«نشيد السمندل» للشاعر المغربي إدريس الملياني هوية مفتوحة على تجليات التاريخ والأسطورة

حجم الخط
0

إدريس الملياني، هو واحدٌ من أهمّ روّاد القصيدة المغربية الحديثة، وتمتدّ تجربته لأكثر من أربعة عقود لم يكفّ عن تطويرها باستمرار. منذ الستينيّات وهو هنا، عينه على الجمال، وفي طرف لسانه قصيدة على الأهبة والسعة. دائماً ما كنْتُ أنعته بالشاعر المغربي بحقّ، وذلك لأنّك تجد في شعره ملامح وأيقونات وروائح من المكان المغربي، والأسطورة المغربية، والطبع المغربي السمح الرقراق؛ من غير أن يعني ذلك أنّه أسير رؤية «هوياتيّة» مغلقة؛ فالشاعر منفتح ومتسامح، ومُطّلع على ما يكتبه الآخر الشعري، ومتفاعل مع أحداث عصره، بلا مطلق ولا متعاليات. وإذا وقفنا على ما يميّز تجربة إدريس الملياني، من حيث المضمون، فإنّه انتقل، تدريجيّاً، من الالتزام السياسي والاجتماعي المباشر الذي ارتبط بتجربته الحزبية والإيديولوجية، إلى الالتزام الإنساني الذي تغدو معه ذات الشاعر بوعيها الفردي ـ الجمعي معبراً لقول الحقيقة والصدع بها. وفي هذا الصدد، لم يكن تطوير المعنى الشعري عنده يتمُّ خارجاً، أو يشفُّ عن سيرورته لولا هذا الانشغال نفسه الذي يتمُّ على صعد أسطرة الذات واللغة والبناء النصي، فضلاً عمّا نلاحظه من اهتمامٍ عالٍ بالإيقاع الشعري وبنائه قلّما نجده عند مجايليه، أو من جاء بعده ليس في الشعر المغربي فحسب، بل في خارطة الشعر العربي الحديث برمّتها.
هو، عدا عن طيبوبته وقفشاته الخفيفة وميله إلى الاستمتاع بالحياة، شاعرٌ مشّاء. يمشي في الشارع العام تثيره هذه الشجرة أو تلك الفكرة، متأبّطاً صحف اليوم التي لم تعد تروقه، وعلى طرف لسانه أتيٌّ من الشعر والنثر، وأحياناً تصلك دندناته المُوقّعة رغم بؤس الثقافة في زمننا، وتبرُّمه من رجال الحال، ومن دار لقمان التي لا زالت على حالها. سألتُهُ إن كان راضياً عن نفسه وشعره بعد هذه السنين الطوال التي عاشها شاعراً وشاهداً: «هل أنا راضٍ؟ الجواب لا يمكن أن يكون إلّا بالنفي. لستُ راضياً، فما كنّا نحلم به سعينا إلى التعبير عنه، ولكن عندما نقرأ ما عبّرْنا عنه نجده قاصراً ودون ذلك الحلم. فالإنسان لا حدود لآفاقه وأبعاده، إذ هو دائماً يريد أن يتجاوز ذاته ليعانق ذاته الأخرى، الحقيقية. إنّه مُقسّمٌ بين ما هو عليه الآن وبين ما يحلم أن يكونه. أنا أحلم أن أكون مستحيلاً، وقد كفّ رامبو عن كتابة الشعر لمّا عجز عن التعبير عن هذا المستحيل. الإنسان مادّي بقدرما هو ميتافزيقي. ومع ذلك، المستحيل نُحقّقه فوراً وأما المعجزات فلا تحتاج إلا لوقت قليل جدّاً لتصبح منجزات، كان هذا مما تعلّمتُه من حُبّ موسكو التي لا تؤمن بالدموع».

في ديوانه «نشيد السمندل» يُطلق الشاعر هذا الوعي الإنساني العارم، العابر للتاريخ والمشّاء بين تفاصيل الحياة واختلاطاتها اليومية، وفي نفسه «عقدة إيقاعيّة» بطعم الصعق. وقد أفصح عن هذا الوعي الكتابي تعدُّد الأصوات الذي انتظم من مجموع المكونات اللسانية والأسلوبية والثقافية المختلفة الذي دمجها الشاعر في بنية العمل بحساسية النسّاج، فبدت البنية حواريّةً، مفتوحةً ومتوتّرة في جدلية الذات والآخر. ومثل هذا الوعي لا يتأتّى إلا لشاعرٍ قارئ جيّد للشعر العالمي، وبصيرٍ بأفانينه وجماليّاته وينابيع قاعه، لا يكتب القصيدة إلا إذا جمع أطرافها من التاريخ وعكسها في مرآة الوعي.
فمن جهة أولى، ينفتح الشاعر على مُدوّنة الشعر العربي القديم والوسيط (الممزَّق العبدي، النابغة الذبياني، عمرو بن براقة الهمداني، ابن جاندار، ابن فركون، حنا الأسعد)، أو الحديث (محمود درويش، محمد بنعمارة، محمد علي شمس الدين)، وعلى المرجع الثقافي الروسي (الأيقونة الفلاديميرية، الشمس الحمراء، بيريوزْكا، سْفيتْلانا، سيبيري التاج، أوكا)، مثلما ينهل من تمثيلات أسطورة الموت والبعث والتجدُّد والخصب (عشتار، أورفيوس، إيلِيّا، بعل)، ويُحيل على آي القرآن الكريم ونصوص الحديث النبوي والكتاب المقدس، وينثر سجلّاتٍ من اليومي المغربي المعاصر ومعمعته شَذْراً وسُخْراً، من جهة أخرى؛ وذلك تبئيراً لقناع (السمندل) الذي يتّخذه رمزاً اِستعاريّاً في بنية العمل، ويرتفع به إلى مستوى أسطرته بسبب ما تعانيه الذات وتُكابده بحكمة الخسارات. وهو ما يضعنا في مواجهة بنية كتابيّة ممتدّة في الزمن، تخترقها ملفوظاتٌ، وحوارات، واستشهاداتٌ، وصور وتمثيلاتٌ، وأقنعةٌ، وأمكنة، ووقائع من التاريخ القديم والحديث، وأنماط من صراع الوعي والرؤية لدى الذات. إنّ التناص، هنا، لا يعني المزج بين وعيين أو لغتين في ملفوظ واحد، بل يصير أخدوداً يحفر مجراه في وعي النص ولاوعيه معاً، ويوجّه قراءته ويتحكم في إنتاج القدرة على التدليل؛ وبالتالي، يصير طريقةً لإدراك العمل وتأويله، إذ أنّ الملفوظات داخله لا تكون دالة باعتبار علاقات خطابها المرجعية الخارج ـ نصية، وإنما باعتبار علاقات نصية داخلية.
لقد أشار الشاعر إلى جُماع ذلك، ودلّل عليه تدليلاً، وهو يعنون عمله بـ»نشيد السمندل». وقد يوحي العنوان بالغنائية، إلّا أنها غنائية مركّبة؛ فالأنا الغنائي فيها يتلبّس بذواتٍ أخرى، ويفجّر أفانين الرمز والقناع والحوار والتبئير الداخلي، ويستدعي التاريخ والتراث الثقافي في تنويعاته؛ وهو ما نرى فيه بلورةً لصوته الإنشادي وتجربته الداخلية بكلّ ما تفضّ عنه من روح قلقة في التعبير عن موقفها من العالم والنظر إليه: اشتغال الغنائيّة أكثر من وظيفتها لا يتحدّد إلّا داخل خطابها المفرد ودلاليّته الخاصة.
مستعيداً الصيغة النيتشوية، يُدشّن الشاعر العمل بقصيدة «هكذا تكلّم الممزَّق العبدي»، التي فيها نلمح عبورات مؤلمة لزمنٍ اِنتقاليٍّ، سياسي وثقافي، يطوي صفحةً ليفتح أخرى أكثر إيلاماً وشعوراً بالخيبة والخذلان، وقد «كُتبت بالدمع والدم والمنون» (ص12)؛ ولهذا نعته بـ»الزمن السيافيّ الخؤون» الذي أطلق جموع صغار المستبدّين وقراصنة الجمال والضوء، ونبذ قيم الوفاء والتضحية والنضال؛ فيندب الفارس وولاداته الشائهة، ويرسم صورةً مفارقةً عنه، قائلاً:
«مُنْعزلاً، بعيداً،
عن صليل السيفِ
والدم والعرينِ
يموت منكسراً، وحيداً،
تحت ظلّ عريشةٍ
من ملعبٍ معشوشبٍ
بحشيشة الدينار
يجرعها ويزرعها
عريس الساحة الشرفية الشهداءِ،
وهو يزفُّ نحو الخِدْرِ
موكبَ حيّةٍ رقطاءَ،
سمّاً ساريَ المفعولِ،
وَاسْماً كاتِمَ الأنْفاسِ
………….كنتَ الممزِّقَ مرّةً،
فاليَوْمَ قد صرتَ الممزَّقْ.» (ص21)

لن يكون هذا الفارس- الممزَّق إلا الشاعر وجيله ورفاقه من «إخوان كهف» الذين اعتزلوا بمبادئهم الناس ممّن باعوا أرواحهم للشيطان، وخلدوا إلى الصمت فماتوا حزناً على أحلامهم المجهضة وبريدهم الذي لم يصِلْهُمْ، وجرّتِهم التي انكسرت هباءً من «روع البلاد»، بدءاً من فاس العالمة التي سيقت بالشكيمة، مروراً بمدنٍ وأضرحةٍ وشبه منازل لم تبع إلّا الوهم، إلى بيروت التي تعوي على حافّة الموت. وفي مقابل «الأيقونة الفلاديميرية» (ص33) التي جمعت الروس حولها، و»العرس الأولمبي» (ص107) الذي غنّت فيه الصين وأبهرت العالم، لم يجد الشاعر من الزمن العربي الأخرق إلا «متلاشيات» في كلّ مكان (ص87).
لقد استعار الشاعر قناع الممزّق العبدي للإيحاء بمعاني التجربة المريرة التي كابدها فرديّاً وتكبّدها جمعيّاً، وهي لا تتوقّف عند نصّ هذه القصيدة، بل تتجاوزه لتشعّ في العمل ككلّ. فالقناع الخاص الذي تُقدّمه القصيدة يعبّر عن التفاعل بين أنا الشاعر والشخصية التي يرتدي قناعها باعتبارها أناه الآخر الذي يقوم بعملية امتصاص جوهره جدليّاً، ويُفجّر دلالات تجربتها الأكثر معنى وإيحاءً وامتداداً من تلك التجربة الأصل.
وفي هذا السياق، ومن أجل تكثيف القناع والارتفاع بمستواه إلى مصافّ الرمز والأسطورة، يستدعي الشاعر طائر السمندل، وهو ناريّ ينبعث من رماده شبيهاً بطائر العنقاء أو الفينيق، فيدمجه في لعبة التقنُّع بآلية اشتغال كثيفة لكنّها لا تستحيل إلى التجريد، وهو يجعل البؤرة الدلالية للتجربة تأخذ بعداً دراميّاً يصبغ تكوينات اللغة بصبغته، ويكمّل نتوءات القناع ويزيد عليه:
«هل أنا حقّاً
كما زعموا
غريبَ الوجه واليد واللّسانِ،
أموتُ ثُمّ أقومُ
كالعنقاءِ،
مفترشاً وملتحفاً رمادي
مستجيراً بي
من الرمضاءِ،
أنهضُ طائراً، حُرّاً،
طليقاً،
كالقطا، وأشبُّ ناراً،
في سمائي،
ليس لي غيري
رفيقاً،
أنتمي لي،
وحيداً، كالسَّمَنْدَلِ،
في انطفائي
واتّقادي..» (ص61)

في شعور الأنا بغربته التي تتصادى مع غربة المتنبي في شعب بوان، أو شعوره بالاقتلاع والنبذ واللاانتماء بعدما انفضّ الجميع عنه، ممّن باعوا الذكرى واستأثروا بالإرث، يصير احتراق السمندل إراديّاً لا رجعة عنه، إذ موته فعل تطهير وواجب تضحية لا تضع حدّاً لوجود الفرد إلا لتعبر به من وجود إلى وجود آخر مفارق ومختلف في كلّيته عما ألفه آنفاً، وأكثر حبّاً وإشراقاً من يومه. فالشاعر، إذن، يتلبّس بأسطورة هذا الطائر الذي يحترق بإرادته لأجل أن يولد من رماده، راسماً لحنينه إليه شارة نصر- أيقونيّاً. إنّ السمندل، هنا، يرمز إلى الأمل، وناره إلى أتون الحقيقة المُطهِّر.
يُنوّع الشاعر على الأسطورة ونارها بشكْلٍ يخفّف من غلوائها المتعالي بتبديدها إحالاتها في الحسّي واليوميّ، والارتفاع بصورها إلى بعدها التمثيلي والمرآوي والمرجعي لغةً وإيقاعاً. كما يحرّرها من انعكاسها الذاتي لتضيء في تجربة الآخر الشبيه، ولاسيّما في محاورته الشعرية مع الشاعرين الفلسطيني محمود درويش والمغربي محمد بنعمارة بعد غيابهما، إذ لا يجعل من الغياب مقاماً للرثاء ، بل مديحاً للموت في ظلّه العالي، بعد أن يرى في موتهما بعثاً لحياة جديدة، فيخلق من رحم الغياب استعارات الحضور «الأرفيويّ» المُتجدِّد.
في قصيدة «طائر النار» يحاور محمود درويش مُستهلّاً بـعبارته الشعرية الدالّة: «لقد متُّ بما فيه الكفاية»، مومئاً إلى أنّ درويشاً «أورفْوَيّ الغِناء» لم يمُتْ، وأنّ صخرة ألمه الشخصي والأوزار الجمعيّة لم تُعْمِه عن «ضياء الأمل»، قائلاً:
«طائرُ النّارِ
يُلْقي بنفسهِ فيها
وَخْرجُ
أَجْملَ لَوْنٍ
وَأَحْسنَ نَسْلْ» (ص51)
وفي «سونيتة إلى الحريز العزيز»، يحاور محمد بنعمارة من خلال كلماته الساطعة التي أودعها في «مملكة الروح»، فيتّخذ من المحاورة سانحةً لإعادة كتابة تلك الكلمات من جديد بعدما انكشفت الحقيقة وارتفع الحجاب:
«بنعمارة
اِلْبَسْ:
حرائقَ أوراقِكَ
اشْرُبْ
على ريقِكَ
ال: ك و ن
موتاً يعيد الحياةَ
إلى نبضها
والسماءَ
إلى أرضها» (ص46-47)
هكذا يُوظّف الشاعر إدريس الملياني التناصّ، مستدعياً الأساطير والرموز والشخصيات والوقائع من عصور سابقة ومن عصره نفسه، مُعيداً دمجها والتفاعل معها في بنية النص الحاضر، فلا يقع تحت تأثيرها أو أسيراً لها، بل يُحوّلها ويبنيها من جديد، سواءٌ في قصيدة القناع، أو الاستدعاء المفارق، أو المحاورة الشعرية. وهكذا تدخل تلك النصوص الغائبة بعد تحويلها كمكوّن رئيس ليس في الرؤية الشعرية التي تحكم التجربة وهواجسها فكريّاً وتعبيريّاً وجماليّاً، وتصل الذّاتي بالجمعي، بل تساهم في بناء المعنى الجديد الذي تتشوّف إليه أنا الشاعر وتغنّي من أجله، لأنّها تتحوّل إلى بؤرة تستغرقه وتشكل جماع معناه وتولد شبكة إيحاءاته، وبالتالي تساهم في تشكيل وعي القراءة الجديدة لقصيدة لا تكفّ، في سيرورة تحديثها ونشيدها اللانهائي، عن البحث الدائم عن المعنى وخرق الحُجُب للوصول إليه في الذاكرة والتاريخ، كما في اللغة والإيقاع.
لقد ترافقت تجربة العمل الشعري، وطريقة تدبيره آليّات التناصّ فيه، مع التحوُّل الذي عرفته تجربة إدريس الملياني الشعرية ، على الأقلّ منذ ديوانيه «زهرة الثلج» (1998) و»مغارة الريح» (2000)، سواءٌ على مستوى الرؤية، أو البنية الشعرية، أو تدبير غنائية القصيدة التي دخلت مرحلة الغنائية المركبة مع الاستخدام المكثف للرمز والقناع والمونتاج والحوار الدرامي والسرد والسوناتا والمشهدية، واستدعاء التراث الأسطوري والديني والتاريخي المتصل بتيمات الموت والحياة والوطن والإنسان والحرية، جنباً إلى جنب مع متطلّبات ذات الشاعر على المستوى الوجودي والإنساني في بحثها عن خلاصها، مرتفعاً بها إلى مستوى أسطورتها الشخصية، وبالتزامها الإنساني إلى مقامٍ مُستحقّ.
شاعر وناقد مغربي
إدريس الملياني: «نشيد السمندل». شرق غرب، بيروت 2009.

عبد اللطيف الوراري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية