«نساء محددات» للأمريكية كيلي ريتشارت: كسر للنمطي في أربعة بورتريهات لنساء عاديات

حجم الخط
0

باريس- «القدس العربي»: يوحي عنوان الفيلم بأن موضوع هنّ نساء محدّدات، حكايات خاصة تكون غالباً، كما هو حال السينما، غير معممة أو يصعب تشاركها مع إحدى/أحد المشاهدات/ المشاهدين. لكن الحكايات هنا عادية جداً، مشاكل كل من الشخصيات الرئيسية، وكلهن نساء، قد تكون مشاكل أو هموم العديد من مُشاهِدات الفيلم، دون أن ينفي ذلك عن أي من الشخصيات في الفيلم والمُشاهِدات خارجه، أي خصوصية يمكن أن يجعلها «محدّدة».
الفيلم نسائي، نسوي، مخصّص لأربع نساء لكل واحدة منهن حكايتها المنفصلة عن الأخرى، إنّما جميعهن يعشن في المكان والزمان ذاتهما، المكان هو مونتانا شمال غرب أمريكا، والزمان هو شتاء مثلج في إحدى السنوات. تتقاطع حيوات النساء الأربع بشكل عرضي أو مباشر.
نقول «قصّة» وليس «حكاية» لأن ليس في الفيلم كلّه حكاية يمكن أن تتطور، ليس فيه الدراما الموجودة عادة في الأفلام، وهو أساساً مقسم إلى ثلاث قصص قصيرة وهامشية، وقد استعار الفيلم قصصه من كتاب قصص قصيرة، ربط بينها لتصير فيلماً واحداً بلا حكاية رئيسية إنّما قصص فرعية، وهذا ما يمكن أن يمنح الفيلم فرادته، بخلاف الاستعارات العديدة للسينما من الأدب، التي تكون غالباً من الرواية متجنبة القصة القصيرة. يذكّرنا الفيلم بآخر خرج السنة الماضية وهو «خولييتا» (النسائي كذلك) للإسباني بيدرو ألمودوفار الذي اختار كذلك ثلاث قصص للأمريكية أليس مونرو ليشكّل منها فيلماً واحداً، وبحكاية واحدة.
هنا، في «نساء محددات»، لا حكاية، إنما قصص فرعية، تربط بينها، إضافة إلى الزمان والمكان، شخصيات تمر سريعاً في القصة التي لا تكون هي بطلتها، تماماً كما هو الحال في الفيلم الطويل «الديكالوغ» للبولوني كريستوف كسلوفسكي، المكوّن من عشرة أفلام قصيرة، ساعة لكل واحد، يربط بينها المكان والزمان، إضافة إلى مرور عرضي لشخصياتها الرئيسية في قصص الآخرين.
لا أحداث في الفيلم، لا حوارات أساسية، لا تقديم لشخصيات ولا تبرير لمشاكلها، ما نشاهده فيه هو ما يكون عادة هوامش في أفلام أخرى. فلا متن فيه هنا، وهو، لذلك، وبالكيفية التي نُقل ذلك بها، لن يعجب الكثير من المشاهدين (الرجال تحديداً)، لكنه إن أعجب أحداً فسيكون الإعجاب كبيراً.
هذا خيار متعب للمخرجة الأمريكية كيلي ريتشارت، إنما أتى أخيراً بنتيجة سينمائية متقنة، بفيلم بديع يحكي عن نساء عاديات، لا استثنائيات، وكان ذلك كسراً أوّل للتقليد السينمائي، الأمريكي تحديداً، إذ يكثر الاستثناء وتفادي العادي لتكريس الحاجز الافتراضي بين المشاهد وبين ما يشاهده، لأن الفيلم كلّما ابتعد عن الواقع وعاديته تجاه الخيال واستثنائيته كان أكثر قبولاً لدى الجمهور الذي أتي، غالباً، إلى السينما ليشاهد الاستثناء، البطولة، الدهشة، الحبكة والصعود والنزول فيها، كما تعوّد.
ولكل ذلك، لهذه المغامرة السينمائية، كان لا بد أن يكون الفيلم مستقلاً، كما هو باقي أفلام مخرجته، من «أولد جوي» في 2006 إلى «نايت موفز» في 2013، مروراً بغيرهما. وهي أفلام مستقلة، غير خاضعة للتمويل المسيطر في هوليوود، ما يسمح لها بأن تكون غير تقليدية وتكسر بحرية تقاليد صناعة الفيلم الأمريكية، فتجعل المخرجةُ فيلمها مبنياً على قصص وشخصياتها عادية جداً وغير بطولية بل و»مملة».
كما كُسرت التقاليد من خلال الرتابة في الأحداث، ما قد يجده الكثيرون مللاً، والرتابة تأتي هنا متلازمة مع حقيقة ألا حكاية في الفيلم، وكذلك مع حقيقة أن الحوارات متقشفة، قليلة وعادية جداً كذلك، كالشخصيات التي تقولها. وهذه الرتابة تأتي، كما يجب، مع كسر للتقليد السينمائي، أو ما تعوّد عليه المشاهد، لا ردود فعل استثنائية هنا ولا نهايات لها وقع الخاتمة ولا أحاديث مفروض عليها أن تأتي لخدمة مَشاهد أخرى ولا غيره مما لا يمكن لفيلم «غير مستقل» أن يخوض فيه.
عدا عن لذلك، فالفيلم نسائي بامتياز، يحكي عن أربع نساء، لكل منهن حكايتها الخاصة: لورا (لورا ديرن)، محامية وعشيقة لريان، يضايقها أحد عملائها بزياراته المتكررة، له مشاكله مع الشركة التي يعمل بها دون أن يقتنع بأنه لا يستطيع مقاضاتها. جينا (ميشيل ويليامز)، زوجة ريان، تحاول بناء منزل لأسرتها، معنيّة أكثر من زوجها وابنتها بالموضوع، الأول يخونها مع المحامية والثانية لا تحترمها، لكن الزوجة/الأم لا تكف عن أن تكون، كما المحامية لورا التي تنام مع زوجها، امرأة عاملة ومسؤولة في حياتها وتكافح ضد بلادة الرجال (العميل لدى الأولى والزوج لدى الثانية). جامي (كريستين ستيوارت)، محامية شابة تعمل بشكل مضاعف، تنجذب إليها إحدى الطالبات حيث تقدّم جامي دروساً عن حقوق المعلّم (يسألها أحد المتدرّبين الرجال إن كان يحق للمعلم مكاناً مخصصاً لصف سيارته)، تمضيان وقتاً معاً دون أن تشعر جامي بانجذاب الأخرى إليها.
هذه هي القصص الثلاث في إطارها العام إنّما في كل منها تفاصيل وأحاديث ومشاعر ولحظات صمت طويلة تشارك كلّها في صنع القصة، ومعاً في صنع الفيلم كاملاً، ليأتي أخيراً كعمل فنّي، كفيلم تجريبي، طليعي (أفان-غارد)، غير تجاري، يكسب (مثلاً) أعلى التقييمات النقدية في معظم الصحافة الفرنسية المتخصصة (لا يحدث ذلك كثيراً)، مرافَقاً بتقييمات جماهيرية منخفضة، قد يفسّر ذلك ما ذكرتُه في أنه كسَر النمطية التي تعوّد عليها المشاهد في الأفلام، الأمريكية تحديداً أو المعنية بشكل أساسي بالجانب التجاري لها، فكان الفيلم مخيباً للبعض في ابتعاده عن المتوقّع.
نال «نساء محددات» (Certain Women) جائزة أفضل فيلم في مهرجان بي إف آي السينمائي في لندن، كما شارك في مهرجانات سندانس السينمائي، وهو أمريكي خاص بالأفلام المستقلة، ونيويورك وتورونتو السينمائية.

«نساء محددات» للأمريكية كيلي ريتشارت: كسر للنمطي في أربعة بورتريهات لنساء عاديات

سليم البيك

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية