نزوى ـ سلطنة عمان ـ»القدس العربي»: أولى أسابيع مدينة نزوى التي انطلق عهدها وهي متوجة بلقب عاصمة الثقافة الإسلامية، تمضي سريعا من دون أي زخم يجسد مكانتها مثل عروس متحسرة على زفاف استعدت له العمر كله ولم تحظ فيه بالمجد الخالد الذي انتظرته وحلمت به. على بعد 160 كلم عن العاصمة العمانية مسقط، وعلى ارتفاع بيّن وجلي من أعلى تلة تتراءى قلعة شامخة واجهت كل المحن حولها، للزائرين الذين لم تتزايد أعدادهم بالوتيرة التي كان يحلم بها أحفاد الإمام سلطان بن سيف اليعربي مؤسس المدينة. على طول الطريق وأنا أعد نفسي بزيارة هذه المدينة التي سمعت عنها الكثير، لم يتوقف سلطان، سائق سيارة الأجرة التي استقليناها من وسط المدينة عن رواية قصص وحكايات عن نزوى التي أمضى فيها سنوات عمره حيث ولد وترعرع، مع نغمة حزن تطبع كلماته لعدم نيلها المكانة التي تستحقها. يعتبر الشاب المتخرج حديثا من معهد الهندسة وهو يعوّض والده بجولات في قيادة «التاكسي» التي يسترزق منها، أن الكثير من المدن التي رشحت كعواصم فخرية في المنطقة لا تحمل لها من رصيد سوى مجسمات على ورق. مدنا مثل نزوى التي نسير إليها يخاطبنا، حاضرة بتاريخها وبرصيدها التليد الذي حافظت عليه بوثبة لبوة وهي تحمي أشبالها، لم تكسر حاجز النسيان وعاشت في صمت. حكايات سلطان عن المدينة بدأت تتشعب مع قصص التاريخ وتنتقل إلى الحاضر، متداخلة مع تضاريس نمُرُّ منها عبر المناطق التي تزخر بها السلطنة المميزة بطبيعتها الخلابة، فكانت تقاطعات الجغرافيا تصنع خطوطا تعكس إشعاع كل ركن منها. لم يزرنا العشرات من السياح والوافدين، ولم تقم مهرجانات ضخمة تعزز من إرث مدينتي يتحدث المهندس سائق التاكسي وهو يحرك طاقيته المميزة بألوانها الزاهية، متوائمة مع قميصه الأبيض المعروف في شرق جزيرة العرب، وخيط يتدلى في الوسط من أعلاه. في أي ركن أو زاوية، وفي شتى النواحي، والمناطق تسترعي الزائر لعمان خصوصا إن كان وافدا من دولة خليجية، الصورة البيّنة لأبناء البلد في الواجهة. يمكن اكتشافهم والتعرف عليهم من ملامحهم رغما عن المهن التي يؤدونها والتي هي حكر على الأجانب في حواضر الخليج الأخرى، من دون قيد أو اعتبار اجتماعي. في المزارع يعملون ويكدون، وفي المطاعم يتواجدون، وعلى الخدمات السياحية يشرفون، وخلف مقود سيارة أجرة تجد الكثيرين منهم يحصلون على لقمة عيشهم. يتدارك سائق التاكسي الذي قطع بنا نصف المسافة نحو عاصمة الثقافة الإسلامية نفسه، ويشير إلى أن الأزمة التي تعيشها بلاده قد تكون العامل الذي أدى إلى افتقار برامج صاخبة احتفاء بهذا الحدث، على غرار ما يشاهد في عواصم أخرى لا تبعد عنهم كثيرا وتظل على ألسنة الناس عبر العالم لأسابيع، وفي مناسبات عادية جدا، وربما حتى من أجل «الفشخرة» يضيف وليس لأمر جلل مثل هذا.
تهاوي أسعار النفط
تقلبات أسعار النفط في الأسواق الدولية كان لها تأثير، بعض التأثير الذي لا يمكن أن يتضح بشكل جلي على مستوى الحياة في السلطنة التي لا تملك موارد ضخمة متدفقة على غرار جارتها الكبرى المملكة العربية السعودية. ويؤكد المهندس الذي ينتظر منذ تخرجه قبل سنوات فرصة عمل في شركة نفط بلاده، أن ارتفاع أو تراجع أسعار البترول لم يكن له شأن كبير على أهله، ولم يعول عليه لينقلهم إلى «الديرادو» لم يتخيلوه يوما. من المعروف يتحدث بإسهاب مخاطبا زميلي أبو أسامة هذه المرة، أن السلطنة تنتج النزر اليسير من الذهب الأسود، مع استخدام تقنيات الرفع الاصطناعي لنضوب بعض الآبار التي لا توفر لها فوائض ضخمة. نحن نعيش على الكفاف مما نحصل عليه، ونستثمر بعضا مما يفيض منه في مشاريع إنمائية محدودة تأتي متأخرة ومتعففة. التعامل بعقلانية مع الوضع القائم سمة لاحظتها خلال حديث السائق وطيلة الطريق ببساطة الناس ومرونتهم وبتعاملهم الكيس الخالي من أي بهرجة أو تكلف تبدأ بلازمة تكرر عند أي لقاء: «علومكم» أي أخباركم. في محطة البنزين يستقبل كهل عماني بشوش ابن بلده، ويصب له البنزين وهو يتبادل معه أطراف الحديث بعفوية وتلقائية شديدة مع أجواء من المرح تلت رده على سؤاله علومكم؟ ليقص عليه بسرعة عددا من الأخبار التي لم يحتفظ بها عن العاصمة. ما هو سر هذه البساطة التي تعد كلمة سركم في كل شيء؟ سألت سلطان، فيرد بتلقائية شاب يختبر دور مرشح لوظيفة، كبرنا منذ الصغر على فكرة أن ما في باطن الأرض ليس هو الرافد الأساسي لأي نهضة، بل هو مجرد عامل مساعد، ولهذا حاولنا أن نعتمد على أنفسنا وننسى أننا دولة منتجة للنفط، حتى لا يتحول إلى نقمة في حال انهارت أسعاره مثلما يحدث الآن وهو ما ينذر بأزمة شديدة في عدة أماكن لو ظل الأمر على حاله.
شقيقة البصرة والكوفة وبغداد
نحن الآن في محافظة الداخلية، والمدينة سوف تظهر لنا بشموخها بعد لحظات لترى العظمة متجسدة بكل معانيها وقيمها يؤكد بفخر سلطان. ويضيف المتحدث، هناك مجموعة ظروف تاريخية تتوسطها حواجز وهمية للجغرافيا مع إرث ديني ومذهبي في المخيال العربي جعل السلطنة بكل مكتسباتها وغناها، غير حاضرة بمكانتها في الوعي العربي وتغيب إنجازاتها الحضارية عن أعين الناس حتى لدى أقربهم إليها. العوامل التي كان يتحدث عنها مرافقي فعلا كان لها تأثير سلبي على عزلة عمان عن محيطها وينحصر دورها الثقافي في حدود السواحل المحيطة بها أو التي استوطنها أهلها منذ عهد قديم كزنجبار، من دون أن تعم الأمصار الأخرى. أسماء أعلامها ومنجزاتهم الكتابية والإبداعية غير معروفة وهو ما يجعل مدينة مثل نزوى التي يسميها أهلها «بيضة الإسلام» ليست من أسماء العلم على غرار العواصم التي نافستها في أزهى عصورها مثل البصرة والكوفة وبغداد في مدارس العلم وحلقات الدرس ونشوء التيارات الفكرية والفقهية.
قلعة شامخة
وصلنا قلعة نزوى، يشير مرافقنا بكل ثقة، مع ابتسامة لم تفارق محياه، فكانت أمامنا هذه العروس التي تنتظر شهر عسلها وهي شامخة، تلوح من بعيد بعلمها مرفرفا، تسحر الناس بهندستها الفريدة والعظمة التي تحملها بدلال ووقار من دون أن تتحدث عنه بصوتها العالي. القلعة العتيدة تجدد علاقتها مع الزائرين على محدوديتهم الذين وجدناهم منهمكين في التقاط صور لتلك السراديب المضاءة يعبرون بوابتها الخشبية الضخمة التي كانت في قدم العهود تغلق مع مغيب الشمس درء لأي مخاطر، متوسطة المدينة التاريخية، محاطة بأسوار وأسواق وواحات نخيل تغازل الوافدين المستعجلين لرؤيتها وهي متأنقة بكامل زينتها. مدينة حقيقية في سياقات الثقافة والحضارة كانت عاصمة لعمان في عصور الإسلام الأولى وعرفت بنشاطها الفكري وبالأجيال المتعاقبة من العلماء والفقهاء والمؤرخين، وتنتشر بها العديد من الحصون والأبراج والمساجد الأثرية القديمة. لم يكن من الصعب علينا الوصول إلى أعلى القلعة التي تنفرد بشكلها الدائري الضخم المطمور بالتراب، مع ارتفاع 24 مترا، ومن كوة على أحد أبراجها يشير أبو محمد الدليل السياحي الذي التقينا به هناك للآبار السبعة المحيطة بها، والتي يمكن ملاحظتها عبر فتحات متعددة لمرابطة المقاتلين المدافعين عن القلعة والمدينة خلال العصور القديمة.
طارد البرتغاليين
بنى القلعة الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي عام 1660م والذي اشتهر بأنه الإمام الذي طرد البرتغاليين من عمان، يتحدث بفخر نور الدين الذي التحق بنا في هذه الرحلة، وعن الممرات والمتاهات المعقدة التي تم تصميمها أثناء بناء المعلم على حجارة عالية وجذورها ثابتة 30 مترا في باطن الأرض، والذي استغرق 12 عاما، مع الحصن الشاهق الذي ترتبط به. صعدنا إلى سطح البرج عن طريق سلم ضيق على شكل حرف الحاء مع أبواب في كل منعطف تطل منها فتحات وكوات دفاعية، كان يمكن أن تلقى منها على الغزاة الماء والزيت الحارقين والدبس الحار، وكذلك لإلقاء القذائف من مدافعها التي تحمل حروفا عربية، شرع في استخدامها منذ عهد الحروب التي خاضها أهل البلد ضد الغزاة البرتغاليين. حاكم نزوى وأهله ومستشاروه كانوا يتزودون في مقرهم المحصن بحاجتهم من المياه المتدفقة من 12 بئرا حفرت في الأرجاء، حيث كان تمثل قمة التطور في نمط تشييد الحصون والقلاع في تلك الفترة، وكانت على أقصى درجة من الصلابة ما جعلها تقاوم عبر العصور كل عوامل النسيان والاندثار وصدت الكثير من الهجمات.
الأمير هاري يرقص في الحصن
قادنا دليلنا السياحي الذي التحق به زملاء له رافقونا في رحلة استكشاف هذه العاصمة إلى الحصن الذي يقع على بعد خطوات من القلعة والذي شيده الإمام الصلت بن مالك الخروصي قبل 1200 عام وظل صامدا ليروي للأجيال الحالية مآثر أجدادهم الذين تعايشوا مع بعض في سلام وتناغموا مع كافة أطياف المجتمع، ولم تكن هناك أي ضغائن بين مختلف مكوناته وروافده على اختلاف بسيط بينها. في هذا الركن يخبرنا دليلنا أن الأمير البريطاني هاري حفيد ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية كان يتجول قبل أن يندمج كلية مع أهل البلد في رقصة تقليدية استخدم فيها سيفا منقوشا برسوم باهرة، وقدم له أطفال عُمانيون باقة ورد.
«فلج دارس» وعبقرية تقسيم المياه
ليس عليكم أن تغادروا نزوى قبل أن تكتشفوا أحد أسرارها يخاطبنا سلطان وهو يقودنا نحو ما أسماه «فالج دارس». يخبرنا أنه من أكبر الأفلاج في سلطنة عمان، وهو بمثابة نظام فريد لري المزارع يقع في قلب ولاية نزوى التي حافظت عليه منذ قديم الزمان متوسطا حديقة عامة أسستها الحكومة للحفاظ على هذا المعلم. وفي دربنا كان العمانيون يستوقفوننا في الطريق مرحبين وحالفين اليمين للقبول بضيافتهم، كانت لحظات من ارتشاف اللبن وحبات تمر توضع بسرعة على طاولات تتوسط المجالس، وأحاديث تتشعب في شتى المجالات والقضايا. بيوت قديمة وحارات عريقة تتوسطها أشجار النخيل كان يسكنها أهل الولاية مازالت محافظة على رونق الماضي الذي لم يغزوها بنفس الوتيرة التي تشهدها المناطق الأخرى.
شرارة الاحتجاجات
حديث مضيفينا لم يخل من استرجاع لما حدث قبيل سنوات خلت مع موجة الثورات التي تجتاح المنطقة، حيث اجتاحت احتجاجات انتفضت ضد الغلاء والفساد والترهل الإداري الذي تغلغل إلى دواليب بلادهم. السلطان قابوس بن سعيد كان تدخله سريعا ومفحما بإسقاط بعض الرؤوس ومخاطبة الشباب المحتج بلغته مانحا إياه جملة إصلاحات مع انتخابات بلدية وصلت إليها سيدة فاتنة ظلت لفترة حديث وسائل الإعلام الدولية وهي تتحدث عن النقلة التي تشهدها سلطنة عمان على كافة الصعد.
طريق عودتنا ميزه صمت سلطان الذي استنزف نفسه بالحديث ورواية «العلوم» التي لديه، وجالت أبصارنا في سحر الطبيعة العذراء بتنوع تضاريس المناطق التي عبرناها وزرناها خلال رحلة سلطنة عمان التي تحاول جاهدة أن تجتذب زوارا جدد، مراهنة على السياحة لتكون أحد مصادر دخلها ولتشغيل شبابها وخلق ثروة توزع على الأجيال المقبلة. شغّل السائق الودود جهاز الراديو في سيارة «الشفرولي» المتواضعة، ليصدح بمعزوفة موسيقية أدتها الفرقة السيمفونية العمانية التي تعتبر دار الأوبرا التي تأويها أحد الوجهات السياحية للأجانب حينما يصلون مسقط متوقفين أمام عظمتها وهي تحتل مكانة من قلب العاصمة التي تقف فيها المباني الحديثة الفخمة والراقية جنب البيوت التقليدية العريقة.
سليمان حاج إبراهيم