بغداد ـ «القدس العربي»: مصطفى العبيدي: رغم انشغال القوى السياسية والحكومة والبرلمان في أزمة الانتخابات وتشكيل الحكومة الجديدة في العراق، إلا ان تصاعد دعوات نزع سلاح الميليشيات وحصره بيد الدولة، أخذت حيزا واسعا من اهتمام العراقيين هذه الأيام وفي اتفاقيات الأحزاب كبند بارز في برنامج الحكومة المقبلة.
ومع ان سلاح الفصائل المسلحة التي انضمت إلى الحشد الشعبي يفترض ان يكون خاضعا لسلطة الدولة، وفق «قانون الحشد الشعبي» إلا ان الواقع يؤكد ان بعض تلك الفصائل تعمل باستقلالية عن الحكومة وتكدس الأسلحة في مقراتها وسط المدن، كما تقوم بمهام عسكرية داخل وخارج حدود البلد دون موافقة الحكومة.
وفي هذا الصدد، جدد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، في مؤتمره الصحافي الأسبوعي، مطالبته بنزع أسلحة الجماعات المسلحة كافة على الأراضي العراقية.
وقبل ذلك بأيام، شدد العبادي، في كلمة ألقاها في جامعة الدفاع الوطني للدراسات العسكرية، على موضوع نزع السلاح وضرورة «حصر السلاح بيد الدولة ﻷن هناك جماعات استغلت الحرب على داعش لخزن السلاح من أجل تهديد الدولة وان يكونوا أقوى منها» متعهدا بنزع سلاح الجماعات المسلحة والتي وصفها بأنها «باتت تشكل تهديدا للدولة».
وأقر بأن بعض الجماعات المسلحة «يبتزون المواطنين وهذا الأمر لن نسمح به».
وفي رد واضح لتجاوزات بعض قادة الفصائل المسلحة، وجه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الخميس الماضي، أوامره بتجميد «سرايا السلام» التابعة له في البصرة وإبعاد بعض قادتها، نتيجة لتدخلاتهم في شؤون الحكومة المحلية، حسب مصادر مطلعة.
وكانت أبرز نقاط الاتفاق حول تشكيل الحكومة المقبلة بين كتلتي سائرون بقيادة التيار الصدري وكتلة النصر بقيادة حيدر العبادي، أكدت على «دعم وتقوية الجيش والشرطة والقوات الأمنية، وحصر السلاح بيد الدولة».
كما دعا الصدر مؤخرا عقب الانفجار الهائل لكدس عتاد داخل حسينية في مدينة الصدر، إلى نزع السلاح من كافة الميليشيات بما فيها سرايا السلام التابعة له، وحصره بيد الدولة.
وفي صورة لانتشار السلاح في المدن، كشف حاكم الزاملي رئيس لجنة الأمن النيابية، عن انتشار السلاح في مقرات الأحزاب والميليشيات في بغداد، رغم وجود قرار إبعاده عن المدن.
وأكد الزاملي في لقاء تلفزيوني تابعته «القدس العربي» انتشار السلاح في منطقة الكرادة وسط بغداد، وان «هناك عناصر منفلتة في الفصائل المسلحة والحشد الشعبي تستغل صفتها لابتزاز التجار وميسوري الحال» معترفا ان «دوريات ونقاط الشرطة ضعيفة مقابل سطوة عناصر الفصائل المسلحة». في وقت وصف فيه رئيس اللجنة الأمنية في مجلس محافظة البصرة جبار الساعدي، الدعوات لحصر السلاح بيد الدولة، بانها «مجرد كلام حكومي ولا يوجد عمل حقيقي وجدي من قبل الأجهزة الأمنية وفي جميع المحافظات».
ويذكر ان محافظة البصرة تعاني من سطوة الميليشيات والجماعات المسلحة وعصابات الجريمة المنظمة، التي يحظى أكثرها بدعم قوى سياسية متنفذة.
وتفيد مصادر أمنية مطلعة، أن بعض فصائل الحشد الشعبي، تقوم خلال المعارك مع تنظيم داعش، بجمع الغنائم والأسلحة والذخائر، وتخزينها في مقراتها وسط المدن، بهدف زيادة قدراتها العسكرية، ومن دون علم الحكومة العراقية. وتم كشف هذه المخازن في مناسبات منها الانفجار الهائل في مخزن صواريخ تابع لحركة العصائب شرق بغداد والانفجار الأخير في حسينية مدينة الصدر. كما ألقت السلطات الأمنية في مدينة الناصرية جنوب العراق، القبض على أفراد في الحشد أدخلوا أسلحة إلى الناصرية من سوريا بهدف بيعها في السوق السوداء.
ومع تفاقم الأزمة، دعت المفوضية العليا لحقوق الإنسان إلى حصر السلاح بيد الدولة ومنع المظاهر المسلحة داخل المدن، محذرة من «انفلات الأمور في حال عدم إيجاد الحلول الحاسمة لهذه الظاهرة التي طغت على الحياة العامة».
وأكد بيان للمفوضية، إن «انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة يشكل حالة خطر تهدد السلم الأهلي والمجتمعي في المدن العراقية، ويضعف دور الأجهزة الأمنية في تطبيق القانون والعدالة».
ورغم دعوات نزع السلاح، إلا ان معظم قادة الفصائل المسلحة أعلنوا رفضهم نزع سلاح منظماتهم وتسليمه إلى الدولة، بحجة استمرار «الجهاد» ضد الأمريكان والإرهاب.
وفي مؤشر واضح يظهر جانبا من التأثير الإقليمي في الموضوع، فقد هدد مقال منشور في وكالة «تسنيم» الدولية للأنباء (إيرانية) من ان «الدعوات التي يطلقها بعض قادة الكتل عن سحب السلاح من فصائل المقاومة الإسلامية العراقية، ما هي إلا محاولة لإشعال فتيل كبير في العراق لا يمكن لأحد ان يتصور ما الذي سيحدث في حال بدأت الحكومة التي يودون تشكيلها، البدء في تطبيقه».
ويؤكد مراقبون للجماعات المسلحة في العراق، ان هناك مخاوف جدية في الشارع من نتائج محاولة نزع سلاح الفصائل المسلحة، المدعومة من قوى عراقية وإقليمية، لتحقيق أهدافها الخاصة في المنطقة، وان يؤدي ذلك إلى تفجير نزاع مسلح على حساب مصالح العراق ودماء شعبه. كما يتفقون على ان حصر السلاح بيد الدولة يعد أحد أهم التحديات التي ستواجه الحكومة العراقية المقبلة، وهو مؤشر على قدرة الدولة في فرض القانون ومنع المظاهر المسلحة، وعدم تأثرها بالضغوط الإقليمية.