تُرِك الاحتفاء بذكرى حرب اكتوبر للمطبعين وأنصار ومؤيدي «كامب ديفيد» وأصدقاء واشنطن وتل أبيب في مصر، بما لهم من ظهير في أروقة السياسة الغربية.. وما يملكون من نفوذ في دهاليز الحكومات ومؤسسات المال والاستثمار وأجهزة الصحافة والإعلام العربية.. وحققت الدولة الصهيونية تحت رايات «نصر اكتوبر» ما عجزت عن تحقيقه بعد «هزيمة يونيو»، وحملت نتائج حرب 1973 مذاقين مختلفين.. الأول له حلاوة النصر على المستوى العسكري، وعادت فيه الروح المعنوية الغائبة والثقة المفتقدة بالنفس، والآخر يحمل مرارة الانكسار وتواطؤ من بيدهم الأمر والنهي. وأكدنا مع غيرنا مرارا أن نصر اكتوبر العسكري لا علاقة له بانكسار السياسة والساسة!.
وهي المرة الأولى التي ينتصر فيها حامل السلاح على عدوه وينهزم صاحب القرار وحامل مسؤولية الحكم أمام نفس العدو.. وأُفرِغ النصر العسكري من وظيفته كورقة يلعب بها المنتصر لتحقيق مطالبه العادلة. ومن أهم أسباب الهزيمة السياسي هو ذلك الفصل التعسفي بين المجهود المصري الفردي والجهد العربي المشترك.. ولم يوجد بعد من يستطيع أن ينكر تحمل مصر وسوريا العبء الأكبر في الحرب، أو يقدر على إخفاء الدعم الاقتصادي والمالي والعسكري من دول عربية قادرة، والنكران يعيب صاحبه والإخفاء لا يقلل من قدر صاحب الفضل.
وكلنا يعلم أن الناس خرجت في 9 و10 يونيو/حزيران 1967 رافضة للهزيمة، ومصرة على الحرب.. وعزز مؤتمر القمة العربية بالخرطوم في أغسطس/آب من نفس العام ذلك الرفض، والتف العرب حول لاءاته المعروفه، وقدموا العون والمال للدول المتضررة؛ مصر وسوريا والأردن وفلسطين..
وتحول النصر العسكري إلى هزيمة سياسية جاء على يد السادات وجماعته، فهو من ذهب مستسلما للكنيست الصهيوني في نوفمبر/تشرين الثاني 1977 بعد طوفان يناير من العام نفسه.. يطلب سندا وكان الشرط أن يقر بالهزيمة.. التي يجب أن توثق في مفاوضات، ومحاضر جلسات، واتفاقات ومعاهدات؛ ابتداء من مفاوضات الكيلو 101 حتى «كامب ديفيد» في17 سبتمبر/أيلول 1978.. وصولا إلى «معاهدة السلام» بواشنطن في 26 مارس/آذار 1979..
نصت «كامب ديفيد» على الاعتراف بالدولة الصهيونية، وإنهاء حالة الحرب، وانسحاب مشروط لقواتها، وإجلاء المستوطنين. وحجم القوات المصرية المسموح بها في سيناء.. ومرور السفن الصهيونية من قناة السويس، وتحويل الممرات الداخلية لتيران وخليج العقبة إلى معابر مائية دولية!!.
وحين صرح رئيس مجلس الأمن بعدم قدرته على توفير قوة للمراقبة الدولية، وبوصول المجلس إلى طريق مسدود، بدأت مفاوضات مباشرة بين القاهرة وتل أبيب وواشنطن؛ انتهت بقرار تشكيل قوات «حفظ سلام» في 3 أغسطس/آب 1981، وتشكلت من قوات «متعددة الجنسيات»؛ تحت القيادة الأمريكية، وحملت زورا صفة «قوات حفظ السلام الدولية»؛ منذ 1982. واستقرت في «الجورة» بسيناء ومقرها الرسمي «روما»، وتتبعها مكاتب اتصال بالقاهرة وتل أبيب، وشبكة من 35 برجا ونقطة تفتيش ومركز مراقبة على طول الحدود الممتدة شرق سيناء، وقوام القوة 1700 جندي.. و15 مراقب مدني أمريكي مهمتهم تنفيذ الترتيبات الأمنية الواردة في اتفاقية «كامب ديفيد».. وبهذا نستطيع أن نقول أن «كامب ديفيد» واتفاقية السلام وبرتوكول قوات حفظ السلام هي وثائق شاهدة على هزيمة السادات!.
هذه هي معاني النصر وحدوده في عرف السادات وحوارييه من أنصار الحركة الصهيونية في مصر.. وهم من أضاعوا التفوق الحقيقي الذي كان في الأيام العشرة الأولى للحرب؛ وكان يكفيها ملحمة العبور، وإنهاء اسطورة الجيش الصهيوني الذي لا يقهر. ولولا قرار السادات بمنع تقدم القوات إلى المضايق واكتفائه بكيلومترات قليلة شرق القناة. لحافظت القوات على الأرض التي استردتها، ولاستمر رئيس الأركان الفريق الشاذلي في موقعه يستكمل مهمته الوطنية.. ومع ذلك لم يكن النصر العسكري إنجازا حققته مصر وحدها؛ كان إنجازا عربيا جماعيا؛ لعبت فيه مصر وسوريا والمقاومة الفلسطينية أدوارا فائقة الجسارة..
وأعود إلى الوراء قليلا حين زرت بطل العبور الراحل الفريق سعد الدين الشاذلي في الجزائر، وذلك في النصف الثاني من عام 1982.. وخلال حوار مطول معه قال لي: «هل تعلم أن القوات التي كانت تحت قيادتي في اكتوبر 1973 بلغت مليون ومئتي ألف ضابط وصف ضابط وجندي.. منهم مئة وستين ألف ضابط».. بجانب التحول النوعي في الأداء.. حيث بلغ عدد حملة الشهادات العليا (بكالوريوس وماجستير ودكتوراة) ما يقارب المئة ألف.. وهذا ارتقى بالأداء العسكري، وكان ذلك واضحا في مفاجأة العبور وصدمة العدو من تحطيم «خط بارليف»، وقد كان العدو على قناعة بأن القنابل الذرية لا تنال منه؛ كأكبر مانع مائي في تاريخ الحروب.
إذن لم تكن مصر ولا سوريا وحدها يوم 6 اكتوبر.. وتغييب هذه الحقائق عن الأجيال الجديدة مكن القوى الانعزالية في مصر والقوى لطائفية والمذهبية على المستوى العربي؛ مكنها من تشويه الأبعاد الوطنية والقومية والتاريخية لتلك الحرب المجيدة.. وما يجري الآن من اقتتال بيني واحتراب أهلي؛ عمل متعمد لتصفية الحسابات مع شعوب وجيوش ملكت يوما إمكانية النصر كي لا تتكرر. ومن أجل الأجيال الجديدة، التي قد تتصور أن هذا كلام غير دقيق نستعين بالوقائع والأرقام. ونظرا لكثافة المعلومات وحجمها وتعدد مراجعها؛ نلخصها في السطور التالية:
– حشد مصر 300.000 جندي من قواتها البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي، وإن كانت البحرية المصرية لم تشترك في الحرب بشكل مباشر؛ إلا أنها تمكنت من حصار الدولة الصهيونية وإغلاق مضيق باب المندب بوجه سفنها وبوارجها.
– إندلاع المعارك على هضبة الجولان؛ بالتزامن مع الهجوم المتفق عليه بين القيادتين السورية والمصرية، وقيام قرابة مئة طائرة مقاتلة بقصف مواقع القوات الصهيونية هناك، كما فتحت المدافع نيرانها لمدة ساعة ونصف الساعة، فانطلقت وحدات وقطاعات الجيش السوري عبر الجولان لتخترق «خط آلون» الدفاعي وصولاً إلى مشارف بحيرة طبرية، وتكبدت القوات المعادية خسائر فادحة. ولولا خداع السادات لسوريا لاتخذ التاريخ السوري والعربي مسارا مغايرا.. وعرضنا تفاصل ذلك الخداع في مقال العام الماضي على هذه الصفحة.
قدمت تسع دول عربية دعما عسكريا لمصر وسوريا.. فالجزائر شاركت بلواء مدرعات وعدة أسراب طائرات؛ سرب ميجغ 21، وسرب ميغ 17، وسرب سوخوي، وقدمت ليبيا لواء مدرعا وسربي طائرات مقاتلة من طراز ميراج؛ أحدهما بقيادة طيارين ليبيين، والآخر قاده طيارون مصريون. وقدم العراق للجبهة المصرية سرب طائرات مقاتلة من طراز هوكر هنتر، وأمدت المغرب الجبهة المصرية بلواء مشاة، بالإضافة إلى لواء مشاة سوداني، وكتيبة مشاة كويتية، وأخرى تونسية.
وأرسل العراق إلى الجبهة السورية فرقتي مشاة ومدرعات، وسرب ميغ 17 وثلاثة أسراب أخرى ميغ 21، وفرقة مدرعة أردنية، ولواء مدرع مغربي، وكتيبة مدرعات سعودية، هذا وقد حالت ظروف سبع دول عربية بينها وبين المشاركة بقوات عسكرية؛ هي: الإمارات، والبحرين، وعُمَان، وقطر، ولبنان، ودولتي اليمن شمالا وجنوبا. ولا يمكن إغفال المساعدات المالية والإمدادات النفطية.. فتبرعت ليبيـا بـ40 مليون دولار، و4 مـلايين طن زيت، ودفعت السعودية 200 مليون دولار والإمارات 100 مليون دولار. بجانب تبرعات اخرى من نفس الدول ومن دول عربية أخرى قبل الحرب وأثناءها. وأظهرت حرب اكتوبر 1973 أن شعوب وحكومات الدول العربية كانت متعاونة ومتضافرة؛ وما كان ممكنا من اثنين وأربعين عاما أصبح مستحيلا في المدى المنظور؛ حتى أن مجرد دعوة لتشكيل قوة عربية مشتركة أقلقت السعودية وطلبت تأجيلها، والتأجيل بلغة الدبلوماسية يعني الرفض!..
وإذا كان الانتصار العسكري قد حصل فإمكانية تكرار حدوثه واردة؛ إذا ما توفرت نفس الظروف والشروط.. لكن شيوع ثقافة الهزيمة بين الأوساط الحكومية وفساد الحياة العامة يجعل من ذلك أمرا مستحيلا. واستمرار هذه الثقافة، وبقاء تلك الروح من أسباب معاناة القدس وانتهاك حرمة المسجد الأقصى وتركهما بلا غطاء عسكري أو دعم اقتصادي أو ظهير شعبي.. دعونا نأمل.. فليس هناك من سبيل سوى عودة ثقافة المقاومة وإحياء روح التضحية والعطاء.
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب