نصر الله: حب المختلف

حجم الخط
12

علمت برحيل الأديبة اللبنانية إميلي نصر الله من كلمة ناديا الياس في «القدس العربي» بعدمـــــا أضحـــى وصـــول الصحف اللبنانية إلى باريس شحيحا.. كما علمت بمدى التكريم الذي أحاط بها قبل وبعد رحيلها من كلمة رشا الأمير. ولعل الغربة هي أن تعلم مصادفة برحيل الذين أحببتهم ذات يوم على الصعيد الشخصي واحترمت خيارهم على الصعيد الأدبي، وكنتَ تتمنى أن تعودهم في المستشفى خلال مرضهم أو تتصل بهم هاتفيا.
وأعتقد ان «القدس العربي» تواكب ما يدور في الوطن وليست في حاجة إلى تلاوة فعل الندامة كما فعلت جريدة «نيويورك تايمز» التي أغفلت ذكر نبأ وفاة عدة مبدعات أمثال البريطانية «شارلوت برونتي» والشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث، وسواهما كثيرات.
ولكن رحيل أحباب الزمن القديم يعــيدني إلى بحر من الذكريات واللقاءات والكلمات المرمية إلى الريح والنسيان لكنها لا تزال تغلي داخل رأســي كعش من النحل ناسجا عسل الحنين..

إميلي أبجدية مختلفة لكنني أقدرها!

حين وصلت من دمشق إلى بيروت لمتابعة دراستي في الجامعة الأمريكية كانت إميلي مشهورة كصاحبة رواية «طيور أيلول» وقد ظلت روايتها الأولى هذه الأكثر شهرة لدى القراء وكانت مختلفة عما دعي يومها «ادب الأظافر الطويلة» وهو عنوان مقالة من الناقد الراحل ن.ص. نشرها في جريدة «الأنوار» والمقصود بأدب الأظافر الطويلة ما تكتبه ليلى بعلبكي وكوليت خوري وأنا! ولم يرد ذكر إميلي في مقاله فقد كانت تكتب على نحو جميل ولكنه مختلف.. والإختلاف لم يمنعني يوما من محبة المبدع على طريقته بل العكس.. وروايتها «طيور أيلول» قربتها من قلبي على الرغم من الاختلاف في الأسلوب الأبجدي والتعبيري بيننا..
وما زلت أذكر اللقاء بها مصادفة في الشارع ـ بالضبط في منطقة العازارية في قلب بيروت ما قبل الحرب ـ وتواعدنا يومها على اللقاء.. ثم انفجرت الحرب اللبنانية وبقيت صداقتنا (مؤجلة) بعدما تناثرنا كالطيور في أرض البراكين وكنت أتوق إلى التعارف الشخصي مع إميلي فقد عُرف عنها أنها مخلوقة طيبة وإنسانة محبة، ثم أنها تسيل عطاء ككاتبة مختلفة عن موجة التحرر النسائي الثوري الذي مثّلــــته ليلى بعلبكي (التي حُوكمت) بسبب أحد كتبهــــا وكوليت خوري التي لقـــيت المتاعب من «النقد المتزمت» وأنا المتمردة الدائمة أيا كان الزمن والثمن..
استطاعت إميلي أن تجمع بين العطاء المبدع وغير الجارح إلا بالحنين إلى القرية.. وهكذا أحببت إميلي كأديبة وكإنسانة وكوعد بصداقة ولقاءات ومر العمر بين منفى وآخر وموت وآخر وجرح وآخر وكل منا يصارع على موجته الخاصة..

خطيئتي الكبرى: أنسى الموت!!

دوما أتوهم أن ثمة وقتا لأعيش الصداقات كلها التي أحبها في (المستقبل) ثم يعاجلني القدر بضربة موتهم وصار عليّ أن أصحو من ذلك الوهم الكبير بأن الغد ملكي ولا مهمة له غير انتظار أن يناسبني التوقيت.. دوما أنسى أن أهتف مع الشاعر لامارتين «أيها الزمن أوقف طيرانك».. ودوما أحزن بعد فوات الأوان على صداقات لم أعشها وعزائي أنني واكبت إميلي نصر الله كأديبة وطالعت كتبها. وإميلي تستحق كل تكريم لقيته في حياتها المديدة (87 سنة) وفي شهورها الأخيرة بعدما استفحل المرض..
وصحيح أنني تنقلت بين غربة (مشتهاة!) وأخرى بين لندن وجنيف وباريس ولم ألتق بإميلي كما كنت أشتهي لكنني لم أقصر يوما عن متابعة إبداعها ومحبتها أبجديا.. وكان إعجابي بها درسا في حب المختلف.

آه الصور القديمة الثرثارة الحية!

توقفت أمام الصورة التي نشرتها «القدس العربي» مع خبر رحيل إميلي: ها هي إميلي شابة جميلة وإلى جانبها صديقي الراحل د. جميل جبر الذي كنت ألتقيه في مطعم شعبي في حي «سوق الطويلة» في بيروت بالقرب من مقر عمله في (السكك الحديدية) وكنت أحضر من جامعتي الأمريكية للغداء معه ومرافقته إلى بعض المناسبات الأدبية وكان أخا أبجديا حزنت لرحيله ود. حليم بركات الذي كان أستاذا في الجامعة حين كنت طالبة فيها ثم صار أستاذا في U.S.A في جامعة درس فيها إبني، وضمت الصورة أيضا غسان كنفاني بكل وسامته وتحفظه وأناقته الطبيعية غير المتشاوفة..
ومنذ اليوم الذي استوقفتني فيه عبارة في واجهة مصور شعبي في النجف هي «الحياة فقاعة فصورها قبل أن تنفجر» من دون أن أعرف أن صاحب ذلك الحانوت الشعبي العريق للتصوير هو السيد نوري الفلوجي شيخ المصورين في العراق كما عرّفني عليه الأستاذ نجم الدراجي. بعد قراءتي لهذه العبارة صار للصور معنى آخر في خاطري. لم أعد أرى الصور كسطح بل صرت أراها حية ومتحركة وبأصوات وتضم الحياة والموت في (لقطة) واحدة.. وتقول لنا: موت الأصدقاء هو موتنا الآتي.

أهلا بجيل جديد من المبدعات والمبدعين

نعم. أحزنني رحيل إميلي نصر الله وذكّرني أن لا وقت إلا للتواصل مع الذين نحبهم قبل رحيلهم ورحيلنا والتوقف عن التوهم أن ثمة وقتا يناسب حروبنا وكوابيسنا وتشردنا و(برنامجنا الكتابي ومزاجنا)!
ولن يفوتني أيضا إعلان تفاؤلي بجيل جديد من الكُتّاب والكاتبات المبدعات بأظافر طويلة أو مخالب أو بلسمات ناعمة.. فالمهم أولا ليس التمرد بل الإبداع..
وإميلي نصر الله كانت مبدعة وعلى طريقتها الخاصة… والإعجاب بها درس في حب المختلف واحترام خياره ونحن في حاجة إلى ذلك على كل صعيد!

نصر الله: حب المختلف

غادة السمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية