماعي، كشكل من أشكال التطور في التواصل مع الآخرين/الجمهور. فصدور مجلة ثقافية الآن يدعو بالطبع لإثارة العديد من الأسئلة.
عن التمويل وأشياء أخرى
بدأت الكاتبة والناقدة عبلة الرويني كلمتها بقولها «إصدار مجلة جديدة إضافة للثقافة والوعي، شرط وضوح الهدف». وربما هذه العبارة هي التي ساقت مشاركتها بالكامل، فرغم تنويهها بأن مجلة «مرايا» تعمل على خلق مساحة للحوار مع الآخر. تطرقت الرويني إلى ملف المجلة في عددها الثاني ــ صدرت حتى الآن 3 أعداد ــ والخاص بوعد بلفور، وترجمة مقالات لعدة كُتّاب من اليسار الإسرائيلي، وتساءلت هل يدخل ذلك تحت منطق الحوار مع الآخر؟ أم أنه ضمن إشكاليات التطبيع؟ ثم تطرقت إلى فكرة تمويل المجلة، خاصة وهي بعيدة تماماً عن صلتها بالدولة، وأشارت إلى تجربة المسرح المستقل، البديل عن مسارح الدولة، حيث بدأ مستقلاً بالفعل، ثم أصبح الاستقلال بجوار دعم الدولة، وانتهى الأمر بأن أصبح دعم الدولة هو الأساس والهدف. ففكرة الاستقلال نفسها والحرية المطلقة، فكرة مشكوك فيها بالأساس. وتجاوزاً فالاستقلال يُنسب إلى الرؤية بشكل ما، لكن الأمر في الأخير محكوم برؤى مسؤوليها.
التواصل مع القارئ والآخر
وأشار الكاتب خالد الخميسي، إلى أن الأمر المهم في إصدار مجلة ثقافية هو مدى وصولها وتواصلها مع القارئ، فنجاحها مشروط بهذا. أما الحديث عن تمويل واستقلال وتطبيع، فهو حديث عاطفي ليس أكثر. فكل المجلات والدوريات، سواء العربية أو الأجنبية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتيارات سياسية أو اقتصادية، وحتى الصحف تدور في الفلك نفسه. فالأمر يتعلق ببلورة فكر تيار أو آخر من خلال مطبوعة تعبّر عنه. فالدولة وتمويلها للمؤسسات الثقافية والصحافية تفرض رؤيتها ورقابتها التامة على الكُتّاب الذين عملوا من خلالها، والأمر ليس بهذا الشكل في الدوريات والمطبوعات البعيدة عن تمويل وسيطرة الدولة، فهناك بالفعل شكل من أشكال الحرية والاستقلال في الرؤية والرأي. مع ملاحظة أن تمويل الدوريات في الغرب يعتمد بشكل أساسي على القرّاء واشتراكاتهم المالية، أما في بلد مثل مصر، فالقارئ فقير، ولا يستطيع أن يغطي نفقات إصدار دورية ما، مهما كانت تحمل من فكر ووعي مختلف. فلا مفر من الحصول على بدائل في إطار عدم الضغط على الكُتّاب. أما بخصوص كُتّاب اليسار الإسرائيلي ومقولات التطبيع الساذجة، فالتطبيع حدث يقع بين أشخاص حقيقيين، بدون نصوصهم، وإلا علينا التوقف عن قراءة الكثير من المؤلفات بدعوى التطبيع، وهو أمر في النهاية لا يتسم بأي منطق.
محاولة للتغيير ولم الشتات الفكري
وفي الأخير جاءت كلمة تامر وجيه أحد مسؤولي التحرير في المجلة أو الكتاب غير الدوري، كما يفضل أن يطلق على مطبوعة «مرايا». أشار وجيه بداية إلى أنه لا يوجد إصدار مستقل على وجه الأرض، مهما تنوعت أشكاله ومهما قيل عنه. ثم تحدث عن تراجع الدور الكبير للمجلات والدوريات في الألفية الجديدة، تزامناً مع صعود شبكات التواصل الاجتماعي، وتغيرها للوجه والإنتاج الثقافي والفكري للعالم، والمنطقة العربية ومصر بشكل خاص. هذه التقنية الجديدة جعلت من الأفكار حالة دائمة من التشتت وعدم البلورة في رؤية واحدة، هذا أحد أهداف المطبوعة، بلورة هذه الرؤى والأفكار، بهدف تطويرها، وبالتالي محاولة خلق مناخ نسعى من خلاله إلى التغيير عما هو قائم بالفعل. فهي عبارة عن منصة لتيار له فكر ورؤية خاصة، تحاول أن تتكامل من خلال نقدها وتطورها في المستقبل.
هناك بالفعل حالة من التدهور في مصر، على مستوى التعليم والثقافة، لكن من ناحية أخرى هناك مَن لديهم ما يقدمونه. أما عن توجهات وأهداف المطبوعة، فقد جاءت الفكرة بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011، فرغم الصخب الذي لم يهدأ من وقتها، وظهور قضايا لم تكن مطروحة من قبل، إلا أنه أصبح يجب البحث عن أصول هذه المشكلات، البحث عن المستوى الأعمق عن هذه المشكلات ومدى ارتباطها بالتاريخ الثقافي والسياسي، وبالتالي الصراع الاجتماعي في مصر.