نسقية التوازي الثقافي بين الأنا والآخر

حجم الخط
0

طالما فرض النقد الأدبي على الدارسين والمهتمين إشكالية التأسيس النقدي لنظرية نقدية عربية لا تسير وفق نسقية غربية منهجا ونظرية وحسب، بل تخالف أيضا النسقية العربية الثقافية المعتادة، من خلال العمل على قراءة الأنساق الثقافية المضمرة كاختلاف الآخر ومعارضته والسبيل الذي به يطغى الهامش على المركز ويهيمن عليه.
وأخذت تظهر في العقد التسعيني من القرن الماضي بوادر تأسيس نقدي حداثوي كهذا، يعنى بالآخر تقبلا أو رفضا، ويناقش طروحاته تحاورا وانفتاحا على الضد مما اعتادته المؤسسة المركزية ذات الثقافة التراكمية والسلطة الفحولية، التي تعلي من السياقية والشكلية.
وبهذا الانتهاج النقدي أخذ النقد الأدبي يغدو أقرب إلى الثقافة منه إلى الأدب، وأصبحت الأبعاد الفكرية هي الغالبة أو المتجاوزة للأبعاد الجمالية في النص.
وما كان للعملية النقدية أن تتخلى عن صفتها الأدبية إلا بسبب طفو النزعة الثقافية كنسق هامشي أخذ بالظهور ليشكل مركزا فاعلا لا مجرد سياق وظيفته الاسترجاع المعرفي والتزود التاريخي أو السيري.
وقد أتاح الجدل والنقاش المجال للنقاد لإعادة قراءة الظواهر والقضايا تمشيا مع ما أخذ يشيع في الأوساط الفلسفية والفكرية الغربية من طروحات اقتضتها مرحلة العولمة، لاسيما ما يتعلق بالتعصب الديني والأسلمة السياسية والإرهاب ومكافحته، التي تركت آثارا مهمة في بناء منظومة نقدية لا تتأسس على أساس ثنائي أو تضادي؛ بل تتخذ من التوافق والتشارك أساسا لها كما تفتت الهيمنة وصار الغالب والمغلوب في كفة واحدة من التساوي النسقي والتناظر الوظيفي والجدلية الفكرية ليغدو المهيمن هو الهامش ولتنقلب المعادلة مفككة المركزية وثوابتها المسلم بها.
ومن تلك المنظومات النقدية التي خضعت لهذا التوصيف منظومة الأنا والآخر في إطار فاعلية العملية النقدية التي هي فعل ثقافي فيه الأنا كينونة قائمة بذاتها هوية ونسقا، وليس بوصفها المركزي بمعنى أن الأنا هي الذات العربية والآخر هو الغرب الاستعماري.
وما نعنيه هنا هو أنه في اجتماع الأنا بالآخر اتماما للفعل النقدي لتكون محصلته المنتجة كينونة معرفية غايتها تجاوز الانغلاق والاتجاه نحو الانفتاح.
وهذا ما تبناه النقد الثقافي الذي ناهض المؤسسة النقدية الحداثية سعيا إلى تفكيك هذه المؤسسة ونقضها، كما شكل النقد المقارن مع النقد الثقافي فرعين نقديين ينضويان تحت مظلة نقد النقد أو ما بعد النقد من أجل إعادة إنتاج المنظومة النقدية وتنظيمها، بما يحقق وظائفية ثقافية لها صلة بعلاقة الخطاب بالنسق أولا وبالمؤلف والمتلقي ثانيا، فلا هيمنة للبنائية ولا سطوة للشكلية، بل هي تبادلية النص والتناص والمناص والانفتاح والتحاور.
وقد انعكس ذلك منذ عقد الستينيات إلى يومنا هذا على النقد العربي المعاصر، فأخذت الترجمة عن الآخر الغربي شكلا لم يسبق له نظير؛ وبصورة مقصودة وواعية؛ وصار حضور التضادات التحديثية في النقد العربي أمرا واقعا على صعيد المصطلح واللغة والثقافة عبر الإفادة من وسائل الاتصال والترجمة، التي أتاحت للمثقف العربي مديات فكرية متغايرة وتجاذبات نظرية متباينة. وصار للناقد العربي حضور متميز، سواء أكان هذا الحضور على مستوى نقد الحواضن الثقافية أو على مستوى نقد الأنساق.
واذا كانت العلاقة بين الأنا والآخر قد اتضحت في شعرنا العربي القديم منذ أن وعى الشاعر نفسه ذاتا تتحدث متقمصة دور المجموع ومتلبسة كينونة القبيلة، فإن هذا ما طبع الشعر العربي الحديث بالذاتية فشكلت الأنا (المذكرة) هيأته وتمركزت في منتصفه بلا منازع وغدت كهوية استعلائية مدحا أو فخرا أو هجاء أو تغزلا، حتى لا مجال للآخر (المؤنث) أن يحضر مساويا أو ندا أو غريما، بل يحق له إذا حضر أن يكون مغلوبا أو مهمشا أو ثانويا أو تابعا.. وظل هذا التوصيف امرأ واقعا لا يقبل الجدل، وإذا ما كانت هذه الأنا ذاتا مؤنثة فإنها إما أن تتحول إلى الآخر/ الفحل متلبسة كينونته أو تستعير لسانه لتتحدث باسمه، وعند ذاك لا تعود كينونة مؤنثة البتة.
وقد ظل هذا الحال نقديا على الأقل سائرا من دون دحض أو انقلاب، فالأنا دوما صوت ذكوري مركزي، والآخر مغلوب وهامشي، وإذا كان الصوت الأول هو الذات فإن الصوت الثاني هو الموضوع، وهذا ما يفسر لنا كيف أن المرأة ـ في الأغلب الأعم ـ ما كانت ذاتا بل ظلت موضوعا أثيرا في عالم الإبداع الإنساني.
وسار النقد النسوي العربي المعاصر ضمن هذا المسار النسقي، فالناقدة سواء أكانت ذاتا أو موضوعا فإنها صوت متلبس بالفحولة والمركزية.. وعلى الرغم من أن هذه الحال هي السائد، إلا إن الناقدة العربية حاولت مواكبة حداثة فلسفية وثقافة أدبية لتكون لها كينونتها الخاصة، مستوعبة جماليات الدراسة الأدبية المقارنة، متفاعلة مع الآخر بوعي وقصدية.
ومن هؤلاء فريال جبوري غزول، التي كانت لها بصمات في مسيرة التحديث النقدي العربي المعاصر منذ الثمانينيات.
وتحمل كتاباتها مسارا تحديثيا يخرج عن إطار التقليدية النقدية، ويرجع ذلك إلى تأثرها بأستاذها إدوارد سعيد الذي تلقفت على يديه مسارات التحديث ما بعد النقدي ولاسيما رفضه تبعية الأنساق الثقافية مساءلة وحوارا، وكذلك إفادتها من لغتها الثانية الإنكليزية وتخصصها النقدي في الأدب المقارن اللذين أتاحا لها الاطلاع على مكامن التراث العربي وأدبيات التراث الإنساني في الحضارات الأخرى. ولعل هذه الحاضنة الثقافية التي انطلقت منها الناقدة فريال جبوري مكنتها من أن تصنع لنفسها توازيا نسقيا متناغما مع الآخر، وكل ذلك تم على نحو خفي غير قصدي ولا معلن
ووفقا للتورية بمفهومها غير التقليدي يكون الآخر بالنسبة للذات الأنثوية مجرد نظير ثقافي جدلي، وليس هناك أي احتمال لأن يصرع النظير نظيره، وفي هذا نقض لصراع الأنساق حين لا يسمح نسق ما لغيره من الأنساق بأن يتمكن منه، ولذا يجري نفي أو نسخ الخطاب المضاد.
وفي دراستها الموسومة بـ«الشاعر ناقدا» نلمح تجليات هذا التوصيف النقد ثقافي، فالناقدة هي الأنا التي تجد أن النقد والشعر، يلتقيان في كيان الآخر ناقدا وشاعرا وأنموذجها في ذلك هو الشاعر محمد عفيفي مطر. والشاعر في منظور الأنا هو الآخر النقدي والرديف الثقافي الذي ترى فيه صورتها، ولكونهما ينضويان ضمن مظلة ثقافية وإبداعية واحدة لذلك يغدو الآخر مرآة الأنا فمثلما أن الذات/ فريال لم تأخذ حقها كناقدة متميزة كذلك رديفها الموضوع المدروس/ الشاعر الذي لم ينل ما يناسبه نقديا، وبذلك تنسحب هوية الآخر الشعرية على حساب كينونته النقدية، فالأنا تريد من الآخر أن يشبهها ويتماشى مع نزعاتها وتوجهاتها وكون الأنا ناقدة، فإن نظيرها ينبغي أن يكون ناقدا أيضا.
ومن مظاهر العلاقة المرآوية بين الأنا والآخر التوازي النسقي بين الذات والموضوع، فكما أن الشاعر أديب طليعي سلك طرقا غير مطروقة بسبب حسه النقدي النابع من وعيه الفني فكذلك الذات كاتبة طليعية كانت قد سلكت منهجا جديدا فامتلكت الريادة جنبا إلى جنب سيزا قاسم في التطبيق الإجرائي للمنهج البنيوي الذي كان آنذاك منهجا وليدا وفتيا..
وإذ ترصد الناقدة تجليات الآخر ناقدا وتهتم بتتبع ملامح الوعي النقدي أولا ومحاولات التنظير الإبداعي ثانيا.. فإنها تأخذ في علاقتها بالآخر منقودا بالبحث عن ملامح الوعي النقدي لتجدها في التأسيس والمصطلح، وفي نبرته التي يكتب بها وكذلك عناوينه التي يختارها كمقدمات نظرية تؤكدان وعيه النقدي. وإذا كان المنقود ينفي عن نفسه صفة النقد؛ فإن الناقدة تثبت ذلك في ما يشبه المجاراة انطلاقا من رغبة الأنا في جعل الآخر شبيها لها. ومن ملامح الوعي النقدي التي تراها الناقدة مرتبطة ارتباطا مباشرا وعضويا بالشاعر محمد عفيفي مطر البنائية معطية للمنقود وصفا بنيويا.
وهذا الوصف البنيوي للشاعر فيه طفو لنسقين إضماريين الأول: أفقي/ عاطفي والآخر عمودي/ عقلي كون الشاعر نفسه رفض أن يكون ناقدا، كما رفض البنيوية جملة وتفصيلا غير أن رغبة الأنا في أن تضفي على الآخر صفاتها تجعلها تثبت هاتين الصفتين اللتين لا يقر بهما النسق المعلن.
وهذه المناحي وضمن مستوى نسقي مضمر تصب في صالح ولع الأنا كصوت مساوٍ نقديا للموضوع المدروس غير عابئ، بما قيل وما كتب عن الشاعر الكبير، ومع ذلك فإننا نجد نسقا جديدا تباشر الأنا برصده وهو الخلفية الثقافية التي استقى الآخر/الشاعر منها تجربته وبنى قاعدته الإبداعية عليها بمعنى فلسفته الممزوجة بخصوصيات الواقع القروي الذي عاش في كنفه.
وبذلك تتخذ الأنا من الآخر مناصا لها بناءً على أساس نسقي يعكس انفتاحا نقديا أتاح للأنا أن تحدد نقاط التلاقي وأسس التعالق مع الآخر من دون أن يكون في ذلك أي تبعية أو تضادية، بل هي استجابة ثقافية أنتجت جدلية نصية بين الأنا والآخر عن وعي وقصدية.

ناقدة واكاديمية/العراق

نسقية التوازي الثقافي بين الأنا والآخر

نادية هناوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية