نزهة الراكض

حجم الخط
0

■ بعد أن صدم فرنسا اعتداء جديد حصد، من جديد ايضا، عددا مذهلا من الأرواح، حاولت مدينة نيس أن تقاوم بما بقي لها من مدد. وللغة الفرنسية مصطلح خاص مدلوله نفسي أساسا يستعمل للدلالة على هذا النمط من المقاومة: résilience
تناول المصطلح، أول ما تناوله، الطبيب النفسي بوريس سيرولنيك مستطلعا به حقلا منوطا بقدرتنا جميعا على «مواصلة المشوار»رغم عاديات الدهر ودواهيه، رغم انتكاساته وصروفه.
بات الآن محتوما التأقلم مع وضع جديد، وضع يحتم مجابهة البربرية، ولكن أيضا وضع يوجه رسالة عدمية هي نقيض رسالة الدين تماما، فالدين حياة والإرهاب موت. والإرهاب باسم الدين جريمة عظمى.. إنها جريمة العصر، نحن ضحاياها، أكنا مسلمين، مسيحيين، يهودا، بوذيين، غير متدينين. نحن ضحاياها ولكننا نظل مرفوعي القامة ونمشي.
مقاومة الإرهاب وإنقاذ النفس من براثن الوحوش في غاية الحساسية والتعقيد، لأنها تجمع بين الأمني والاجتماعي والنفسي. فالشاردة والواردة التي علمتنا العبارة ألا ينبغي أن تتركا تمران، أخذتا تتلاطمان في غياهب بحر لجوج ما أنزل الله به من سلطان. فالجنون يرد إلى الشخصية المعقدة… بينما تنسب الشخصية المعقدة إلى البؤس فترتمي النفس الضعيفة في أحضان العدم. وهذا دماغ مغسول يقال له: على قدر وحشيتك تنال رضا الله… ويصدق مغسول الدماغ هذا الكلام، الذي ما جاء إلا على لسان مغسول دماغ آخر سبقه إلى النادي المشؤوم، فـ»اغتسل» أيضا على إيقاع الموسيقى العدمية التي تلعب على أوتار النفس الضعيفة، بينما يجري الجنون والوحشية مجراهما ليكتمل النصاب فيقدم الطبق العدمي لقمة سائغة لعديم التمييز.
دوامة سحقت ضعيف النفس الذي صار ينتمي إلى كل الطبقات، وليس مجرد الفقيرة المزرية كما شاع. دوامة العدم التي تتنكر في قالب الدين لتحصد مزيدا من الأرواح دائما، دوامة العبث التي تتنكر في قالب الإيمان لتقضي على النفس البشرية ومن قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا. لكن في وجه دوامة العنف والعدم والعبث بقيت دوامة أخرى مضادة، تقف بارقة أمل من باب المعالم في الطريق: دوامة مكافحة العدم بالمعنى، مصارعة العبث بالجد، مناهضة الوحشية بالحـــلم.. بقيت لنا دوامة الكفاح. كفاح الموت بالحياة، وكما يقال بالعامية المصرية: لنا الله!
أنظروا.. شوفوا.. كما يقال عندنا في منهــــاج لغوي لتعليم العربـــية للصغار. أنظــــروا، شوفوا هذا الرياضي.
أنظروا، شوفوا راكض في متنزه الإنكليز في نيس.. أنظروا… شوفوا إلى هذا الرياضي الذي يمارس تدريباته الرياضية الصباحية في المتنزه.. أنظروا إليه فهو باق سيظل هو هو… إنسان من لحم ودم، ولكن أيضا أكثر، لأنه يجسد مقومات الحياة: المثابرة والعزيمة متحولتين إلى غريزة البقاء المرقاة إلى حكم المثال الأعلى. فراكض المتنزه سيظل راكض المتنزه وستعلوعليه الحياة ولن يعلى عليها.. إنه يجسد الإنسانية. والإنسانية تجسده، بل تجدده. تجعله عاديات الدهر أقوى، ومن قوته يكتب رسالة جديدة للمستقبل ملؤها تحدي الشر متوعدا إياه بأن لن يهنأ له بال، لسبب بسيط وهو أن الإنسانية تقف له بالمرصاد.
أقوى هو هذا الرياضي الذي سيظل قاطعا كيلومترات متنزه الإنكليز الاثنين في باكورة الصباح. أقوى هو لأن عزيمته الفولاذية أيضا لن يهنأ لها بال. أقوى هو لأن مرآه سيبث نفسا جديدا في كل النفوس، من هذه الثكلى التي فقدت فلذة كبدها، إلى تلك التي تسأل متفلسفة، وربما دعت ربها في لوعة متسائلة لم الشر موجود؟
رياضي المتنزه لم يعد يركض في صراع مع الزمن لأنه غالب الزمن. رياضي متنزه نيس الذي يعاشر الأمواج تعالى عن الأسى دونما حاجة إلى أن يهضمه الأسى طالما هو صورة ماثلة للعيان مثل لوحة الرسام.
لقد صار راكض متنزه نيس عملا فنيا فدخل الخلود فغالبت الحياة الموت فغلبته.

٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

 

نزهة الراكض

بيار لوي ريمون

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية