«نشيد الحياة» في قصص «كفن للموت» لعبد الرزاق بوكبة

حجم الخط
0

يسجّل الكاتب الجزائري عبد الرزاق بوكبة حضوره الثقافي في الموسم الأدبي لعام 2015، بآخر إصداراته بمجموعة قصصية موسومة بـ»كفن للموت، حشرجات قصصية» الصادرة عن دار العين- القاهرة 2015، في 136صفحة من الحجم المتوسط. في وقت حساس جدا باعتبار أن الكثير من كتاب القصة القصيرة في الجزائر والعالم العربي هجروا هذا الفن الجميل والصعب. جاءت مجموعة «كفن للموت» في خمسة عشر عنوانا رئيسيا بين قصة قصيرة وقصيرة جدا، وهي كالآتي: القصة أولا، الهاتف، الزجاجة، القبر، الحذاء، الدلو، الباب، الدمية، الأرجوحة، الفيس بوك، القيثارة، الرصاصة، الستار، الرسالة، القصة أخيرا.
أول ما يلفت انتباهنا في هذه المجموعة القصصية التي بين أيدينا عنوانها البارز والصادم «كفن للموت» على غرار كل عناوين أعمال الكاتب الإبداعية السابقة، فاشتغاله على بناء وتشكيل هذا العنوان المثير للجدل مسألة حيوية عند القاص عبد الرزاق بوكبة، بكل تأكيد العنوان مغر ومحمّل بكثير من الأسئلة الموجعة التي تجعلك تقرأ القصص في نفس واحد، لعلها تجيبك عن السؤال الجوهري الذي يتبادر إلى ذهنك: هل للموت كفن؟ هل يموت الموت؟ كيف نعايش الموت بهذه البساطة؟ وهو السؤال الفلسفي الوجودي الذي يضعنا الكاتب أمامه بتحد صارخ للموت من أجل الحياة، رغم تعدد أسباب الموت، إما برصاصة أو بانفجار طائرة أو بقارورة خمر، لكن في هذه القصص يعود البطل من جديد في قصة أخرى، في الوقت نفسه هو عنوان تهكمي سريالي من الموت الذي يحاصرنا كبشر في المحطّات والأرض والسماء. الميزة الثانية في هذا العنوان لا نجده في المجموعة كعنوان مستقل لقصة ما، كما هو سائد ومعروف في المجاميع القصصية التي قرأناها، فعادة يكون العنوان الرئيس هو عنوانا لإحدى قصص المجموعة، فـ»كفن للموت» جملة مقتطعة من قصة «الرسالة» تخبرنا بنوايا السارد في نشر كتاب البطلين الزبير بن نجمة وسارة ص123.
لم يكن هذا الاختيار اعتباطيا بقدر ما هو اختيار جمالي مقصود يجعلنا نطرح سؤالا آخر حول تجنيس العمل الذي بين أيدينا: هل فعلا كان عبد الرزاق يريد مغالطة القارئ بوضع «قصص» على الغلاف بدل رواية قصيرة؟
وهذا الطرح هناك ما يبرره باعتبار أن القصص كلها متتاليات عن بطلين: الزبير بن نجمة وسارة وهما يكتبان حياتهما بعد كل موت لأحدهما، فيعود حيا في مقطع آخر أو في قصة تالية. ثم غياب الزمن في بعض القصص القصيرة كالهاتف مثلا، هل هو تغييب ظرفي لأن الزمن مستمر في القصة الموالية؟ هل الكاتب يريد تمرير رواية قصيرة في جسد قصص قصيرة كتجريب ومغامرة جديدة للكاتب؟
الكاتب عبد الرزاق بوكبة المواظب على فعل الكتابة منذ منتصف التسعينيات، يبدو في هذه التجربة الجديدة أكثر احترافية ونضجا، أخذنا في رحلة سردية متشعبة بداية من احتفائه الجميل بفن القصة القصيرة، مبررا هذا الانخراط الجمالي في عملية الاحتفاء بفن القصة بما آلت إليه من هجران، فكانت البداية بـ«القصة أوّلا» فيحوّل السارد القصة القصيرة إلى شخص من لحم ودم، تتحرك وتتكلم، حيث تصله إلى باب الشقة تستجديه أو تشتكي هذا الهجران نحو الرواية، تستفزه، فتجرّه مرغما إلى مستشفى الكلمات منخرطا في عملية البناء والهدم وتعرية للواقع اليومي الذي يعيشه الأبطال، يقول السارد على لسان القصة: «الآن عرفت لماذا زهدت فيّ، وتتفرغ للرواية: تحسّن طعامك»ص 15، هي الإشارة الذكية للهجرة الجماعية للكتّاب نحو الرواية، نظرا لمزاياها الكثيرة كالشهرة والانتشار والمال الذي تدره الجوائز، ثم غلق المجموعة بـ»القصة أخيرا» كنوع من المصالحة مع عشيقة يصعب فراقها، بعد لملمة هذه النصوص القصيرة عرف السارد «معنى أن تتأوه هي»، أي القصة القصيرة وربما سارة أيضا. هذا الترتيب بين «القصة أولا» و»القصة أخيرا» كقوسين كبيرين للمجموعة يوضح أن العمل الإبداعي ليس صدفة على الإطلاق، بل هو مكابدة حقيقية، فالكتابة ليست ضربا من الفوضى بقدر ما هي دربة ومثابرة، إذ برزت بحق هندسة وتخطيط الكاتب وباحترافية عالية.

ثيمة الموت ـ نشيد الحياة

سرعان ما يبدأ السارد في منحنا جرعات من الواقع المرير المتشظي، عن ذوي الرايات السوداء في نحرهم للناقة، عن الرفيق «سعيد» الذي اختطف سارة وأعاد له الزبير هديته المتمثلة في الرصاصة، عن انفجار طائرة لم ينج منها سوى امرأة واحدة قد تكون هي: سارة؟
يعلقنا الراوي إلى آخر السطر رافضا توقيع محضر استلام الجثة ورافضا لفكرة الموت على أمل أن يجيء صوتها عبر الهاتف. عن موت الزبير عشرات المرات وكذلك سارة. في قصة الرسالة تعبر البطلة عن قصتها مع الزبير بن نجمة إذ تقول في رسالتها للكاتب عبد الرزاق بوكبة: « لا نعيش حياة مؤقتة، بل موتا متكررا، والموجع أننا نموت ونحيا»
في «قصة الدمية» الأكثر إيلاما برمزية الموت «بارتطام الجسد بالأرض، يطير مخها في الفضاء..» قوله أيضا «لا حركة للموت». في مشهد سريالي غني جدا بالدلالات عن الأحياء الموتى في قصة «الباب» إذ يخرج الموتى من قبورهم، يرسلون الرسائل إلى عناوينهم السابقة ولأهاليهم، فيكتشف السارد أن الرسالة الأخيرة كتبت بخط يده أرسلها لشبيهه. يشبه هذا المشهد المكثف بالرمز ما قاله الرسام العالمي «سلفادور دالي» وهو يمشي بين القبور يخاف أن يجد اسمه مكتوبا على أحد هذه القبور. فثيمة الموت التي طغت على القصص هي في الوقت نفسه مقاومة ضد الفناء والموت الذي يسببه الآخرون، فتحولت الكتابة إلى غناء نشيد الحياة يردده الأبطال رغم البؤس واليتم. فجاءت قصص «كفن للموت» الـ15 بسرعة القطار التي كتبت فيها «القطار الرابط بين بودواو والجزائر العاصمة»، كأن الكاتب يحمل كاميرا ينقل الواقع المتخيل إلى الأوراق بأقل عدد ممكن من الكلمات، مستعملا أسلوب السهل الممتنع والإيقاع السريع جدا، بلغة وظيفية مباشرة في تفاصيل المتن وبلغة شعرية في أحيان كثيرة، معتمدا على الرمز والإيحاء بدل الثرثرة اللغوية في أكثر من موضع ومشهد، فاختزل الألم في جملة قصيرة كرصاصة تخترق ذواتنا، ثم يترك للبياض مهمة سرد الاحتمالات الكثيرة المتناقضة، فيورط القارئ بذلك في إيجاد قفلة أو مخرج يرتاح إليه.
«كفن الموت» مغامرة في التجريب تحتاج إلى أكثر من قراءة لمناقشة تفاصيل بنائها وتشكيلها وبنيانها.

كاتب جزائري

جيلالي عمراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية