ندى ابو فرحات تتألق في تجسيد نوستالجيا افيديسيان: «أسرار الست بديعة» امرأة منكسرة أم هي بيروت؟

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: كانت في التاسعة عشرة من عمرها عندما قررت بديعة مصابني ترك موطنها والسفر إلى مصر حيث لمواهبها امكانية التفجر في بلد الفن العربي. في المحروسة أحدثت بديعة ثورة فنية. لا يزال اسمها يتردد حتى يومنا هذا في عالم الفن الشامل من رقص وتمثيل، وغناء ضمن فرقة مسرحية راقصة انشأتها.
في العام 1949 عادت هاربة إلى بلدها لبنان، فمصلحة الضرائب المصرية قررت ان على «الست» تسديد الضرائب على مجمل ارباحها منذ بدء عملها في المحروسة. في سهل البقاع ومدينة شتورة تحديداً كان استقرارها الجديد، واستثمارها لأموالها في مصنع للألبان والأجبان، ظلت تديره حتى رحلت من الحياة في 23 تموز يوليو 1974، حاملة معها رحلة حياة شائقة ومشوقة بعد عمر وصل لحدود ال86 سنة. وحتى اليوم لا يزال في شتورة مطعم يحمل اسمها.
جيرار افيديسيان، الفنان المخضرم كتب وأخرج مسرحية «أسرار الست بديعة» وندى ابو فرحات البارعة في احساسها جسّدت «الست». وقفت على المسرح وحيدة في عرض يتضمن حشداً مكثفاً جداً بالمشاعر، بالاحداث، بالذكريات، بالحنين والزمن معاً. هي ساعات فاصلة بين أفول سنة وبدء اخرى. تكثيف الزمن حتمته توقعات فلكية بنهاية العالم مع حلول منتصف الليل، وكان على «الست» أن تقبل نهايتها. فكيف سارت الأمور؟
على الخشبة تظهر بديعة العجوز. فقدت أناقتها، تهاوت قدراتها، انتعلت فردة حذاء ونسيت الآخر فأصابها العرج. خشبة تبعث منها رائحة الزمن الماضي في كل تفاصيلها، كنبة حمراء، طاولة «معجوقة» بالكثير من الحاجيات منها فردة حذاء نسائي، وإلى يمين المسرح الواسع، شاشة مهمتها أن تسترجع بالأسود والأبيض شخصيات زمن رحل، وبخاصة «غسطين» الوسيم جداً، زوج بديعة الذي تركها مبكراً بفعل مرض عضال. ليس لبديعة سوى ملابسها منتشرة كسجادة تفترش المسرح. وهي تتنقل بينها، مستعيدة معها شريطاً من حياتها وذكرياتها، سلتطها وسطوتها. كانت لحظات نوستالجيا بين بديعة مصابني وبيروت، بل بين المخرج جيرار افيديسيان وبيروت، وهو الذي اختبر فيها قمة الفن قبل بدء انكفائها بفعل الحروب. ربما تكون بيروت هي الزهرة في خيال افيديسيان، وهو الذي ترك المسرح والجمهور لصوت فريد الاطرش يشدو «يا زهرة في خيالي». أما بديعة فكانت تجاهد للوصول إلى سمّاعة الهاتف كيف تجيب، على «ماغي شقفة البصّارة» التي طالعتها بخبر نهاية العالم، «يقطع عمرك ع هالخبرية» قالت بعد اقفال الخط. حوار لطيف، ودي وإنساني خاضته بديعة مع رب العالمين «مرقلي هالليلة». نذرت الزحف على بطنها حتى «سيدة حاريصا» في حال الاستجابة لطلبها. راحت في حركة مسرحية بطيئة تبحث عن الملابس التي تصلح لزيارة حاريصا. جميعها ملابس مكشوفة ومغرية «ما كنت لاقي شي ليوم آخرتي». وحده معطف الفرو الأبيض الطويل الذي عاش عزاً ما بعده عزٌ أنقذ الموقف. هو يليق بزيارة مريم العذراء.
لم يخل النص الذي أعده افيديسيان من بهارات جنسية. لم تكن مسقطة. هي لزوم حياة بديعة، التي عاشتها بطولها وعرضها «قطيعة تركولنا فتفوتة شب نستذوق في». وهي لزوم حياة بيروت الحافلة بالسياسة، المال والجنس. بديعة من الماضي الذي كان يُعرف بالجميل، وفيه كان الثلاثي الآنف الذكر مزدهراً، ولا يزال. وفي عجالة مرّت موسوعة العرب مع الجنس والحرمان. «الجنس شو عامل بالعرب»؟ حالنا اللبناني ليس كما يشتهي مسوقي الجنس. اضطراب بلدنا «يهشّل» سائحي الجنس من دول الخليج، بحسب ذمة بديعة. لكنها تجارة لا تتعطل. خدمات الجنس توافيهم إلى حيث هم «Full Service بال DHL. حضارة ودعارة. هيدا البلد».
بين أيام العز التي عاشتها بديعة، حين كان زوجها غسطين يهديها الملابس من أهم دور الأزياء في باريس، وبين عز بيروت، وأيام فندق السان جورج، وعمر الزعني الذي غنّى ناقداً في اربعينيات القرن الماضي «يا ضيعانك يا بيروت»، ثمة صلة، فهي من الرحم عينه. بيروت التي يختلف السياسيون على دورها لا تزال على حالها. تقول بديعة «الحالة بعدا متل ما هيي».
لم يكن أمام «الست بديعة» بعد البوح بالكثير من «أسرارها» سوى الرضى بالواقع. نعم قبلت الموت. وراحت تتحضر له. لكنها لم تتمكن من التصالح مع مرآتها رغم الكثير من الرتوش «البودرة المنهمرة على وجهها». راحت تنعي جمالها وسطوتها البائدة، «منكبر منشحد حب، صحة، جمال، عاطفة، لقمة ومنشحد جنس». ولا تتوانى الست بديعة عن سرد خلاصات فلسفية قبل حلول آخرتها: الوهم ألذ من الواقع.. لولا الأوهام ما حدا آمن.. لبنان وهم جماعي.. وهزّي يا وزّ.. وبديعة ترقص عالواحدة ونص. وتتواصل سرداً لمواقفها في الاجتماع بعد السياسة والفلسفة. ولجت إلى معادلة الشرف الشرقية والعربية بامتياز. لا يروق للست بديعة أن تكون النساء مسؤولات عن شرف الرجال و»هني ما بيتركوا تنورة من شرن».
عندما تعود الساعة لضرب عقاربها بتحد واضح لكل من يجافي لعبة الزمن، يعود التوتر مسيطراً على حركة الست بديعة. تستذكر غسطين، تخرجه من نعشه، تراقصه، وتعيده إلى مكانه. وتناجيه من جديد «أنا جايي لعندك عمري 16 سنة». وتخاطب الموت: أنا حاضرة.. بس موت سريع.. أيه.
ندى ابو فرحات ممثلة ذات قدرات عالية، تنتقل بين الدراما والكوميديا أو التهريج في أقل من لحظة. لم يسبق أن سجلت هفوة في مسيرتها منذ حققت نضوجها الفني، وحددت معالم طريقها. تعرف صعود السلّم بهدوء. في «أسرار الست بديعة» كانت سيدة خشبتها، احساساً، صوتاً، حركة، عمراً، ومراحل مختلفة تنقلت بينها بخفة فراشة، وأناقة محترفة عالمة بكل خبايا مهنتها. والأهم أنها أمسكت الحضور طوال العرض بجاذبية، وتمكنت من الانتقال بهم إلى زمن بديعة مصابني الغني، الحيوي، الفاعل على مستويات عدة خاصة الفني منه. كما تمكنت أبو فرحات من تجسيد كم كبير من النوستالجيا التي يحصرها المخرج جيرار افيديسيان في أحشائه لبيروت، هو المخضرم الذي عاصرها على مدى عقود مختلفة. لكنه اختار أن يقدم «أسرار الست بديعة» كما هي بدون روتوش. كلمات واقعية في حياة الناس، أو لنقل تحديداً في الحياة بين النساء والرجال. هل نقول انها تخدش الحياء؟ ربما التعبير في غير مكانه. فالحياء ليس له تعريف واحد متفق عليه. ربما جمهور المسرح الكلاسيكي لم يعتد ألفاظا مماثلة، لكن مسرح اليوم، وبخاصة حين يقرر عرضه في صالة يقدم فيها الشراب والطعام، فقد تكون تلك الألفاظ أو التعابير متاحة، أو ممكنة. قالت بديعة على طريقة الحكواتي في بداية عرضها: «أنا بديعة البيروتية. حياتي اسطورة، وحكايتي هي حكاية بيروت من أيام زمان، الليلة راح خبركن كل أسراري، وآخر همي شو بيفكروا الناس». كانت عودة جميلة فيها سحر وتحية لبيروت والست التي لم نعاصرها، لكن لماذا جعلتمونا نشفق عليها؟ فقد شاهدنا بديعة المكسورة؟ وهل الكبر عبر فعلاً؟ أم هو حال مدينة بيروت المنكسر إلى غير التحام منذ زمن؟
ملاحظة: كانت بديعة مصابني أول من أنشأ أكاديمية فنية في مصر. فقد تعلم في صالتها ألمع النجوم الذين عرفتهم مصر من تحية كاريوكا، فريد الأطرش، محمد فوزي، سامية جمال وغيرهم الكثير. يذكر أن الصبية الجميلة والرقيقة كانت تحمل اسم وديعة، إنما صفاتها تلك جعلت الجميع ينادونها «بديعة». عاشت رهطاً من حياتها في حلب فوالدتها سورية، ووالدها لبناني كان يملك مصنع صابون هناك.
«أسرار الست بديعة» عروض تستمر كل يوم أحد وثلاثاء بدءاً من شهر تشرين الثاني/نوفمبر وحتى كانون الاول/ديسمبر، في مترو المدينة في بيروت ـ الحمرا.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية